جنوب السودان: قصة شفاء وموسيقى

نوفمبر 4, 2012

تبرّع
جنوب السودان: قصة شفاء وموسيقى

انتهت مؤخراً مهمة أثينا فيسكوسي في جنوب السودان حيث كانت تعمل بصفتها مسؤولة عن الصحة النفسية لمنظمة أطباء بلا حدود في مخيم اللاجئين جمام، في مقاطعة مبان. وكان فريق الأخصائية للصحة النفسية يتكون من لاجئين درّبتهم على الرعاية النفسية الأولية من أجل تقديم المساعدة في حالات الإجهاد والصدمات، إلى جانب الدعم النفسي الأساسي والتعرف على الحالات الأكثر حدة التي يجب إحالتها على مسؤولة الصحة النفسية والفريق الطبي. بالإضافة إلى ذلك، درّب الفريق مجموعة من 13 موسيقياً ومغنياً وممثلاً من أجل إذكاء الوعي بشأن الصحة النفسية والخدمات التي تقدمها أطباء بلا حدود إلى المجتمع، وذلك عبر أداء عروض أسبوعية في جميع أنحاء المخيم.

فيما يلي، تحكي لنا أثينا قصة مريض ترك لدى الفريق ذكرى لا تُنسى.

خالد* رجل في الثلاثين من العمر، طويل ونحيف، أصله من جبال الأنجسنا في ولاية النيل الأزرق السودانية. لاحظه طاقم المنظمة أول مرة حين كان يجوب داخل مجمعنا، تبدو عليه علامات التيه ورأسه أشعث، وإلى جانبه صديق له يعمل معنا. حينها، لم يكن بعد لدينا برنامج مخصص للصحة النفسية، ولكن بمجرد أن وصلت بصفتي مسؤولة عن الصحة النفسية، أرسلنا صديقه ليأتي به. تحدثت إليه من خلال مترجمي، ولكنه كان معظم الوقت يهمس بكلمات مبتورة وإشارات بيده. قال لنا بأنه كان متزوجاً ولكن زوجته هجرته لأن "دماغه ليس سليماً". وحين سألناه إن كان لديه أطفال، رفع أمام وجهه ثلاثة أصابع. كما أخبرنا بأنه كان جندياً، ولكنه لم يحدد كم دام ذلك من الوقت ومتى.

بدأنا في علاجه بوساطة دواء مضاد للذهان، وقد وعدَنا صديقه بأنه سوف يتناوله، فطلبنا منه أن يسأل أفراد عائلة خالد الآخرين الحضور مرة أخرى لكي نحصل على قصة أوضح عما وقع له. عاد إلينا ومعه اثنتين من عماته، اللتين أخبرتانا بأنه عمل في الجيش لنحو خمس سنوات، وقد عاد إلى المنزل السنة الماضية وقد أصبح مشوش الذهن وعديم التواصل. بعد ذلك بفترة وجيزة، حصل هجوم مسلح فهرب من قريته مع باقي أسرته. كما أخبرتنا عمتاه بأنهم حين وصلوا إلى مخيم جمام، أخذت زوجته الأطفال وانتقلت للعيش في مُجمع والديها.

عاد خالد إلى العيادة مرة أخرى لوحده. لم يكن يتحدث بعد، ولكنه بدأ يبتسم ويتواصل أكثر بعينيه، كما كان يرتدي ملابس نظيفة. رافقني خالد مع المترجم لمدة يومين في الجولات التي كنا نقوم بها داخل المخيم.

بعدها، لم نره لمدة قصيرة، حاولنا خلالها البحث عنه في المجمع الذي تقيم فيه عائلته، فأُخبرنا بأنه يعيش في خيمة زوجته. حاولنا زيارته هناك، ولكن ذلك الجزء من المخيم كانت قد تعرض للفيضان ولم يكن باستطاعتنا الوصول إليه. ذات ظهيرة، وقف خالد على باب العيادة وهو في غاية الاتساخ، وكان من الواضح أنه يتجاوب مع بعض الهلوسات الصوتية، يهز رأسه بشدة ويتحدث مع الفراغ. طلبنا منه أن ينتظر لكي يراه أحد أطباء طاقمنا، ولكنه ما فتئ أن رحل. لذلك، أعْلَنّا داخل المخيم بأننا نبحث عنه، ولكن ما من أحد استطاع أن يأتينا به.

