مسائل متعلقة بصحة الأم: جنوب السودان

فبراير 1, 2011

تبرّع
مسائل متعلقة بصحة الأم: جنوب السودان

ترعى مئات البقر السمان ذوي قرون جميلة على جانب طريق غوغريال غير المرصوفة والمغبرّة في غرب البلاد. وتعدّ كل بقرة من أثمن ممتلكات الأهالي بيد أنّه على الرغم من أنّهم يهتمون جيّداً بتربية هذه الحيوانات إلاّ أنّه غالباً ما يتم إهمال صحة الأمّهات والأطفال في هذه المنطقة العطشى.

تجلس ألويل اتام كات، التي تبلغ 29 سنة من العمر، وهي أمّ لخمسة أطفال تحت أشجار المانجو خارج مستشفى منظمة أطباء بلا حدود الواقع في قلب مدينة غوغريال وتحمل بين ذراعيها طفلتها البالغة من العمر عاماً اسمها أويان أيام غوم التي تعاني من سوء التغذية الحاد.

يحتشد المرضى أمثال ألويل وأويان تحت ظل الأشجار يومياً لمدّة طويلة في الحرّ بعد ظهر كل يوم طوال فصل الجفاف في جنوب السودان. وما هذه الأشجار سوى شاهد صامت على الوضع الصحي الرديء الذي يعاني منه العديد من الأهالي جنوب السودان. إذ يتدفق مئات المرضى، ومعظمهم يأتون من قرى بعيدة، إلى المستشفى يومياً وهم يعانون من أمراض عادية وقابلة للعلاج على غرار الإسهال والملاريا وسوء التغذية الحاد وحتى الأمراض المعدية مثل قرح بورولي الذي يسببه المتفطرة المقرحة والذي يصيب الجلد بشكل خاص.

ولا يعدّ سوء التغذية الذي يعاني منه أويان نتيجة للمجاعة ولا بسبب نقص الغذاء وإنّما هو نتيجة الحالة الصحية لأمّه طوال فترة الحمل. وتقول أليويل: "عندما كنت حاملاً بأويان، كنت مريضة للغاية وكنت أعاني من الحمى لمدّة أسبوع كامل ثم تعافيت. ولكنّ الحمى أصابتني من جديد فلم آبه بالمرض وبالتالي لم أحصل على أيّ علاج لأنّه لا يوجد أي علاج في القرية".

الرعاية الصحية غير الرسمية

في العادة، يلجأ المرضى بالدرحة الأولى إلى المعالجين التقليديين الذين غالباً ما يشار إليهم في جماعاتهم بـ "الأطباء السحرة"، وذلك نتيجة محدودية نظام الرعاية الصحية في البلاد. وبالتالي، يكون الذهاب إلى المستشفى لتلقي العلاج بمثابة الخيار الأخير هذا إذا كان خيار بالأساسّ.

وتقول ألويل:" لقد أخذتها إلى المعالج التقليدي اعتقاداً منّي أنّ ذلك سيغير الأمور. فنصحني بإعطاء كبش فداء إلى جدّتي ومنح بعض الدجاجات وماعز إلى الآلهة. فاتبعت نصيحتهم إلاّ أنّ شيئاً لم يحدث. فظلت أويان مريضة وما فتئت تفقد الوزن."

يمتد جنوب السودان على أراضي واسعة وقد تم تدمير أغلب المرافق الصحية خلال الحرب الأهلية التي دامت عقدين من الزمن. وأصبحت اليوم العديد من الحواجز التي تحول دون حصول الأهالي على المساعدة الطبية نتيجة النقص الفادح في العيادات الصحية وطول المسافة التي يقطعها المرضى للوصول إلى العيادات، والتي غالباً ما تستمر أيام من السير على الأقدام، إضافة إلى تكاليف الرعاية الباهظة الثمن. ولا يحصل ثلاثة أرباع سكان جنوب السودان حتى على الرعاية الصحية الأساسية.

وتستطرد ألويل قائلة بصوت مليء بالحزن: "كانت أويان مصابة بتقيؤ دون انقطاع عندما أخذتها إلى المستشفى. وكانت تلك المرة الاولى التي تمرض فيها إلى هذه الدرجة منذ ولادتها. ولم تتحسّن حالتها حتى بعد عام من ولادتها وتوقفت عن النمّو".

