هايتي: " إذا لم تشرب، فهي ستموت"

ديسمبر 12, 2010

تبرّع

مقابلة مع ميشال مايس، ممرضة تابعة لمنظمة أطباء بلا حدود

هايتي: " إذا لم تشرب، فهي ستموت"

ذهبت ميشال مايس إلى هايتي لأول مرة في بعثة تابعة لمنظمة أطباء بلا حدود إثر الهزة الأرضية التي ضربت هايتي في يناير/كانون الثاني الماضي. وعادت ميشال، في نوفمبر/تشرين الثاني، أي في غمرة تفشي وباء الكوليرا في البلاد، لتعمل كممرضة مشرفة لمدة ثلاثة أسابيع في مركز علاج الكوليرا التابع لمنظمة أطباء بلا حدود في مستشفى تابع لوزارة الصحة واقع شمال العاصمة بورت أو برانس، وهي من أكثر الأماكن إصابة بالوباء.

وقد عالجت منظمة أطباء بلا حدود لغاية 28 نوفمبر/تشرين الثاني إجمالاً أكثر من 41,000 مريض في غضون سبعة أسابيع منذ أن ظهر الوباء لأول مرة. وفي الوقت ذاته، واصلت المنظمة تنفيذ برامجها الأخرى في هايتي. وتضم المنظمة اليوم 30 مركزاً لعلاج الكوليرا في مختلف أرجاء البلاد إضافة إلى 3,200 سرير مخصص لعلاج المصابين بالكوليرا. وأصبحت عمليات قبول المرضى داخل المستشفيات مرتفعة في بعض المناطق ومنخفضة في مناطق أخرى في حين ظلت مستقرة في منطقة أرتيبونيت حيث ظهرت أوّل حالات إصابة بهذا الوباء.

وقد عالجت مايس وزملائها في بورت دو بي أكثر من 2,100 حالة خلال ثلاثة أسابيع فقط. وقد تمكنت الفرق التابعة لمنظمة أطباء بلا حدود من التقليص من معدل الوفيات في مراكز علاج الكوليرا على غرار المركز الذي تعمل فيه مايس لأقل من اثنين بالمائة. بيد أنّه حسب ما سترويه مايس، ما زال الشعور بالضرورة القصوى وضرورة توخي الحذر واستنباط الحلول والتدريب على نحو مستمر.

كيف تم بلورة البرنامج في بورت دو بي؟

عثر فريق الاستكشاف على هذا المستشفى وبدأ بتوفير العلاج إلى المصابين بالكوليرا ولكن لم يكن هناك أي بروتوكول كما أنّ المعلومات المتوفرة كانت قليلة جدّاً ولم يكن هناك سوى ممرضين مساعدين كانا يوفران الرعاية لحوالي 40 مريضاً عندما وصل الفريق لأول مرة.

وقام الفريق أوّلاً بفصل المصابين بالكوليرا عن بقية المرضى الذين تمت إحالتهم إلى أماكن أخرى. وكان لدينا مجمّعاً صغيراً يضم بعض المباني وكنيسة صغيرة، وسرعان ما اكتظت جميعها بالمرضى.

وكان علينا في آن واحد الأخذ في عين الاعتبار المنظور اللوجستي للفضاء المخصص للمرضى وتوفير الأسرّة، فضلاً عن منظور الموظفين إذ لا يمكن علاج العديد من المصابين بالكوليرا عن طريق ممرضين مساعدين. فعندما وصلت إلى هناك، تم توظيف ثلاث أو أربع ممرضين. وبعد مرور بضعة أسابيع، أصبح لدينا أكثر من 70 ممرضاً وكنّا في حاجة لتوظيف حوالي ضعف هذا العدد لتقديم الرعاية إلى 150 مريضاً يومياً.

هل صحيح أنّ هذا المرض كان جديداً على الموظفين الصحيين وعلى المرضى على حدّ سواء؟

لا أحد يعرف وباء الكوليرا. فلم يصبهم هذا الأخير منذ ما يزيد عن 100 عام. وبالتالي، أصبح هناك منحنى كبير للتعلم. عندما تستجيب إلى تفشي الكوليرا في بلد على غرار تشاد أو نيجيريا حيث يتوطن الوباء وحيث يصاب به الأهالي سنوياً، فإنّ المسألة تختلف تماماً إذ أنّ الأهالي يعرفون أنّه يتعين عليهم الذهاب إلى أي مرفق صحي ريثما تبرز الأعراض الأولى. أمّا في هايتي، فإنّ منحنى التعلم مهول للغاية. فيأتي المرضى إلى المركز وهم على شرفة الموت. ولحسن الحظ، يمكننا إنقاذهم وبعث الحيوية فيهم من جديد، بيد أنّ العديد منهم يأتون بعد فوات الأوان.

