يوم مشهود !

مارس 24, 2010

تبرّع
يوم مشهود !

بدا السيد "س" هادئا ومذهولا إلى حد ما من أثر الصدمة. لقد خضع مرتين، من دون جدوى، لعلاج السل المعياري وتناول لمدة عام أدوية مضادة للفيروسات الرجعية لفيروس نقص المناعة البشري، وقد غدا معتادا على العلاج وعلى الطاقم الطبي. ولكن الأمر مختلف اليوم.

 هذا أول يوم يخضع فيه لعلاج داء السل المقاوم للأدوية المتعددة، وقد تحلق حوله في منزله أربعة من العاملين التابعين للمنظمة الطبية الدولية أطباء بلا حدود وقد بدت على وجوههم تعابير مختلفة تراوحت بين الإثارة والقلق. وإذ ابتلع السيد "س" الأدوية الأربعة المختلفة التي عليه أن يتناولها خلال السنتين القادمتين، تليها حقنة سيأخذها يوميا لمدة ستة أشهر على الأقل، يكون قد تحقق حدث حيوي وهام. وقد أدرج برنامج آخر لعلاج السل المقاوم للأدوية المتعددة ضمن الرعاية الروتينية لفيروس نقص المناعة البشرية والسل. إلا أن في الحقيقة، كانت الرحلة في بدايتها لكل من المريض والبرنامج.

 اليوم العالمي لداء السل (24 مارس/آذار) هو دائما مناسبة لرفع الشعارات وإلقاء الخطابات، وسنة 2010 ليست استثناء، إذ تحيي هذا اليوم تحت شعار "في حركتنا لمكافحة السل: لنبتكر في سبيل تسريع وتيرة العمل". في ديسمبر/كانون الأول 2009، أوصت منظمة الصحة العالمية بضرورة رصد داء السل المقاوم للأدوية وعلاجه على الوجه السليم طبقا لجميع برامج السل. لكن للأسف، بالنسبة لأكثر من 90% من المصابين الجدد سنويا بداء السل المقدر عددهم بحوالي 500 ألف شخص، يظل الأمر مجرد طموح أكثر منه واقعا. ومعظم برامج مكافحة داء السل في العالم لا تحصل على الأدوية ووسائل التشخيص المعقدة والمكلفة وذات الجودة المضمونة لعلاج المرضى المصابين بالسل المقاوم للأدوية المتعددة.

 لقد استغرق بدء برنامج معني بعلاج السل المقاوم للأدوية المتعددة من أطباء بلا حدود حوالي سنتين، وهو البرنامج الذي انخرط فيه السيد "س"، وذلك رغم توفر المال والطاقم الطبي. إن المشاكل التي تعترض إدخال مثل هذا البرنامج العلاجي كثيرة في المناطق المفتقرة إلى الموارد وخاصة المناطق الريفية. وفي حالة السيد "س"، كانت القيود المفروضة على الواردات وراء الصعوبات في التزود بالأدوية المطابقة لمعايير الجودة الموافق عليها من قبل منظمة الصحة العالمية، بالإضافة إلى عدم انتظام الإمدادات من جهة منتجي الأدوية، مما أدى إلى تراكم التأخر وتمديد الآجال. لقد تطلب تشخيص حالة السيد "س" نقل عينة من بلغمه بطريقة آمنة (في حاويات خاصة) إلى مختبر ذات جودة مراقبة، على بعد 1,5 ساعة برا وجوا في الجانب الآخر من البلاد. ولأجل معالجته، تدربت الممرضات على توفير العلاج بشكل آمن في المنزل بشكل يومي وعلى مراقبة الأعراض الجانبية. واتُخِذَت تدابير مراقبة العدوى من أجل الحد من خطر انتقال داء السل إلى المرضى الآخرين والأقارب والطاقم الطبي. وأخيرا، تلقى السيد "س" وأسرته تدريبا وتعليما عن العلاج وعن كيفية التعامل مع الأعراض الجانبية غير المرغوبة والمتكررة، علما بأنها قد تتفاقم بسبب التفاعل مع الأدوية المعنية بمكافحة فيروس نقص المناعة البشرية التي يتناولها.

