إجلاء جرحى الحرب من مصراتة إلى صفاقس

أبريل 14, 2011

تبرّع

بقلم أليسون كريادو-بيريز، ممرضة لدى منظمة أطباء بلا حدود

إجلاء جرحى الحرب من مصراتة إلى صفاقس

تشير الساعة إلى الحادية عشر ونصف صباح يوم الأحد عندما كانت باخرتنا راسية في المياه الدولية على بعد 20 ميلاً من السواحل الليبية، ونحاول الاتصال بالسلطات الليبية لتعطينا الإذن بدخول ميناء مصراتة. وبدأ التوتر يزداد إذ أنّ الوقود الذي لدينا يكفي فقط للانتظار لمدة نصف ساعة أخرى أو ما يقارب. لقد بقينا على أهبة الاستعداد لعدة ساعات، فإلى أين اختفى مراسلنا؟ وفي وقت مبكر هذا الصباح، قيل لنا في جلسة إحاطة انه يتعين لنا توخي الحذر عند اقترابنا من منطقة حربية....... فهل أنا أقوم بذلك فعلاً؟ تبدو الأمور خيالية.

يضم فريقنا 13 فرداً وهو عبارة عن خليط من موظفين دوليين تابعين لمنظمة أطباء بلا حدود وطاقم طبي من المتطوعين التونسيين الذين اختاروا المشاركة في هذه المهمة لانقاذ جرحى الحرب من مصراتة ونقلهم إلى بر الأمان حيث تتوفر الرعاية الطبية في مدينة صفاقس في تونس. وقد تمت مناقشة هذه الرحلة والتخطيط لها منذ بضعة أسابيع، عقب نداء وجّهه الطاقم الطبي في مستشفى مصراطة ملتمسين الحصول على المساعدة، بيد أنّ الموافقة النهائية جاءت قبل يوم فقط من الرحلة. وقد غادرنا في وقت مبكر مساء أمس، على متن باخرة سان بول التي تضم 216 مقعداً ولكننا حولناها لكي تنقل حوالي 60 مريضاً على الفراش و 30 جريحاً واقفين. ولم نكن نعرف عدد المرضى بالضبط، خاصة وأنّ مصراتة كانت قد تعرضت للقصف خلال الليلة السابقة، ولكن من المحتمل أن تضم القائمة 90 مريضاً من بينهم اثنين تحت أجهزة التنفس إضافة إلى العديد من المصابين بكسور مفتوحة وأطراف مبتورة، وآخرون يعانون من إصابات متعددة في الأعضاء، وإصابات في الرأس، ومصابون بطلقات نارية في الصدر. كلها حالات رهيبة.

لقد بذلنا قصارى جهدنا لتجهيز الباخرة بالمعدّات الطبية، ولكن الظروف وضعت لنا بعض الحدود. فقد كانت الباخرة تهتز منذ أن ركبنا على متنها فكنا نتدحرج داخلها ونحن نعمل بكد على نقل صناديق الأدوية والمواد الطبية والمحاليل الوريدية وقوارير الأكسجين، وأجهزة رصد العلامات الحياتية وذلك لخلق فضاء صغير خاص بالعناية المركزة وجناحين منفصلين، أحدهما لعلاج المرضى في حالة حرجة وذوي الجروح الخطيرة، والآخر خاص بالجرحى الأقل إصابة والذين يستطيعون المشي. وعلاوة على ذلك، يتعين أن تكون جميع المستلزمات الطبية في متناول الجميع إذ لن يكون لدينا الوقت للبحث عن الأشياء، كما سيكون من العسير التحرك وسط مساحة محدودة. وقد ربط آناس، وهو خبير اللوجستيات التابع للفريق، حبالاً رفيعة بين جميع الأعمدة حتى نتمكن من تعليق الحقن الوريدية حيثما احتجنا لها. بيد أنّ التنظيم النهائي لن يتم إلا عند تفريغ 6،5 طناً من المعدات الطبية والأدوية التي تبرعت بها منظمة أطباء بلا حدود لمدينة مصراتة. وفي الوقت الراهن، تغطي الشحنة نصف فضاء أحد الجناحين.

وأخيراً، مع منتصف النهار جاء حلمي، منسق الطوارئ، وأخبرنا بكل ارتياح وحماس: "لقد تمكنا من إجراء اتصال، حصلنا على الضوء الاخضر!" غمرتنا البهجة جميعاً. يبدو أننا سنحقق مبتغانا في نهاية المطاف.