وماذا إذا لم يحصلوا على العلاج، أهي مسألة مرهونة بساعات من الزمن؟

هذه طبيعة وباء الكوليرا فهو مرض يتفشى بسرعة مهولة. فقد يموت المريض إذا لم يذهب إلى المستشفى في الوقت المناسب. وأحياناً، أقوم بجولة لزيارة المرضى، فإنني أجد بعض الأشخاص الذين قد يكون مآلهم الموت في غضون ساعة أو ساعتين إذا لم يتلقوا العلاج. وهذا عبء يقع على عاتقك. أمّ فيما يتعلق بمسألة التدريب، فإنّه يتعين عليك أن تغرس في ذهن الممرضين والأطباء أهمية التأكد من إماهة المرضى وأنّك تراقب حالتهم باستمرار.

كيف كان حجم الحالات؟

كان عدد المصابين يتراوح بين 40 و 50 مصاباً تم إدخالهم إلى المستشفى عندما وصلت إلى هناك. وكنّا آنذاك بدأنا نفكر في كيفية التوسع. وفي خلال بضعة أيام، بلغ عدد المصابين 100 مصاب، ثم تضاعف هذا العدد إلى أن أصبحنا نستقبل بين 100 و 150 مصاباً جديداً يومياً.

ومن ثمة، نقوم بوضع الخيام والنور الكهربائي، وهو أمر في غاية الأهمية حيث أنّنا بحاجة إلى رؤية المرضى ورؤية الوريد لكي يتسنى لنا وضع القسطر الوريدي. وكنّا قد بدأنا بوضع الأقمشة المشمعة في الأروقة لوقاية المرضى من تهاطل الأمطار.

هل كان عليكم التكيف باستمرار؟

تحتاج هذه المسألة قدراً كبيراً من الابتكار. ففي وقت ما، كنت أجلس مع الطبيب في ذعر لأنّه لم يكن لدينا مكان فاض في حين كان المرضى يأتون أفواجاً أفواج ومنهم من كان يحتاج إلى وضع قسطر وريدي. فلم يكن أمامنا خيار سوى وضع طفلين في نفس السرير وإن كان هذا الحل غير مثالي ولكن لا بد من العثور على حل ما.

عليك أن تفكّر بسرعة وأن تأخذ حلاً ما. يجب أن تسير الأمور. أعتقد أنّه يمكننا الشعور بالفخر لأننّا استطعنا العثور على حل. وأنّنا في خدمة الجماعة. إنّه فعلاً أمر حسيّ. فذات مرّة، جاءنا طفل صغير يعاني من الجفاف وكان على شرفة الموت، فحاولنا وضع قسطر وريدي في خلال 20 دقيقة. إلاّ أنّ صحة الطفل كانت تسوء شيئاً فشيء. كم كان الوضع مريباً. وفي الأخير، عثر الطبيب على حل ما. تكاد تجهش بالبكاء فنحن هنا للعثور على حلول للوضع.

هل تمكنتم من الوصول إلى حيثما شئتم؟

لقد وضعنا في بعض القرى وحدات أصغر لعلاج الكوليرا أو نقطة إماهة فموية. استطعنا القيام بذلك ولكنّنا لم نتمكن من الذهاب إلى هناك يومياً بسبب فصل الأمطار. إذ يجب عبور العديد من الأودية وقد يعسر علينا ذلك في بعض الأحيان نظراً لخطورة الأمر.

من المؤكد أنّ الشعور بالخوف والقلق كان يطغى على الجميع.

لقد كانت هناك إشاعات كثيرة حول كيفية الوقاية من الوباء وحول سبب تفشيه. كان العديد من السكان يعتقدون أنّهم إذا تناولوا أملاح الإماهة الفموية فإنهم سيوقون أنفسهم من الإصابة بالكوليرا. وبالتالي، أصبح الناس يأتون إلى المستشفى لتناول أملاح الإماهة الفموية فقط. كما حاول بعض الأشخاص السعي وراء الربح من خلال بيع أدوية مختلفة بحجة أنّها وقاية من الكوليرا. والخطير في الأمر أنّ الناس يعتقدون أنّها ناجعة. ثم يأتون إلى المستشفى في مرحلة متأخرة من المرض وأحيانا بعد فوات الأوان. فأفضل طريقة لكسر الشعور بالخوف هو علاج المرضى في غضون ثلاثة أيام وبالتالي يمكنهم العودة إلى الجماعات التي ينتمون إليها ويشاطرونهم الرسالة.

