"إنه فعلاً توازن في غاية الدقة": طبيبة تابعة لمنظمة أطباء بلا حدود في مخيم جمام

مارس 15, 2012

تبرّع
"إنه فعلاً توازن في غاية الدقة": طبيبة تابعة لمنظمة أطباء بلا حدود في مخيم جمام

أتواجد طوال الوقت في مستشفى منظمة أطباء بلا حدود، وبذلك فأنا معزولة نوعاً ما عن مخيم اللاجئين. وهذا يعني أنّ معظم المرضى الذين نقابلهم هنا مهذبون جداً، إذ إنّهم قاموا بما يفعله جميع الناس في كل مكان من العالم، ألا وهو الظهور بمظهر لائق أمام الطبيب. وهم كذلك بالفعل، فهم مهذبون لدرجة تكاد تنسينا بأننا في مخيم للاجئين، إذ ينتابنا شعور بأنهم بذلوا مجهوداً للقيام بذلك. ثم نعود لنعي فجأة بأننا في مخيم للاجئين عندما يصل طفل يعاني من الإسهال منذ شهر، وقد أتى بصحبة والديه من الفوج (نقطة العبور الحدودية) الليلة الفائتة، حيث إنهم لم يأكلوا أو يشربوا شيئاً منذ يومين، وقد عانى طفلهم من خمس نوبات إسهال خلال ذلك اليوم.

يكون الوالدان متوترين وقلقين للغاية، ثم نلتفت إلى الطفل محاولين البدء بالمحاقن الوريدية والتغذية الوريدية، وننجح على أي حال في إدخال بعض السوائل... لكن غالباً ما يعاني الأطفال الذين نتعامل معهم من سوء التغذية، وعلينا أن نقوم بفعل كل شيء بعناية فائقة، إذ يمكن أن نتسبب بسهولة بتعريض الطفل لقصور قلبي أو وزمة تنفسية. ولهذا فإننا نحاول إيجاد توازن في غاية الدقة، حيث إننا لا نتعامل مع أطفال أصحاء أصيبوا بالمرض، إنما مع أطفال يعانون من مشاكل صحية في الأصل وهم الآن في حالة سيئة.

نواجه العديد من حالات الإسهال ونحاول أن نشرح لهم كيفية تركيب محلول الإماهة الفموي، ونحن مدركون بأنهم لا يملكون ما يركبون فيه هذا السائل.

فحتى أنا أجد صعوبة في أن أحدد تماماً مقدار نصف كيس، ثم نأتي ونقول لهم بأنه ينبغي عليهم شرب الماء مهما حصل، كما أن عليهم شرب سائل الإماهة الفموي الذي نعطيه إياهم. أما هم فيهزون برأسهم ويقولون نعم، إلا أننا نعلم بأنه لا يوجد لديهم ما يكفي من الماء. فهم يحصلون على بضعة لترات فقط من المياه كل يوم. وهذا يعني بأنهم لا يملكون ما نصفهم لهم، الأمر الذي يعطينا شعوراً بأننا نضع ضمادة صغيرة جداً على جرح كبير نازف.

لقد قمنا حتى الآن بالعمل معاً على النوبات الليلية، إذ علينا التواجد طوال الوقت هناك، وخاصة مع الأطفال الذين يعانون من نقص شديد في التغذية، حيث ينبغي علينا الموازنة بين إعطائهم ما يكفي من السوائل دون أن نتسبب لهم بقصور قلبي.

ونحن اليوم قادرون على القيام بذلك، إلا أنني لا أدري كم من الوقت سيمكننا العمل بمثل هذه الوتيرة.