انعدام الرعاية اللاحقة للولادة

كانت أويان تزن 3.3 كلغ فقط قبل خضوعها للعلاج وما زالت صغيرة جداً كما لو كانت رضيعاً يبلغ شهرين من العمر. وترجع ظروفها الصحية السيئة كالعديد من الأطفال مثلها إلى الرعاية الصحية اللاحقة للولادة التي تكون إمّا رديئة أو منعدمة في بعض الأحيان.

شخّصت الطبيبة التابعة لمنظمة اطباء بلا حدود الدكتورة برينيتا بيلاي حالة اويان قائلة: "اكتشفنا عندما اطلعنا على ملف ألويل الطبي أنّها كانت تعاني من حمى مزمنة طوال فترة الحمل والتي من المحتمل أن تكون بسبب إصابتها بالملاريا. فقلة وزن الاطفال لدى الولادة هو من المضاعفات المألوفة جداً عند إصابة الأم بالملاريا أثناء الحمل. ولمّا كانت أمها غير قادرة على الحصول على العلاج، وُلدت أويان صغيرة جداً وهي ما زالت حتى الآن مريضة. مثلما هو الحال لأي طفل عمره سنة، يتعين أن تقف على رجليها وتبدأ بالمشي بيد أنّها لم تتمكن أبداً من الوصول إلى وزن عادي وبالتالي ظلّت طفلة ضعيفة"؟

يوفر مستشفى منظمة أطباء بلا حدود في غوغريال، الذي فتح أبوابه في ديسمبر/كانون الأول 2009 باعتباره عيادة للمرضى الخارجيين، الرعاية الصحية الشاملة للمرضى الوافدين من مختلف المناطق من ولاية واراب، كما يوفر أحياناً الرعاية الصحية للذين تم إحالتهم من الولايات الأخرى في جنوب السودان. ويصل العديد من المرضى إلى المستشفى مع الفجر بعد السير طوال الليل في حين يسير آخرون على مدى يومين للوصول إلى المستشفى.

"مشيت لمدة خمس ساعات"

تقول ألويل: "ذات يوم، قال لي أحد جيراني في كواجوك، حيث أعيش، بأن آخذ طفلتي إلى غوغريال حيث يوجد مستشفى جيد ومجاني وبالتالي قد تتحسن حالة ابنتى. وفي اليوم التالي، مشيت لمدة خمس ساعات على أمل أن تشفى أويان".

تشعر بيلاي التي أصبحت معجبة كثيراً بأويان، بالسعادة لتحسن حالة الطفلة: "خضعت أويان إلى برنامج التغذية لمدة ستة أيام وهي تتقبله بشكل مريح إذ أن وزنها ارتفع بـ 600 غرام وهي تأكل جيداً ولا تعاني من أية مضاعفات أخرى. أمّا فيما يتعلق بتموّها، فمن الواضح أنّها متأخرة بعض الشيء فهي قادرة على الجلوس ولكنّها لا تستطيع الوقوف أو المشي. ونحن مسرورون بهذا التقدم. إنّ الخدمة الوقائية على غرار الرعاية اللاحقة للولادة مهمة للغاية بالنسبة للمواليد وللأم نفسها".

تم تصميم أروقة المستشفى الملتفة لضمان حصول المرضى الذين يصطفون أمام قسم المرضى الخارجيين على جميع الاستشارات الطبية الضرورية.

وتحصل الأمهات الحوامل على مجموعة كاملة من التطعيم والعلاج الوقائي للحد من احتمال إصابتهن بمضاعفات صحية مثل تلك التي تعاني منها ألويل وطفلتها أويان.

تقدمّ منظمة أطباء بلا حدود خدمات الرعاية الصحية الشاملة الأولية والثانوية في غوغريال والتي تضم رعاية الأمومة والجراحة والولادة في حالات الطوارئ من أجل تحسين صحة الامهات والأطقال في دولة واراب. وفي عام 2010 فقط، قدّمت الفرق الطبية في غوغريال أكثر من 46,000 استشارة طبية للمرضى الخارجيين وقدمت الرعاية اللاحقة للولادة إلى 7,000 مريض كما أدخلت أكثر من 1,200 طفل إلى برامج التغذية التابعة لها.

تعمل منظمة أطباء بلا حدود في جنوب السودان منذ عام 1979 وتدير عيادات ومستشفيات في 10 ولايات.

إدعم منظمة أطباء بلا حدود

تبرّع

العودة إلى الأعلى

تواصل معنا

  • شاهدنا على يوتيوب

حمولة