يوميات منظمة أطباء بلا حدود: أسبوع في مستشفى أثناء احتدام القتال في أبيدجان

أبريل 10, 2011

تبرّع
يوميات منظمة أطباء بلا حدود: أسبوع في مستشفى أثناء احتدام القتال في أبيدجان

خلال أسبوع من العنف الحاد قبل إلقاء القبض على الرئيس السابق لكوت ديفوار لورون غباغبو يوم 11 أبريل/نيسان، تم عزل فريق تابع لمنظمة أطباء بلا حدود يعمل في مستشفى جنوب أبوبو، شمال أبيدجان ومنع من الحصول على إمدادات إضافية من الخارج. وقد احتفظت دلفين شيدورج، منسقة فريق منظمة أطباء بلا حدود في جنوب أبوبو، بيوميات تصف فيها الحياة اليومية للفريق خلال هذه الفترة العصيبة. وتم تغيير بعض المعلومات والحقائق أو حذفها لأغراض تتعلق بالأمن والسرية والفهم وفيما يلي جوهر هذه اليوميات:

المجموعات المذكورة هي: القوات الجديدة، وهب قوات الثوار الإيفوارية؛ عملية الأمم المتحدة في كوت ديفوار؛ وقوات عملية ليكورن الفرنسية التي تدعم عمليات الأمم المتحدة لحفظ السلام.

وتستعرض هذه اليوميات، التي تم اختصارها وتعديلها قليلاً، بعض المعضلات والمشاكل التي عاشها الفريق، حيث تسرد، على سبيل المثال، كيف أجبر الفريق على الاعتماد على القوات المسلحة في تحركاته، وهو إجراء غير مألوف إلى حد كبير بالنسبة لمنظمة أطباء بلا حدود، وكيف أرغم أيضاً على إخفاء الجرحى.

الاثنين 4 أبريل/نيسان

بدأ آخر هجوم للقوات الجديدة في الظهر. وسمحت الأمم المتحدة لقوات ليكورن الفرنسية بالهجوم على موقع أسلحة غباغبو الثقيلة التي خلفت جرحى مدنيين كما أنها استعملت في الهجوم على عملية الأمم المتحدة في كوت ديفوار. وطيلة فترة ما بعد الظهر، تركز القتال في المنطقة المجاورة لكوكودي وأنغري واستهدف شبكة التلفزيون الوطني الإيفواري. وكان بإمكاننا سماع ذلك بوضوح من موقعنا في أبوبو. فليس المكان بالبعيد جداً وأحياناً يصبح الضجيج قريباً. ويمكن من خلال الأصوات تحديد موقع القتال بالضبط.

وكنا أيضاً نستطيع أن نسمع طلقات نارية متفرقة بجوار المستشفى. واستمر القتال طول الليل حتى صباح يوم الثلاثاء. وكان المقاتلون وحدهم من يُحضر المرضى المصابين بجروح وذلك بشكل مستمر. ومع ذلك، نعتقد أن العديد من الجرحى لا يستطيعون القدوم إلى أي مرفق طبي إلاّ إذا نقلهم جنود القوات الجديدة.

لقد اجتاح الآن المقاتلون المرافقون للمرضى المستشفى. وهم قادمون من الجزء الشمالي من البلاد. كما أنهم لا يعرفوننا وهم أحسن تدريباً من المليشيات المحلية، لكنهم لا يكنّون لنا أي احترام. وكانوا مسلحين ويتجولون بحرّية في وحدات المستشفى وقسم الطوارئ ومنطقة التفتيش، بل كانوا يحاولون الاستلاء على طعامنا ويقولون أنهم بحاجة له لأنهم يقاتلون. وكانت هذه المحادثات اليومية التي لا تتوقف أبداً، والرامية لضمان أمن الفريق وإمكانية أدائه لعمله، أمراً متعباً. وكانت توقعات استمرار الإمدادات المعنية بمواد التخدير لدينا لا تتعدى يومين.

الثلاثاء 5 أبريل/نيسان

أعلن عن استسلام غباغبو بعد ظهر هذا اليوم. وتعالت الهتافات في أبوبو وأخذ الأهالي يطلقون النار في الهواء في كل مكان. كان الكل يختبئ في المستشفى، واخترقت رصاصة الباب بينما انفجرت رصاصات أخرى في السطح. وسرعان ما تدفق الجرحى. وكان المقاتلون يُحضرون الجرحى. وجاء إلينا رجل مقيّد اليديْن احتجز عندما تم الهجوم على منزل زوجة غباغبو الثانية. كان في طريقه لزيارة أخيه الذي يعمل هناك فتعرض للضرب والطعن. إنه يشعر بالرعب لكن جروحه ليست خطيرة. لم يكن المقاتلون يملكون مفاتيح القيود. وعندما غادروا كسرنا القيود بمقص. ولا تزال القيود هناك وقمنا بإخفائها تحت ضمادات. ولسوء الحظ أجلسناه في الممر على مقعد من بلاستيك طيلة الليل. وكان المرضى الآخرون وبعض مرافقيهم في غرف المستشفى يشتمونه ويهددونه بالقتل. فقررنا نقله إلى مكان آخر أثناء خضوعه للعلاج. وقد وعدتنا قوات ليكورن بإرسال موكب حتى نتمكن من جلب الأدوية والإمدادات التي علِقت في نقطة تنسيق منظمة أطباء بلا حدود في المنطقة 4 (جنوب أبيدجان) مع ممرضين مساعدين في غرفة الجراحة. إنهما سيجنان لاحتجازهما هناك.

