المرض الشائع

يناير 6, 2011

تبرّع

تعود آخر حالة إصابة بناسور الولادة في فرنسا إلى عام 1957. ومنذ ذلك الحين، انقرضت هذه الظاهرة بشكل شبه كاملً في مختلف بلدان العالم الغربي. بيد أنّه في البلدان التي ما زالت تعاني من صعوبة في الحصول على الرعاية الصحية، ما فتئت العديد من النساء تعانين من هذا المرض. وفي بوروندي، حيث ظلت نسبة وفيات الأمومة من أكثر النسب ارتفاعاً في العالم، يتم تشخيص مئات الحالات سنوياً. وفي يوليو/تموز 2010، افتتحت منظمة أطباء بلا حدود مركزاً لإجراء عمليات جراحية لمثل هذه الحالات.

المرض الشائع

يقع مستشفى جيتيغا الإقليمي في وسط بوروندي على بعد ساعتين من العاصمة بوجمبورا وعلى ارتفاع 1,850 متراً. هناك، أنشأت منظمة أطباء بلا حدود مركز أوروموري ) أو "النور الذي يطرد الظلام" باللغة الكوروندية( وذلك بدعم من وزارة الصحة البوروندية يوفّر العلاج للمصابين بناسور الولادة. وما زال هذا المرض يفتك بسكان أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى. ويرجع ذلك بالأساس إلى عدم حصول النساء الحوامل على الرعاية الصحية المتخصصة. ويفسّر الدكتور غريت مورين، وهو جرّاح وأخصائي في مرض الناسور تابع لمنظمة أطباء بلا حدود: "أنّه في حالة الحرمان من هذه الرعاية، غالباً ما تؤدي الولادة المعرقلة إمّا إلى وفاة الأم أو المولود. أمّا إذا نجت الأم فإنّ عملية الولادة قد تسبب نخر الأنسجة ممّا يحدث فتحة إمّا بين المثانة والمهبل، أو بين المستقيم والمهبل، أو بين الحالب والمهبل. وهو ما يعرف بناسور الولادة".

ويترك هذا الجرح علامة لا تُمحى: سلس مستمر للبول أو سلس غائطي، كثيراً ما يؤديان إلى النبذ الاجتماعي. وتقول فيوليتا التي تبلغ من العمر 23 عاماً: : "لقد فقدت طفلي عند الولادة. أصبت بالناسور فأصبحت أعاني من سلس البول. ولم يستطع زوجي تحمّل ذلك فطردني أنا وولدي البالغ من العمر ثلاثة أعوام من المنزل ثم تزوّج امرأة أخرى من القرية".

تحدّثت باسكازي وهي أم لثمانية أطفال تبلغ من العمر 32 عاماً عن تجربتها: "لقد أصبت بالناسور عندما أنجبت آخر مرّة. فعزلني زوجي في غرفة بسبب الروائح الكريهة. وكان الجيران في القرية يغلقون أنوفهم كلّما مررت أمامهم... فكنت أبتعد عنهم وأسمعهم يسخرون منّي". هذه الحالات ليست فريدة من نوعها في بوروندي إذ يصف الأهالي هذا المرض "بالمرض الشائع". وتعكس هذه الصورة ما تعيشه النساء اللواتي يعانين من هذا المرض في الحياة اليومية. فهن يعشن في معزل عن الآخرين بسبب إصابتهم بالسلس، مستسلمات لمصيرهن ويتألمن في صمت!

وتقول بيلاجي البالغة من العمر 42 عاماً: "أنا أعيش "مع هذا المرض" منذ 12 عاماً. ولم أكن أتصور أنني سأشفى منه أبداً. وذات يوم، ذهبت إلى المستشفى في بوجمبورا سمعت أنه يجري عمليات لعلاج الناسور. بيد أن تكاليف العملية كانت غالية جدّاً. ثم توفى زوجي بعد هذه الزيارة بمدة قصيرة ففقدت كل أمل في العثور على المال لإجراء العملية! فكيف كان لي الحصول على المال وأنا أرملة؟". أمّا اليوم، أصبح لبيلاجي بصيص أمل. "سمع أطفالي على الأخبار في الراديو بأنّ منظمة أطباء بلا حدود افتتحت مركزاً في مستشفى جيتيغا توفر فيه العلاج للنساء المصابات بالناسور مجاناً. لقد تمكنت بمساعدة عائلتي وجيراني من جمع المال للسفر إلى المستشفى".