ورافقتنا باخرة رائدة إلى الميناء. وقد رفضنا الحماية العسكرية، على أساس أن منظمة أطباء بلا حدود محايدة وتتوخى سياسة عدم التسلح. ولكن بدت مصراتة هادئة عندما أرسينا الباخرة. وقد شكل الفريق والطاقم بأكمله سلسلة بشرية لتحميل مئات الصناديق الثقيلة على الرصيف بأسرع ما استطعنا، كي نتمكن من وضع المراتب على أرضية الجناحين ونضع معداتنا في أماكنها قبل وصول المرضى. وهذا ما يفعلونه في غضون بضع دقائق: يشرف طبيبان على الرصيف على عمليات الفرز، وبقيت داخل الباخرة أنتظر مع كيت، وهي ممرضة دولية أخرى. وسرعان ما تدفق المرضى من الشبان وغير الشبان عبر الأبواب، على نقالات وعلى عكاكز، حاملين خيوطاً وريدية وأنابيب التستيل والنزح. وكان هناك صبي يبلغ من العمر 13 عاماً، مصاباً بحروق مروعة في وجهه جراء انفجار قنبلة حارقة. وكان والده بجانبه. وهناك الكثير من الشبان الذين لن يستطيعوا المشي من جديد، إذ سيصيبهم الشلل نتيجة الجروح الناجمة عن طلقات نارية في العمود الفقري. وهناك أيضاً أشخاص بُترت أطرافهم، وبالتالي سيحتاجون الى أطراف اصطناعية. وكانت بعض الحالات حديثة جداً، وآمل ألا يبدأ النزيف. وكان زوجان يخضعان إلى عملية نقل الدم. وإضافة إلى ذلك، هناك كسور مفتوحة وإصابات رهيبة في البطن، وإصابات في الصدر تؤدي إلى الإصابة باسترواح صدري وبالتالي تحتاج إلى نزح للصدر. وكان هناك شاب خضع لثقب القصبة الهوائية بسبب حروق شديدة في وجهه ورقبته، ولم يكن يرى شيئاً بسبب لفافة الشاش التي تغطي كامل وجهه. ولم يكن برفقته أي شخص ليشرح لنا ما حدث، ولكن الممرض المصري الرائع الذي انضم إلينا في مصراتة تحدث إليه.

هناك صبي آخر، يبلغ عمره 16 عاماً، كان قد سقط من شاحنة صغيرة فارّة فأصيب بجروح بالغة في الرأس. وكان في غيبوبة لمدة 6 ساعات، وهو بالكاد استعاد وعيه الآن. وهناك مريض بحاجة الى رعاية انفرادية داخل وحدة الرعاية المكثفة الصغيرة إذ أنّه أصيب بطلقات نارية متعددة في جميع أنحاء جسده، وبتر في إحدى ساقيه، وكسور مفتوحة في الساق الأخرى، إضافة إلى فقدان دم حاد. لقد شهدت مصراتة مجزرة كاملة.

فكيف لنا أن نواجه هذا الدمار؟ لقد بلغ عدد المرضى 71 مريضاً في المجموع، ويتراوح عدد أفراد طاقمنا الطبي بين أربعة وخمسة أفراد على الميدان على الرغم من كونهم رسمياً 12 فرداً. وقد كان دوار البحر خطراً غير متوقع، وبالتالي أهلك حيل الطاقم الطبي. ولكننا استطعنا التغلب على ذلك، وقمنا بما في وسعنا من خلال التأكد من استقرار حالة المرضى، وأنّ التنقيط الوريدي يعمل، وإعطائهم مسكنات ومضادات حيوية حسب الحاجة، وإفراغ أكياس البول، وتغيير زجاجات الصرف الصحي، ومحاولة تحديث المعلومات عن حالة المرضى. ولكني أخشى ألاّ نلبي احتياجات الجميع.

كان علينا الزحف على الأرض في مساحة ضيقة بين المراتب للوصول الى المرضى : فالباخرة تهتز كثيراً بحيث إذا حاولنا المشي فإننا نتعرض لخطر السقوط على المرضى الذين يعانون من إصابات بالغة، وهو احتمال مخيف. ما زال العمل متواصلاً، وهو مرهق لأننا نعمل خلال الليل.

لم أشعر بحلول الفجر. ولكن سمعت فجأة شخصاً يقول: "الإرساء بعد 30 دقيقة!" وقد دام العبور إلى صفاقس حوالي اثنتي عشرة ساعة. ولكم ذهلت عندما رأيت الترحيب على الرصيف: 36 سيارة إسعاف، وعشرات المتطوعين من الهلال الأحمر على استعداد لتحميل النقالات خارج الباخرة. ولحسن الحظ، لم تبدي السلطات المعنية بشؤون الهجرة أي انزعاج، وبالتالي، تمكنا من إنزال المرضى بسرعة.

وكان المريض الذي اعتنت به كيت في وحدة العناية المركزة يمسك يدها ويسألها قائلاً: "هل يستحق الأمر كل هذا العناء؟". فقالت له بهدوء: "أجل". فما عساها أن تقول؟ لقد غمرت الدموع عيناي عندما رأيت حالة هؤلاء الشبان المأساوية الذين قضينا معهم 12 ساعة، يركبون سيارات الإسعاف باتجاه مستشفيات مدينة صفاقس. أمّا الطبيب التونسي الذي نظم عملية العبور فقد كان هادئاً ومساعداً.

وفجأة انتهى كل شيء. فقد غادرت جميع سيارات الإسعاف والطواقم ما عدا طاقم السفينة وموظفي البعثة الذين ظلوا على الرصيف. فالتجربة السريالية التي عشناها خلال الاثنتين وسبعين ساعة الماضية تتحوّل ببطء إلى واقع.

وفي طريق عودتنا إلى قاعدتنا في جرجيس التي تقع على بعد خمس ساعات من جنوب صفاقس، قال لنا سائقنا سعيد فجأة: "إنهم يتحدثون في الراديو عن منظمة أطباء بلا حدود...... حول إجلاء المرضى من مصراتة إلى تونس. وهم يريدون إهداء أغنية شكر لكم من الشعب الليبي". استمعنا إلى لحن خالد، مصحوب بكلمات حب وخسارة، ونحن في طريق العودة.

إدعم منظمة أطباء بلا حدود

تبرّع

العودة إلى الأعلى

تواصل معنا

  • شاهدنا على يوتيوب

حمولة