الأربعاء 6 أبريل/نيسان

سحب غباغبو استسلامه وقال إنه لم يقِدم أبداً على ذلك. لقد تفاقم الوضع. ومنذ هذا الصباح، سمعنا عن وجود عدة جثث ملقاة على جانب الطريق، إنهم الجرحى والمرضى الذين عجزوا عن الوصول إلى المرافق الطبية. وتفتقر بعض المناطق في أبيدجان للكهرباء بل حتى للمياه الصالحة للشرب. كما أن الطعام لا يكفي. وباختصار، إن الوضع أسوأ مما يتصور. ولم يصل الممرضين المساعدين في غرفة الجراحة ولا موكب الإمدادات الذي وعدتنا به قوات ليكورن. ويعالج اليوم في المستشفى تسعة جرحى و 67 مريضاً. وقد عاد بعض الجرحى إلى غرفة الجراحة. وكان اثنان منهم سيخضعان لبتر الأعضاء لأن الطاقم كان جد منهك جراء العمل كما أن ثمة عدة حالة طارئة مهددة للحياة. ويشعر فريق الجراحة فعلاً بالاستياء. جملة اليوم: "خير من يقذفك بالرصاص صديقك الحميم" (لأن أغلب الجرحى الذين نعالجهم أطلق عليهم الرصاص من قبل أصدقائهم).

الخميس 7 أبريل/نيسان

ويأتي المرضى إلينا حاملين وصفات العلاج المضاد للفيروسات الرجعية وأدوية داء السل. وقد بدأنا تقديم الرعاية لهم. وفي نهاية المطاف، ألغت قوات ليكورن الموكب. وتعرضت السفارة اليابانية للهجوم الليلة الماضية وخلّص جنود ليكورن سبعة أشخاص. كما تعرضت شاحنة تحميل للهجوم في السفارة الفرنسية. وأقدم فريقنا المتواجد في المنطقة 4 على الالتحاق بنا لكنه غيّر مساره عندما واجه القناصين وبقايا السيارات المحروقة في أدجام. وسمعنا عدداً متزايداً من التقارير حول الجثث المرمية في الشارع. وما من أحد يجمع هذه الجثث. ولا يزال فريق منظمة أطباء بلا حدود لم يغادر المستشفى رغم أن الكثير من الأشخاص خرجوا إلى الشارع هذا الصباح. والحصيلة اليوم هي تسعة جرحى و 75 شخصاً يعالجون في المستشفى. وثمة مريض لا يزال يحتاج لبتر أحد أعضائه.

وصلت شاحنة صغيرة من بواكي محملة بمستلزمات ومحاليل التخدير. ولسوء الحظ لا توجد هناك مخدرات ضمن الحمولة (سواء الفاليوم أو المورفين) وهناك فقط 10 قنينات من الليدوكايين. هذه إمدادات يوم واحد فقط. لقد علم الطبيب الجراح الذي يعمل معنا لتوّه أن أسرته ربما تعرضت للسرقة من جديد... إنه خائف ولا يستطيع إجراء اتصال بهاتفه ولهذا استعار هاتفي ليتأكد من الأوضاع الأمنية في المكان حيث تقطن زوجته. أرسلتُ سيارة محاربين لشراء حليب اصطناعي وحفاضات لطفل متخلى عنه في المستشفى في نهاية مارس/آذار. ولا وجود لأي نظام هنا. كما أن المبادئ المعيارية لمنظمة أطباء بلا حدود لا تطبق بتاتاً. نحن فقط نحاول علاج مرضانا كيفما كانت الطريقة. وفي نهاية شهر مارس/آذار كنا نقارن أبوبو ببغداد. واليوم، أصبحت أبيدجان تشبه مقديشو، حيث الفوضى والمجموعات المتعددة والعشائر والسرقات. إن أهالي المنطقة يعيشون الرعب والمأساة. ونحن لا نرى أي خلاص من هذه الورطة كما أن القصص التي يحكيها لنا الأشخاص تزداد تفاقماً.

الجمعة 8 أبريل/نيسان

هذا الصباح بعثت لنا صالحة، رئيسة بعثتنا، رسالة تشجعنا فيها. وتضمنت الرسالة إشارة صغيرة: "لا تنسوا، قوات ليكورن لا وجود لها" (إذ كلمة Licornes تعني باللغة العربية وحيدات القرن). ومع ذلك، يبدو أن قوات ليكورن قد أنجزت حوالي 600 عملية إنقاذ أمس في أبيدجان.