هل كان بإمكانكم تحقيق نوع من الروتين؟

كان المرضى يأتون إلى المستشفى ابتداء من الساعة 5 صباحاً بيد أنّ الفريق كان يشعر بتعب شديد بسبب العمل ليلاً. فأصبحنا نبدأ العمل مبكراً. وعندما تدخل، تغسل يداك وتبخّ رجليك بمادة الكلور للوقاية من العدوى. وهناك خيمة صغيرة حيث تعمل ممرضة على تسجيل المرضى وتحديد من يبدون في حاجة إلى العناية المباشرة وبإمكانه الانتظار وتناول أملاح الإماهة الفموية. ويتعين بالفعل أن يشرب أي شخص قادر على شرب هذه الأملاح بغض النظر عمّا إذا كان لديهم قسطرة وريدية أم لا.

وكل صباح، ينتظر حوالي 20 أو 30 مريضاً خارج الخيمة. في حين أقوم بالتثبت مع الممرض المشرف على انتقاء المرضى والبحث على الطبيب الذي عمل ليلاً والتحدث معه حول ما حدث وإذا كانت هناك بعض الوفيات وإذا كانت هناك حالات خطيرة. فإنّني أذهب لرؤيتهم قبل كلّ شيء. وإذا لم يكن هناك حالات خطيرة، فأقوم بدوريات وأسأل الممرضين إذا كانت الأمور تجري على ما يرام مع المرضى. ثم أتأكّد من الإمدادات، إذ قد يكون الفريق الليلي قد استخدم مجموعة كبيرة منها.

هناك مرضى شارفوا على الموت خمس أو ست مرّات ولحسن الحظ نحن موجودون لإعطائهم السوائل وأحياناً نضطر لإعطائهم الغلوكوز والبوتاسيوم لأنّ كهارلهم اختربت. لقد جاءنا العديد من المرضى في هذه الحالة. كانت هناك امرأة تعاني من تقيؤ شديد ومستمر فخلت أنّها ستموت. ولكنّها بقيت على قيد الحياة وقالت لي عندما زرتها: "أريد مغادرة المستشفى. هل أستطيع المغادرة اليوم؟". وهذه إشارة جيدة فهي كانت قبل يومين على شرفة الموت.

هل أحسست بالإرهاق لدى سكان هايتي بسبب تفشي هذا المرض الذي احتل صدارة كل الصعوبات التي تعرضوا لها على مدار هذا العام؟

يعلّق كل من يعمل في هايتي على قدرة سكان هذا البلد. فالعمل مع هؤلاء الناس مدهش. هم يأتون كل يوم، بعضهم من مناطق بعيدة، لأنهم في حاجة إلى العمل على الرغم من صعوبته. فيعمل الأطباء والممرضين 10 ساعات أو 14 ساعة. ويشعر الجميع بالتعب الشديد خاصة وأنهم سيقومون بنفس العمل في اليوم التالي.

ويؤثر هذا الوضع فيهم بصفتهم عاملين في مجال الصحة وباعتبارهم ينتمون إلى جماعات. فهؤلاء المرضى والديهم وأصدقائهم وإخوانهم وأخواتهم. في الجزء الشمالي من البلاد، لم يتضرر السكان بشكل كبير من الزلزال ولكنهم تضرروا بشكل هائل من الكوليرا. وقال لي أحد السائقين التابعين للمنظمة: "لقد توفي خمسة أو ستة أفراد من أصدقائي بسبب الكوليرا".

حسب رأيك، هل جاء تدريب الموظفين على كيفية التعامل مع هذا المرض بشكل أفضل بنتيجة؟

عندما غادرت، كان السكان قد بدأوا باستيعاب الأمور. أعتقد أنهم كانوا مذهولين في البداية لأنه كان من الصعب توفير المكان للتعليم. ولكن ما إن تم توفير المكان، وتعزيز المعلومات، بدأ الناس بأخذ مبادرات طيبة.

كان هناك طفل عمره سنة تقريباً وكانت أخته تبلغ من العمر سنتين أو ثلاث سنوات. وكانت أمهما مريضة جداً وكان والدهما يعمل طوال اليوم. وكان يقول: "إذا لم أذهب إلى العمل فإننّي قد اطرد منه وبالتالي لن أستطيع رعاية عائلتي". فقلت له: "لا تقلق". وقد اهتم الممرضون بهذه العائلة، بالطفل وأخته الصغيرة.

إنّها مواقف تعبر على وحدة الجماعة. فخلال الدوريات التي كنت أقوم بها، إذا كانت أم طفل ما غير موجودة إلى جانبه، فإنّ والدة الطفل الذي يرقد في السرير المجاور له تعتني بهذا الأخير وكانت تخبرني قائلة: "لقد جاءه الإسهال كذا مرة، وتقيأ كذا مرة". يا لها من جماعة متحدة وهو أمر يروق رؤيته. فمن دون هذه الألفة، لا أدري ما كان عسانا فعله.

إدعم منظمة أطباء بلا حدود

تبرّع

العودة إلى الأعلى

تواصل معنا

  • شاهدنا على يوتيوب

حمولة