بقلم آدم شارب، منسق برنامج منظمة أطباء بلا حدود في سوريا

ديسمبر 4, 2013

تبرّع
بقلم آدم شارب، منسق برنامج منظمة أطباء بلا حدود في سوريا

"أجل، أعتقد أن العديد من الجرحى سيأتون الآن... لعله من الأفضل أن نستدعي الجراح".

"فكرة جيدة". هذا ما قلته بعد وهلة من التفكير. لم يكن لدي إجابة أفضل.

تلك هي الكلمات التي تفوه بها مساعدي أيوب* على الساعة السادسة والربع صباح يوم في يوليو/تموز في شمال سوريا، ونحن نحدق في الجبال البعيدة ونسمع صدى المدافع على امتداد الوادي. وسأسمع تلك الكلمات مراراً وتكراراً طوال الأسبوعين التاليين حيث تدفقت أكثر من 160 ضحية، من الرجال والنساء والأطفال، إلى المستشفى البسيط الذي كنا نعمل فيه. كانت تلك المرة الأولى التي توقع فيها أيوب أمراً بتأكيد تام.

وعلى الرغم من أنني عملت لسنوات عديدة في الطوارئ الانسانية إلا أنني لم أكن مستعداً للوقوف على سقف حضيرة قديمة على قمة تلة في مكان كان يُعرف ببلاد الرافدين. أستمع إلى دوي المدافع القريبة محاولاً تفهم ما يُفترض علي أن أفعل للاستجابة للوضع. في باطني، لم أستطع أن أفهم مدى شعوري بالفخر بذلك المُتكهن الواقف حذوي، شخص يمكنه توقع ما سيحدث خلال اليوم عندما يستنشق نسيم الصباح. وبالفعل، اتصلنا بالجراح، بالصراحة اتصلنا بالجميع، بدت لي الفكرة جيدة في تلك الحالة. في الواقع، كانت الفكرة الوحيدة، لكن هذا الهدف من حضورنا هناك. تمنيت أن نكون مستعدين لما سيحدث...

ابتلعنا بقايا الشاي المحلى بالسكر ونزلنا بسرعة لرؤية زعفر، العامل على تشغيل الراديو طالبين منه توجيه نداء: "الجميع على أهبة الاستعداد"، أو بلغة أطباء بلا حدود: "وفود إصابات جماعية". 

وصلت أول سيارة إسعاف قبل أن نكون مستعدين. كانت شاحنة صغيرة تحمل مقاتلين جريحين، رجلان كانا على الجبهة، شاحبي اللون وتقريباً فاقدي الوعي مستلقيين على مراتب في الخلف. صعدت موجة من الشباب المتطوعين من القرى المجاورة على متن الشاحنة ووضعوا كل مريض على متن نقالة وأدخلوهما إلى غرفة الطوارئ ثم اجتمعوا من جديد أمام أبواب المستشفى في انتظار وصول سيارة إسعاف أخرى. شخّص طبيب المناوبة بسرعة أن أحد الجريحين بحاجة فوراً إلى عملية جراحية على مستوى البطن. حالته معقدة ومربكة فهو يعاني من جروح عديدة على مستوى البطن: ولكن فرص بقائه على قيد الحياة بسيطة في أفضل الأحوال.

وصل الجرّاح وليام على الساعة السادسة والنصف صباحاً، أي دقائق بعد وصول أول جريحين. يتمتع وليام بعشرين عاماً من الخبرة لدى منظمة أطباء بلا حدود وهو متوسط القامة ويتّسم بهدوء طبيعي فهو بمثابة صخرة وسط الهيجان. غسل وليام يديه في أقل من خمس دقائق ثم دخل غرفة العمليات برفقة أخصائي التخدير وممرض غرفة العمليات وأجرى عملية جراحية على الرجل الذي يعاني من ثقب في المعي. ويضم الفريق العامل لدى المنظمة الذي وصل بأكمله بعد ساعة نحو 90 موظفاً محلياً، من أطباء وممرضين وقابلات وسائقين وحراس، بالإضافة إلى 12 موظفاً دولياً، معظمهم من أصحاب المهن الطبية وكلهم يعملون بكد أو يمدوا يد المساعدة بشكل أو بآخر قدر استطاعتهم. لقد أصبح المستشفى يعج بالأشخاص.

