جنوب السودان: ”بوسع بال أن يعود اليوم إلى المنزل“

أكتوبر 30, 2010

تبرّع
جنوب السودان: ”بوسع بال أن يعود اليوم إلى المنزل“

عانى بال البالغ من العمر سنتين، مثل أمه وأخته الأكبر منه، من داء الليشمانيات (الكالازار)، وهو مرض خطير جداً، قبل أن نقدم له العلاج في باجل، جنوب السودان. ولقد قلت لأمه، التي التمع وجهها بهجة: "بإمكان بال أن يذهب اليوم إلى المنزل". لكن هذا النوع من العلاج لم يصبح متوفراً بين ليلة وضحاها:

عملت كممرض مع منظمة أطباء بلا حدود في جنوب السودان منذ بداية العام. ولا يزال الوضع الأمني في المنطقة غير مستقر كما أن أهالي المنطقة يعانون من سوء التغذية الذي ازداد تفاقماً طيلة السنة نتيجة لحصاد متأخر. ويعد داء الليشمانيات، وهو مرض مداري ينتقل بسبب ذباب الرمل، أمراً مألوفاً في هذه المنطقة. وتتمثل أبرز أعراض هذا المرض في الحمى وتضخّم الطحال وفقدان شهية الأكل ونقصان الوزن وفقر الدم. ويموت أغلب المرضى إذا لم يقدم لهم العلاج. وذلك لأن داء الليشمانيات أحد الأمراض التي تحدث أساساً في البلدان الفقيرة دون أن تُعار أي اهتمام، حيث أن عدداً كبيراً من المرضى لا يستطيعون شراء الأدوية كما أننا لا نملك إلا طرق علاج قليلة جداً. ولا تستثمر الشركات الصيدلانية في علاج هذا الداء لأنها لن تجني منه الربح. ونعالج تقريباً سائر مرضانا بواسطة تركيبة من الأدوية تُحقن داخل العضلة لمدة 17 يوماً وتسبب ألماً فظيعاً. كما أننا نقدم الأدوية بالحقن الوريدي للنساء الحوامل وأولئك الذين يعيشون المراحل الأخيرة من المرض.

في منتصف أغسطس/آب، التحقت بفريق وغادرت إلى باجل، وهي قرية صغيرة في شمال جونقلي، حيث يعد داء الليشمانيات مشكلاً بارزاً. وتوجد أقرب العيادات التي تقدم العلاج ضد الليشمانيات على بعد حوالي ثلاثة أيام مشياً وتديرها منظمات أخرى. ويصعب وصول السيارات إلى المنطقة بسبب الموسم الماطر لكن على الأقل يوجد هناك مدرج بديل ومؤقت لهبوط الطائرات. واخترنا إنشاء المخيم في باجل بما أن المرافق الأخرى في المنطقة أبلغت عن وجود عدد مرتفع بشكل مريع من الإصابات الجديدة بالليشمانيات. ولهذا أتينا إلى هنا، للتعامل مع مثل هذه التحديات.

خلال الأشهر الثمانية الأخيرة في السودان، تمكنت من كسب تجربة كبيرة في علاج داء الليشمانيات وإدراة المشاريع. كما سمحت لي الفرصة بتقديم بعض المساعدة لمدة خمسة أيام خلال شهر مارس/آذار أثناء حالة طوارئ. لكن بدء مشروع ما وإدارته، وهو ما أقوم به هنا، أمر جديد تماماً بالنسبة لي.

في البداية، انتقلنا إلى العيادة الصغيرة والمحلية حيث يقوم الطاقم الطبي، المُعين من قبل وزارة الصحة، بعلاج الأمراض الأكثر شيوعاً. وقد اتضح أن هذه العيادة هي المرفق الدائم الوحيد في المنطقة. ونأمل أن تحمل الطائرة القادمة بعض الخيام الكبيرة حتى نتمكن من التعامل مع العدد المرتفع من المرضى الذي نتوقعه. وقد أجّرنا مترجمين لعدم وجود أي طاقم طبي نهائياً في المنطقة وعلينا تقديم العلاج بأنفسنا.

قبل إجراء الفحص السريري للمرضى نتحدث معهم ونسجل تاريخهم الطبي. إذا شككنا في وجود داء الليشمانيات نجري فحصاً سريعاً شأنه كشف داء الليشمانيات والملاريا. وإذا كشفت الفحوصات عن وجود المرض نبدأ العلاج فوراً. وقد اتضح أن الفحوصات السريعة إمتياز كبير لأنها تسمح بإنجاز تشخيص موثوق في عين المكان دون حاجة لمختبر أو تقني.

يشكل المطر إلى حد ما تحدياً لأننا ننام في خيام مُقبّبة ونعيش خارجها. وقد تأجلت خطتها الرامية لحفر المراحيض وإقامة أماكن الاستحمام والأسوار لبعض الوقت لأن الأرضية كانت جد مبللة. وإن الخيام ليست عازلة للمياه ولهذا كنا مجبرين على نشر أفرشتنا في الخارج تحت أشعة الشمس كي تجف زهاء مرة في الأسبوع.

وفي اليوم السابع عشر من إدارتنا للعيادة بلغ عدد المرضى 104، استطعنا ترك ثلاثة منهم يغادرون بعد شهادة صحية تفيد شفاءهم. وفي نهاية المطاف قمنا بزيادة حجم الفريق بجلب أشخاص من باجل وبفضل مهارة ربابنة الطائرة، الذين تمكنوا من الهبوط على مدرج موحل والإقلاع منه، وصلت أخيراً الخيمة الأولى. والآن وقد نجحنا في علاج 80 مريضا في الأسابيع الخمسة الأولى منذ بدء المشروع، انتهت مهمتي هنا وسأعود إلى لانكيان. لكن سأرسل بال ويليام إلى المنزل أولاً. وسيتلقى اليوم آخر مجموعة من الحقنات المؤلمة. لقد سمحنا لأخته بالمغادرة قبل أسبوع والآن على أمهما فقط أن تنهي علاجها.

بعد كل هذه المشقة والكفاح من المُسعد حقاً ملاحظة بعض النتائج الإيجابية. وإن المشروع يتقدم بشكل مذهل: فقد استطعنا مساعدة العديد من الناس كما أن الموظفين الذين أجّرناهم من جنوب السودان أصبحوا الآن مدربين ومتحمسين جيداً، والمخيم مملوء فيما تبقى من الوقت. لقد انتهى عملي هنا وعما قريب سيأتي شخص آخر لأخذ مكاني.

ستيفان شوون، أكتوبر/تشرين الأول 2010

إدعم منظمة أطباء بلا حدود

تبرّع

العودة إلى الأعلى

تواصل معنا

  • شاهدنا على يوتيوب

حمولة