جاء أحد المرضى وكان صغيراً جداً، بعمر سنتين أو ثلاث سنوات، وظننا جميعاً بأنه لن يعيش، فلا فرصة أمامه للنجاة. لكن ولحسن الحظ كنا قد ركبنا حديثاً جهازاً للأكسجين، ولذلك بدأنا بإعطائه الأكسجين، ثم قدمنا له العلاج الكامل، ومع حلول نهاية اليوم كان الولد يتذمر ويطلب العودة إلى المنزل! لقد شعرنا بفرحة كبيرة. عندما يبدأ طفل ما بالإزعاج، فهذا يعني بأن الأمور على ما يرام. وفي النهاية، فإننا نبقي مثل تلك الحالات في المستشفى حتى اليوم التالي. إذ بأن الطفل أتى إلينا وهو يحتضر، ولا يمكننا أن نرسله بهذه البساطة إلى منزله في اليوم ذاته...! لكن هذا الأمر يحصل أحياناً حيث يتعافى المرضى هكذا بشكل مفاجئ.

كما أننا نشهد بعض الحالات المشابهة للشفاء عندما نحيل أحد المرضى إلى دورو، حيث تدير منظمة أطباء بلا حدود مستشفاً أكبر. بعد إرسال أحد المرضى، نقضي ليلتين ونحن نتساءل عن وضعه الصحي. فاليوم على سبيل المثال رأيت طفلاً في السابعة من عمره، ولم أعتقد قط بأنه سينجو. فقد كان مريضاً للغاية ولا نمتلك هنا الوسائل التشخيصية التي تساعدنا لمعرفة ما يعاني منه بالضبط. غادر بسرعة حيث كانت جدته غائبة عن المنزل، وكان عليها الصعود إلى السيارة والمغادرة على الفور، وقد كانت تبكي. لقد كان مشهداً مؤثراً للغاية أن نراها وهي تبكي، وكان بإمكاننا أن ندرك مدى خوفها ووحدتها. أما عندما عادت اليوم فكانت الابتسامة مرسومة على وجهها وكانت تصافح الجميع وتطلب من الطفل أيضاً أن يصافحهم. ومثل تلك الأمور تجعلنا قادرين على تحمل الأيام الصعبة التي نمر بها.

الترجمة إلى ثلاث لغات، يا لها من قضية.... فالأمر في غاية الصعوبة، كما أن المترجمين يتعبون، حيث أننا نبدأ باللغة القبلية، ثم من اللغة العربية إلى الإنجليزية، ثم بالعكس. وكثيراً ما يأتينا أربعة أطفال على سبيل المثال تصطحبهم جدتهم أو أختهم الكبرى التي لا تعرف ما كان يحدث بالضبط. وهم يتوقعون منا أن نقرأ الأفكار ونعرف ما الذي يجري. نحاول أن نشرح لهم بأنه لا يمكننا المساعدة ما لم يخبرونا شيئاً. إلا أن الأمر يبدو غريباً جداً بالنسبة لهم، لأننا نحمل سماعات قلب، وسماعة القلب قادرة بنظرهم على تحديد مشكلة أي كان. إنني أدرك مدى الصعوبة التي يواجهها المترجمون. فالترجمة مسألة صعبة في العادة، إلا أن هذا النوع من الترجمة هو في غاية الصعوبة.

في أول ليلة لي هنا كان هنالك طفل في وضعٍ سيئ للغاية جعلنا نبقى مستيقظين طول الليل برفقته. ثم أخبرونا بأن هنالك طفلاً آخر في حالة سيئة على البوابة فذهبت إلى هناك تاركة الطفل المريض وحيداً لبضع دقائق لأتمكن من رؤية الطفل الآخر الذي كان في الانتظار. وبينما كنت أسير رأيت الحراس وهم يقتلون أفعى ضخمة على الأرض. في لحظات كهذه علينا أن نضحك لأنه وضع يدعو للسخرية... يسقط المصباح الذي نضعه على رؤوسنا ونسقط على الأرض، وهنالك تلك الأفعى الضخمة السامة على الأغلب. إنه موقف مبالغ فيه جداً وإن لم نضحك في مثل تلك اللحظة فمن الصعب أن نجد ردة فعل أخرى.

إدعم منظمة أطباء بلا حدود

تبرّع

العودة إلى الأعلى

تواصل معنا

  • شاهدنا على يوتيوب

حمولة