السوق أكثر اكتظاظاً إلى حد ما وثمة تنوع في المنتجات (لكن ذلك لا يثير الدهشة). وتعد أبوبو أحسن المناطق تزويداً بالإمدادات في أبيدجان. لقد عاد صيدلي المستشفى. كما أن الكهرباء والتكييف متوفران في الصيدلية ونحن نرتّب الأمور لإقامة صيدلية في المكان وتفريغ غرفة الانعاش الكبيرة التي نستعملها. ولا نزال نستقبل تدفقاً مستمراً للمصابين بطلقات نارية. كما أن جناح الولادة يعمل بكامل قدرته.

ونلاحظ أيضاً تدفقاً منتظماً للمرضى الذين يعانون من الأمراض التالية: أعراض الهزال والاحتضار والأمراض المزمنة، وهم في وضع انهيار حتى أننا نعجز عن عمل أي شيء لعلاجهم (تشمل الأمراض فيروس نقص المناعة البشرية وغيبوبة السكري والسكتة الدماغية). وهناك أيضاً مرض الملاريا الذي بإمكاننا علاجه حتى الآن لحسن الحظ.

إن الوفيات وتقديم توضيحات للأسر حتى يرافقوا والديهم إلى المنزل أمر شاق أيضاً. فالطبيب الذي يعمل معنا ليست له خبرة (الطبيب الشاب الذي يعمل معنا يعمل لوحده ويحتاج إلى الكثير من الدعم رغم وجود ممرض مشرف يساعده إلى حد كبير). الحصيلة اليوم خمس وفيات و 29 حالة دخلت المستشفى بما فيها 20 حالة جروح جراء طلقات نارية. ويبلغ الآن عدد المرضى الذين يتلقون العلاج في المستشفى 78 مريضاً. ولم نعد نتوفر على أكياس الدم من حجم 450 مليلتراً (لدينا فقط أكياس من حجم 250 سنتلتراً)؛ نتوفر فقط على علبتين من فحص ديتارمين (Determine) للكشف عن فيروس نقص المناعة البشرية (نفد فحص أونيغولد (Unigold) منذ عدة أيام)؛ ليس لدينا أدرينالين ولا نزال نحتاج للفاليوم أو المورفين؛ ونتوفر فقط على علبتين من قفازات الفحص؛ كما نفد دواء ترامادول والضمادات المرنة ومعدات الجر.

السبت 9 أبريل/نيسان

أصبح السوق أكبر ويعرض سلعاً كثيرة. هذه أول مرة نخرج فيها إلى السوق ومستشفى أنياما (تقع منطقة أنياما أيضاً شمال أبيدجان). وثمة حواجز على الطرق على بعد كل بضعة مئات الياردات لكن الحراس ليسوا عدوانيين. فالكل يحيينا. وفي المسشتفى، أخبرنا أمين الصندوق أن السوق فتح مجدداً منذ 24 ساعة. وليست هناك حواجز طرقية كثيرة. لقد استعادت الحياة تقريباً مجراها العادي. ومن جهة أخرى، أصبح المستشفى مهجوراً. ولدينا سبعة موظفين طبيين مقارنة مع العدد العادي وهو 157 موظفاً. وفي النهاية، وصلت أربع شاحنات تحمل أدوية وإمدادات طبية بالإضافة إلى موظفي منظمة أطباء بلا حدود الأوائل الذين سيعملون في مستشفى أنياما.

الأحد 10 أبريل/نيسان

وصلت سيارة أخرى إلى مكان إقامتنا في أبوبو محملة بإمدادات وموظفين دوليين يعملان معنا. وذهبنا لزيارة مستشفى أنياما برفقة سيارتين رباعيتي الدفع. بعد ذلك، ذهبنا للعيادتين الكبيرتين لبدء العمل فيهما مجدداً. وتعد إحدى العيادتين مكاناً مناسباً لزيارات المرضى الخارجيين بينما تقع العيادة الأخرى على مسافة بعيدة جداً من الطريق الرئيسي كما أن أوضاع الطريق المزرية تجعل من الصعب إحالة المرضى.

رجعنا أثناء الليل. وغداً سيذهب الفريق إلى مستشفى أنياما لبدء العمليات اللوجستية والشروع في توجيه نداء إلى موظفي المستشفى لكي يعودوا للعمل. وفي جنوب أبوبو، يمكننا أن نسمع من جديد طلقات نارية لأسلحة خفيفة وثقيلة في نهاية فترة ما بعد الظهر. ليست هذه الطلقات بعيدة جداً. وفي المساء، استقبلنا فقط أربعة مرضى بجروح خطيرة. وفي هذه المرحلة، لم نكن نعرف أن أعداداً هائلة ستصل في الليل. وعلى الأقل، كنا مستعدين تماماً.

إدعم منظمة أطباء بلا حدود

تبرّع

العودة إلى الأعلى

تواصل معنا

  • شاهدنا على يوتيوب

حمولة