عمل فريق الجراحة حتى الساعة الثالثة صباح اليوم الموالي دون انقطاع. لعلهم جلسوا لمدة 30 أو 40 دقيقة وأعتقد أنهم أجروا ثماني عمليات جراحية. استمر الوضع كذلك على مدى أسبوعين تقريباً. وقال لي وليام في اليوم الأول الذي بدأ فيه بإجراء العمليات: "لقد كان هذا أصعب يوم منذ اعتنقت مهنة الجراحة"وهو يعني ما يقوله. لحسن الحظ، لم أسمعه يردد ذلك على الرغم من أنه أجرى أكثر من 40 عملية جراحية أخرى في الأيام التالية بيد أنها لم تكن صعبة كاليوم الأول.

ولكن هنا المعضلة. ليس هذا أهم عمل تقوم به منظمة أطباء بلا حدود في سوريا.

ليس هذا هو المكان الذي يتم فيه إنقاذ حياة معظم الأشخاص ولا التخفيف من معاناتهم ولا صون ودعم كرامتهم الإنسانية. بل يجعل كل ذلك الرواية مثيرة أكثر للاهتمام. أليس كذلك؟

بدلاً من ذلك، يمكنني أن أكتب عن محمد أصغر البالغ من العمر 60 عاماً والذي يقطع كيلومترين سيراً على الأقدام عبر الوادي حتى يتلقى علاج مرض السكري كل أسبوعين ويتوقف في طريقه عند محل بيع الشاي بعض ساعات لتبادل أطراف الحديث عما يُقال في المنطقة. لعلني أكتب عن سلمى المرأة الحامل وزوجها بسام، الذين قضيا شهراً في جناح الأمومة نتيجة تعرضها لمقدمات الارتعاج قبل أن تنجب طفلة في صحة جيدة. ويمكنني أن أكتب عن هذا كله لكنني لست ماهراً فعلاً لتصوير مثل هذه القصص الإنسانية باهتمام أو الأهم من ذلك، لا أملك الدقة ولا العاطفية التي تستحقها.

ومع ذلك، سأحاول أن أبين أنه هناك أشخاص يعيشون خلف هذه المأساة، أي القنابل والدماء وعناوين الأخبار، ويحاولون جميعاً ممارسة حياتهم اليومية وهم ماضين في ذلك من يوم لآخر. هناك أشخاص يريدون زرع أراضيهم وآخرون يرغبون في الذهاب إلى مدارسهم أو الاهتمام بالمسنين أو يتطلعون إلى أن يصبحوا أطباء أسنان أو كهربائيين أو أدباء. هناك من يحلم بإنجاب أطفال وبالحب والسعادة. هناك من يسعى إلى توفير الأمن لعائلته أو توفير مسكن جديد بمناسبة حلول مولود جديد. كلها أمور نتطلع إليها جميعنا كل يوم في جميع أنحاء العالم. فكيف القيام بمثل هذه الأمور في بلد يعاني من نزاع مسلح؟ كيف يحاول المرء ممارسة حياته اليومية في خضم النزاع في الوقت الذي تستنفد فيه كل يوم لاحتياطات المعنوية والمادية تدريجياً حتى تتناثر فلا تدري ما عساك أن تفعل بعد ذلك؟ فمنهم من فقد صديقاً أو غادره شقيق وعائلات تفككت وأخرى تفرقت.

يساعد توفير الرعاية الصحية على الإبقاء على حدّ من التحكم في حياتهم والحفاظ على كرامتهم. فتضم المستشفيات موظفين سوريين متخصصين مدعومين بحضور المنظمة من خلال ما جلبت من معدات وأدوية وخبراء طبيين. أجل توافدت أعداد هائلة من الضحايا على المستشفى خلال الأسبوعين وقد تم فعلياً إنقاذ أرواح عدّة في غرفة العمليات ولكن في الواقع، ظل قسم الطوارئ هادئاً نسبياً طوال الأشهر الستة التي سبقتهما. كانت الأجواء هادئة على الرغم من كوننا كنا نغطي نحو 90 في المئة من مجموع الاحتياجات الصحية لنحو 100,000 فرد.

* تم تغيير الاسماء

إدعم منظمة أطباء بلا حدود

تبرّع

العودة إلى الأعلى

تواصل معنا

  • شاهدنا على يوتيوب

حمولة