"إنني أعيش في الجحيم، وكل ما أراه كوابيس"، شهادة مهاجر محتجز في محطة حدودية للشرطة في إيفوس باليونان

فبراير 2, 2011

تبرّع
"إنني أعيش في الجحيم، وكل ما أراه كوابيس"، شهادة مهاجر محتجز في محطة حدودية للشرطة في إيفوس باليونان

لقد مرّ 64 يوماً وأنا محتجز في هذه المحطة الحدودية التابعة للشرطة، والظروف هنا لا يمكن تخيلها.

يقبع في الزنزانة الآن 124 شخصاً، وهي صغيرة جداً بحيث لا تسع سوى 35 فرداً. فلا يوجد مكان للاستلقاء والنوم، ولا تستطيع حتى أن تمشي واقفاً لتصل إلى المرحاض، ولا يمكنك أن تقوم حتى بأبسط الأشياء. وحينما يوزعون علينا الطعام، يتطلب الأمر ساعتين لكي يحصل الجميع على قسمتهم. الناس يتشاجرون فيما بينهم، ونحن كثيرون لدرجة أننا غير قادرين على الحركة، بل حتى على "التنفس". في كل ليلة نحلم باليوم الذي سنحصل فيه على حصة نوم هادئة، ولكن كلما استيقظنا في الصباح، يكون جسدنا في غاية التعب والألم.

إننا نلقى معاملة الحيوانات، بل أفظع من ذلك، وهذا وحده يسبب لنا تعباً نفسياً كبيراً. إنهم لا يكترثون لإنسانيتنا... كل إنسان حر له الحق في مترين من الفضاء العام يتمشى فيه، أن يخرج إلى الفناء، أن يكون له فضاء خاص به... لماذا يعاملوننا كما لو كنا حيوانات؟ أعلم أنني جئت إلى هنا بدون أوراق قانونية، ولكن هل هذا سبب مقنع لكي أدفع الثمن بهذه الطريقة غير الإنسانية؟ أنا لم أعامل أحداً من قبل بهذه الطريقة. ليس من حقهم أن يحكموا علي؛ فهم لا يعرفون شيئاً عني أصلا.

ظروف العيش هنا سيئة للغاية، ولكن ما "يقتلني" حقاً هو العلاج. لا أحد يتحدث إلينا، لا أحد يعطينا أية معلومات متى سوف نرحل من هذا المكان، أو متى سيفرجون عنا. كلم ما يقولونه لنا هو: ‘‘لا أعرف، ربما اليوم، ربما غداً...’’. ما أريد أن أعرفه هو أين هو هذا الشخص الذي بإمكانه أن يخبرنا، والذي يعلم ماذا سيحدث لنا هنا...

لقد فقدنا الأمل في هذا المكان! منذ شهور قليلة، كنت أحلم بمغادرة بلادي لأن الوضعية هناك كانت صعبة للغاية. كنت أحلم بالسفر إلى فرنسا والالتحاق بعائلتي. كنت أتمنى أن أكون بجوارهم، ولكن الآن، لم يعد لي أمل في تحقيق أمنيتي.

لم أكن أرغب في المجيء إلى اليونان والبقاء فيها. لقد كانت مجرد معبر لي لكي أصل إلى فرنسا. حين كنت في بلدي، حاولت مراراً الحصول على تأشيرة للدخول إلى بلدان أوروبية مختلفة، ولكنني لم أستطيع الحصول ولو على واحدة، بالرغم من أنني دفعت آلاف اليوروهات في سبيل ذلك. بعد ذلك، سمعت من أصدقاء أن بعض الأشخاص ذهبوا إلى أوروبا عبر اليونان ولم يكلفهم الأمر أكثر من يومين لدخول البلاد. لذلك، قررت أن أقوم بهذه الرحلة لوحدي، ولكنني لم أتخيل أن الوضع سيكون بهذا السوء.

الآن، كلما اتصلت بعائلتي في فرنسا، لا أستطيع أن أخبرهم بما أقاسيه حالياً، لا يمكنني أن أخبرهم بما يحصل هنا. ماذا عساي أقول لهم؟ أنني أعيش في هذا الجحيم؟ حين أنهي اتصالي بهم، أشعر برغبة في أن أنسى أن لدي عائلة، أريد أن أنسى كل شيء، لأنني إذا ما واصلت التفكير في الماضي وفي عائلتي، ينتابني الخوف من أنني ربما سأصاب بالجنون وأفقد صوابي.

لم تعد لدي أحلام أعيش من أجلها. إنني أعيش في الجحيم، وكل ما أراه كوابيس. لا بد من وضع حد لكل هذا الآن، فلم أعد قادراً على التعامل مع هذا الوضع. لم أعد أفكر في المستقبل، كل ما أريده هو أن أكون مع عائلتي. فلا أحد يمكنه أن يتنبأ بالمستقبل، ولا أحد يستطيع أن يفكر في شيء آخر غير هذا الجحيم الذي نعيش فيه. متى سوف يطلقون سراحي؟

الشيء الوحيد الذي يمنحني بصيصاً من الأمل هنا هو تواجد منظمة أطباء بلا حدود. ولست أدري ماذا كنت سأفعل لو لم تكن منظمتكم هنا. لقد ساعدني الأخصائي النفسي للمنظمة كثيراً في التعامل مع هذه الوضعية. ولهذا، قررت أن أكتب هذه الرسالة إلى منظمة أطباء بلا حدود، حتى أشكر الأخصائي النفسي وفريق منظمة أطباء بلا حدود وأُعبّر لهم عن امتناني للعمل الذي يقومون به. لقد تطلبت مني كتابة هذه الرسالة أربع ساعات كاملة، فقد خانتني العبارات، بل نسيتها. حين تكون محتجزاً هنا، يكون من الصعب عليك أن تجد نفسك مرة أخرى، لأنك تكون قد فقدت كل إحساس بكيانك وذاتك، وتكون قد فقدت حتى الكلمات التي تُعبّر بها عن ما يعتصر فؤادك. الكلمات الوحيدة التي انفجرت من داخلي حين شرعت في الكتابة كانت: ساعدونا، ساعدونا، ساعدونا، ساعدونا...

إدعم منظمة أطباء بلا حدود

تبرّع

العودة إلى الأعلى

تواصل معنا

  • شاهدنا على يوتيوب

حمولة