 ويتضح، من خلال تجربتنا، أن الوسائل والأدوية المستعملة حاليا لعلاج داء السل المقاوم للأدوية المتعددة غير ملائمة. ومع ذلك، فإن الحواجز التي تعرقل العلاج ليست بأي حال من الأحوال من الحواجز التي يستحيل التغلب عليها وعلينا استخدام جميع الوسائل المتاحة لكي لا نهمل المرضى الذين قد لا يتم تُشَخيص المرض لديهم لولا ذلك. وقد باتت الحاجة إلى المزيد من البحوث ملحة من أجل تحسين إدارة التشخيص والعلاج والبرنامج. وسينطوي هذا على تصدي الفجوة المعنية بالتمويل السنوي المخصص للبحوث حول داء السل وتطوير سبل مكافحته. (في سنة 2008، نقص التمويل 1,5 مليار دولار أمريكي أقل من 2 مليار دولار اللازمة سنويا المقدرة للقضاء على داء السل في جميع أنحاء العالم بحلول سنة 2050 ).

 إن أبرز فحص لتشخيص داء السل المستخدم في معظم أنحاء العالم هو الفحص المجهري لعينات من البلغم، الذي تم اختراعه منذ 100 سنة. وفي ظل ظروف الميدان في المناطق التي تعاني من وباء فيروس نقص المناعة البشرية، يفوت هذا الفحص مرضى مصابين بداء السل أكثر مما يشخص. ويظل الحصول على تقنيات أخرى أفضل، لازمة لتشخيص حالات مقاومة الأدوية المتعددة، مثل زرع عينات البلغم واختبار الحساسية تجاه الدواء، محدودا. وحتى عندما يتوافر التشخيص، إلا أنه يستغرق عادة عدة أسابيع. فهناك الآن حاجة ماسة جدا لاختبار سريع ورخيص ومتوفر في مراكز الرعاية.

وفضلا عن ذلك، يجب أن يوضع البحث في مجال علاجات أكثر فعالية واقتصاداً ضمن الأولويات. ونحن في حاجة ماسة وملحة لعلاجات أنجع وأسرع مع آثار جانبية أقل تكون متوافقة مع الأدوية الأخرى، خاصة الأدوية المضادة لفيروس نقص المناعة البشرية. ويجب أن يواصل سعر الأدوية انخفاضه، بالرغم من أن تطوير أغلب الأدوية المستعملة لعلاج السل المقاوم للأدوية المتعددة يعود إلى ما قبل سنة 1975، فإن علاج مريض واحد لا يزال يكلف أكثر من 2000 دولار أمريكي.

 وأخيرا، لا تزال جهود السيطرة على داء السل تجابه تعقيد علاج مرضى السل المقاوم للأدوية المتعددة. ونحتاج إلى توثيق خبرة ممارسة المقاربات المبتكرة لتقديم العلاج في المناطق المفتقرة للموارد حيث يعيش أكبر عدد من هؤلاء المرضى. ونحتاج كذلك إلى تطوير مقاربات مصدقة وفعالة من حيث ثمنها من أجل تصميم البرامج المناسبة. يجب أن يعالَج السل المقاوم للأدوية بشكل يعزز برامج داء السل الحالية: من خلال التصدي لانتقال عدوى حالات المقاومة للأدوية مع السيطرة تماما على المرض وإيقاف المقاومة للدواء عن طريق العلاج والتشخيص الناجعين لجميع حالات السل، وأيضا من خلال مراقبة سوء استعمال أدوية مرض السل التي تباع من دون وصفة.

 لقد بات تجسيد تطلعات اليوم العالمي لداء السل ومنظمة الصحة العالمية على أرض الواقع لفائدة جميع المرضى واجب التحقيق اليوم. إذ يتوفى ما يزيد عن 4500 شخص يوميا في الوقت الحالي بسبب السل. وقد سألني مؤخرا مريض مصاب بالسل المقاوم للأدوية المتعددة يعيش في بلد لا يتوفر فيه العلاج بعدُ :"كم سأعيش من الوقت؟" وسيظل آلاف المرضى يطرحون هذا السؤال كل عام طالما غابت التكنولوجيا الملائمة والعاجلة، والمقاربات الإبداعية والمزيد من البحوث. والجواب الذي كان علي أن أجيبه على سؤال مريضي غير قبول.

إدعم منظمة أطباء بلا حدود

تبرّع

العودة إلى الأعلى

تواصل معنا

  • شاهدنا على يوتيوب

حمولة