كان مُسجل العيادة، حميد، مُدرّساً لعدة سنوات في ولاية النيل الأبيض، وكان يعرف العديد من الناس والعلاقات التي تربط بعضهم ببعض. ذات يوم، تعرّف على والد خالد في العيادة، فجاء به إلينا. كان أنور، والد خالد، من أحد شيوخ القرية. أخبرنا بأنه لم تعد تربطه علاقة طيبة بابنه منذ مرضه. وكان جميع معارف خالد يعرفون ما أصابه، وكانوا يرونه يهيم على وجهه بلا هدف في جميع أرجاء المخيم. كما أخبرنا الشيخ أنور بأن خالداً كان محبوباً لدى الجميع وكان محترماً قبل أن يمرض، كما أنه كان يعزف على الربابة ويغني. فأخبرتُ الشيخ بأنني أتمنى أن أرى خالداً يعزف ويغني قبل أن أغادر جنوب السودان. فأكد لي الشيخ بأنه سوف يبذل كل ما في وسعه ليأتي به إلى العيادة، ولكننا لم نر بعدها الأب ولا الابن لعدة أسابيع.

وفي النهاية، حملته أقدامه لوحده إلى العيادة وكان قد تحسن مظهره وأصبح أنظف وألطف سلوكاً. هذه المرة، أراد مسؤول العيادة، روبرت، الذي يعمل كذلك ممرضاً نفسياً، أن يتأكد من التزام خالد بتناول دوائه، لذلك طلب منه أن يرجع إلى العيادة مع أحد أفراد عائلته يكون قادراً على ضمان التزامه. فنفذ خالد الطلب، فعاد إلينا مع أحد أبناء أعمامه الذي وافق على الإشراف عليه.

وحين نفدت أدويته، عاد إلينا لوحده لتجديدها. وكان هادئاً ولطيفاً، يبتسم لي ويحَيّيني بالإنجليزية. في تلك الفترة، أكد لي العديد من الناس خلال زياراتنا للمخيم بأنهم التقوا به وبأنهم مسرورون بتعافيه. وكانوا يقولون: "خالد أصبح بخير الآن. إنه يتحدث إلى الناس".

ذهبنا لزيارة المنطقة التي يشرف عليها الشيخ أنور والد خالد. خرج إلينا خالد وبادرنا بالتحية وقدّم إلينا طفله البالغ من العمر سبع سنوات. وجاءت إلينا سيدة وأخبرتنا بأنها شهدت تحسن حالة خالد، وبما أننا استطعنا معالجته فلربما نستطيع مساعدة زوجها الذي أصبح يميل إلى الوحدة ولا يرغب في مغادرة خيمتهم أو مساعدتها في رعاية أطفالهما الثمانية.

وبينما كنا نتحدث معها، اقترب منا الشيخ أنور وعبّر لنا عن امتنانه لمساعدتنا في علاج ابنه، وقال: "لقد عاد الآن مجدداً إلى جسده". وكعربون على امتنانه، قدّم إلينا قلادة قال إنها ستحمينا من الأفاعي، وإن ارتديناها فلن تلدغنا الأفاعي، حتى وإن دهسناها. ويبدو أن الشيخ أنور كان أيضاً عشّاب أشجار معروف، أو ما يعرف بالـ"كجور".

طلبنا من خالد أن ينضم إلينا في العرض الموسيقي الذي نظمناه ذاك اليوم، فالتحق بنا هناك. وبعد انتهاء عرض المسرحية، طلب منا الربابة وقام بأداء عدة مقاطع موسيقية. وكان الجمهور يطالب بالمزيد، وقد علمت بعدها أن خالد كان يعزف على قنوات الإذاعة في النيل الأزرق. بل حتى الموسيقيون في مجموعتنا قالوا بأنهم يفتخرون بعزفهم إلى جانبه بالنظر إلى شهرته، كما عبروا عن فخرهم لأنهم كانوا جزءاً في برنامج استعادته لصحته.

* الأسماء مستعارة لحماية خصوصية المرضى

إدعم منظمة أطباء بلا حدود

تبرّع

العودة إلى الأعلى

تواصل معنا

  • شاهدنا على يوتيوب

حمولة