"ويبدو أن هذا النوع من الأمراض قادر على الجمع بين كل الأنواع في أوقات الحاجة"

ديسمبر 18, 2010

تبرّع

جين بودجيني ممرضة أمريكية مرت بأكثر من 20 مهمة مع منظمة أطباء بلا حدود منذ عام 1999. وهي رئيسة الفريق الطبي التابع لفريق منظمة أطباء بلا حدود المعني بالطوارئ والذي يتصدى لتفشي مرض كالازار المهمل في ملكال الواقعة في ولاية أعالي النيل جنوب السودان.

"ويبدو أن هذا النوع من الأمراض قادر على الجمع بين كل الأنواع في أوقات الحاجة"

تم إرسالي إلى جنوب السودان في نوفمبر/تشرين الثاني كرئيسة لفريق منظمة أطباء بلا حدود الطبي المعني بالطوارئ لمواجهة تفشي كالازار، وهو مرض طفيلي ينتج عن لسعة ذبابة الرمل. وأي فرد معرض للإصابة بالكالازار، الأطفال والكبار والحوامل والمسنين، وتشمل أعراض المرض في الغالب حمى شديدة تستمر لما يزيد عن أسبوعين ونقصاً في الوزن وضعفاً جسدياً عاماً.

وتعد الفاشية هذا العام حادة بشكل خاص، حيث لاحظنا أن عدد الحالات ارتفع بثمانية أضعاف تقريباً مقارنة مع الفترة نفسها في العام الماضي: وقد عالجت منظمة اطباء بلا حدود 049 2 مريضاً في عام 2010 مقارنة مع 231 مريضاً في عام 2009. وينتشر المرض فقط في منطقة معينة من جنوب السودان في ما يدعى حزام الكالازار، ولو نظرت إلى خريطة جنوب السودان سيبدو لك أنها منطقة معينة تمتد غالباً على طول نهر النيل حيث تنمو أشجار الطلح بكثافة. وتختبئ ذبابة الرمل في قشرة شجرة الطلح وفي شقوق تربة القطن السوداء وتنشط غالباً في الظلام لأنها لا تتحمل الحرارة أو التعرض للضوء.

وصلنا إلى ملكال وبدأنا مواجهة الطوارئ بإنشاء بعض عيادات التوعية الموفرة للعلاج كما قدمنا الدعم لجناح الكالازار في مستشفى ملكال. ويكمن التحدي الكبير هنا ببساطة في التنقل. فالطريق الوحيد المؤدي إلى ملكال هو عبر الجو. وكان علينا أن ننقل عبر الجو كل أدويتنا ومعداتنا بالإضافة إلى الناموسيات والأغطية. وبمجرد الوصول إلى ملكال كان من العسير للغاية التنقل والوصول إلى المناطق النائية.

ونصل تقريباً إلى سائر عياداتنا المخصصة للتوعية في المناطق الريفية بواسطة القارب عبر نهر النيل. لقد بدأت المناطق الريفية تجف الآن بعد انتهاء موسم الأمطار وفي الأسبوعين السابقين تمكنا في نهاية المطاف من استعمال السيارة للذهاب إلى عيادتين. ولا وجود بالفعل للطرق لكن هناك فقط مسالك من التراب. بل إننا نواجه دائماً مشكلة المياه. وبالأمس قام فريقي المعني بالتوعية بالتنقل على متن السيارة لأكثر من 5 ساعات ليقطع فقط 85 كيلومتراً. وبينما كان أفراد الفريق يبعدون بمسافة كيلومتر عن العيادة، أدركوا أنهم عاجزون فعلاً عن استعمال السيارة للوصول إلى العيادة. وكان عليهم أن يمشوا في المياه الموحلة التي تصل حتى الركب لقطع هذا الكيلومتر الأخير للوصول إلى العيادة. وكانوا حاملين الإمدادات على رؤوسهم! وتواجهنا دائماً هذه "المفاجآت" الصغيرة أثناء سفرنا.

وفي عياداتنا لاحظنا أن أغلب الأشخاص المتضررين هم من الرجال. ونظن أن أغلبية الرجال يتعرضون للسع لأنهم يجلسون في الخارج ليلاً حتى وقت متأخر يتجاذبون أطراف الحديث تحت الأشجار. وقد يتعرض العديد من الفتيان الصغار للسع لأنهم يخرجون في الليل لمشاهدة الماشية والمعز. ومع ذلك، قد يلسع كل من النساء والأطفال في منازلهم لأن لديها نوافذ في غالب الأحيان وثمة ظلام في الداخل.

نحن الآن قلقون للغاية بشأن الأشخاص العائدين إلى قراهم في جنوب السودان للتصويت في استفتاء يناير/كانون الثاني. ولقد ظل بعض هؤلاء الأشخاص بعيدين عن المنطقة لمدة طويلة، بعضهم لمدة 20 سنة، وهم الآن عائدون إلى المناطق المتضررة جراء الكالازار كما أنهم فقدوا المناعة التي اكتسبوها ضد المرض. ولم يسبق أبداً لأطفالهم أن تعرضوا للكالازار وهم يجهلون كيف يحمون أنفسهم. ونتوقع أن ترتفع الحالات لأن الأشخاص يعودون ويبدأون العيش في القرى حيث تتكاثر ذبابة الرمل. ولن ترتفع الحالات على الفور، وقد تستغرق فترة حضن البيض بالنسبة لذبابة الرمل أربعة أشهر قبل بدء ظهور الأعراض لكن في غضون الأشهر القادمة نتوقع ارتفاعاً في عدد المرضى.

وغالباً ما نتذكر المرضى الذين نفقدهم لأننا نصبح قريبين جداً منهم بينما يصارعون المرض. وأحياناً ينقل إلينا الأشخاص بعد فوات الأوان وعندما يتجاوزن مرحلة معينة لا نستطيع عمل الكثير من أجلهم. إذ دون العلاج يصبح الكالازار مرضاً قاتلاً بنسبة 100% تقريباً. لكن الأخبار السارة أكثر من تلك المفجعة، إذ يبلغ معدل الشفاء 94% إذا قُدم العلاج.

لقد عشت لحظات تبعث الدفء في القلوب هنا في المستشفى. هناك إمرأة رائعة لها أطفال يتلقون العلاج. وثمة شاب يدعى بيتر ليست له أسرة ولا راع ويبلغ من العمر فقط 16 سنة. لقد أخذت هذه الأم بيتر إلى أسرتها وكانت تطبخ له الطعام وتساعد في إطعامه. وفي الليلة الأخرى رأيت أحد الآباء وهو يطعم ابنته بجوار سرير بيتر، لقد كان يطعم ابنته بملعقة بينما يطعم بيتر بملعقة أخرى. ونظرت إحدى الممرضات إلى هذا المشهد مندهشة وقالت لي إنهم من مجموعات قبلية مختلفة. ويبدو أن هذا النوع من الأمراض قادر على الجمع بين كل الأنواع في أوقات الحاجة.

إدعم منظمة أطباء بلا حدود

تبرّع

العودة إلى الأعلى

تواصل معنا

  • شاهدنا على يوتيوب

حمولة