وبالتالي، تمكنت بيلاغي من الذهاب إلى مركز أوروموري حيث التقت بباسكازي وفيوليتا ونساء أخريات يعشن في الظروف نفسها. إنّه أوّل مركز متخصص في علاج الناسور في بوروندي قادر على توفير العلاج للنساء المصابات بهذا المرض على مدار العام. ويرقد المرضى في أربع بنايات شيّدتها منظمة أطباء بلا حدود داخل مستشفى جيغيتا الإقليمي ذاته. ويضم المركز 58 سريراً كما توفر ّالبنية التحتية الراحة للمرضى قبل العملية وبعدها إذ يوجد مطبخ ومغسل وحمامات وفضاء لممارسة بعض الأنشطة. أمّا غرفة العمليات، فتقع على بعد مسافة قصيرة من "قرية النساء" هذه. وهي تعمل دون انقطاع منذ أن تم افتتاح المركز في يوليو/ تموز 2010. وتقول شانتال دور، رئيسة بعثة منظمة أطباء بلا حدود في بوروندي: "يكمن هدفنا في إجراء عمليات على 350 امرأة سنوياً على مدى ثلاثة أعوام. ويتعين أن يسمح لنا هذا الإطار الزمني بتدريب ثلاثة أطباء بورونديين على التخصص في جراحة الناسور".

ومنذ شهر مارس/ آذار 2010، أعلنت وزارة الصحة البوروندية مجانية العلاج للنساء المعنيات بهذا المرض. وقد يبلغ عددهن 10,000 امرأة في الوقت الراهن في بوروندي في حين يصل هذا العدد إلى حوالي مليون ونصف في مختلف أرجاء القارة. وعلى الرغم من ذلك، ما زال الدكتور مورن، الذي بدأ بإجراء العمليات في جيغاتا منذ فتح مركز أوروموري، متفائلاً: "يمكن تفادي مرض ناسور الولادة إلى حد كبير إذا ما استثمرنا في تشخيص حالات الحمل شديد الخطورة، وفي تدريب موظفي التمريض وفي البنى التحتية للرعاية الصحية. ويعود السبب الرئيسي في اختفاء الظاهرة تماماً في أوروبا اليوم إلى الظروف الصحية الجيدة للعمليات القيصرية في إطار الولادة المعرقلة".

ومن ثمة، يمثل الحصول على الرعاية في حالات الولادة الطارئة، بما فيها الحصول على عمليات قيصرية ذات جودة عالية، حجر الأساس لكي يتم القضاء على ناسور الولادة. ويرى الدكتور مورن أنّه من المحتمل العثور على حلول أخرى بدلاً من العملية بالنسبة للنساء اللواتي لا يتسنى لهن الحصول على الرعاية المطلوبة شريطة أن يتم التدخل في غضون ستة أسابيع من تاريخ الولادة إذ لا يكون حجم الناسور كبيراً جداً. "في الوقت الحالي، نقوم في إطار البحوث التشغيلية، بعلاج مثل هذه الحالات من "الناسور الذي ما زال في طور مبكّر" من خلال وضع مسبار داخل المثانة لكي يسمح للناسور بأن ينغلق وحده". وإذا كلّلت هذه التجربة بالنجاح، فهي أخبار سارة لعلاج المرضى في المستقبل! وبالفعل، بما أنّ طريقة العلاج هذه لا تقتضي أي تدخل جراحي، يمكن علاج النساء المصابات بالناسور مباشرة في مراكز العلاج دون ضرورة الذهاب إلى أي مستشفى إقليمي. كما أنّ تكاليفها قد تكون أقل من تكاليف إجراء عملية. ويستنتج الجراح قائلاً: "إذا نجحت هذه الطريقة فسوف نستطيع نشرها في بقية أرجاء البلاد وبالتالي سنريح هؤلاء النساء من المعاناة ومن وصمة العار ومن العزلة الاجتماعية".

إدعم منظمة أطباء بلا حدود

تبرّع

العودة إلى الأعلى

تواصل معنا

  • شاهدنا على يوتيوب

حمولة