أوليفيا لُوي: قابلة في بلوشستان

سبتمبر 15, 2010

تبرّع

تعمل أوليفيا لُوي كقابلة في كشلاك بالقرب من كويتا التي تقع في المحافظة الباكستانية المتقلبة بلوشستان. وهي تدير الرعاية السابقة واللاحقة للولادة فضلاً عن قسم التوليد في مركز الرعاية الصحية للأم والطفل التابع لمنظمة أطباء بلا حدود في كشلاك. وهي أول مهمة تقوم بها مع منظمة أطباء بلا حدود.

أوليفيا لُوي: قابلة في بلوشستان

: رّن المنبه. وعلى الرغم من انقطاع النور في المنزل إلاّ أنني تعودت على المشي في العتمة يومياً. بيد أنّ ما أقلقني هذا الصباح هو انقطاع المياه. حسناً، غسلت يداي على الأقل بمياه الشرب. وجهّزت الحبوب وغليت المياه لتحضير الشاي ثم استمتعت بتناول فطور الصباح على السطح حيث يظل الجو منتعشاً بعض الوقت.

07.25: غادرت المنزل برفقة الحارس. وبطبيعة الحال، أرتديت الشلور قميز، وهو الزي الذي ترتديه معظم النساء في باكستان، ووضعت الدوباتا، وهو شال كبير يغطي الرأس وثلثي الجسم. وركبت الحافلة الصغيرة التي تقلّنا إلى مكان العمل مع جميع الموظفين الباكستانيين. ولكن تركب الموظفات في عربة والموظفين في عربة أخرى. وأرسلت رسالة هاتفية قصيرة إلى كل من منسق البرنامج ومدير المكتب لإخطارهما بأننا متجهون نحو العيادة.

08.00: وصلنا إلى قسم التوليد في كشلاك التي تبعد 30 دقيقة عن كويتا. فأرسلت رسالة هاتفية قصيرة أخرى إلى منسق البرنامج ومدير المكتب لأخطرهما بأننا وصلنا آمنين. وريثما وصلت، أخذتني القابلة مباشرة إلى الداخل حيث وُلد طفل قبل أوانه. ويبدو أنه وُلد بعد 30 أو 32 أسبوعاً من الحمل وبالتالي كان يتنفس بصعوبة. لذا، كان يتعين أن أحوّله من دون تأخير إلى أيّ مستشفى في كويتا. كما لزم التأكد من وجود ما يكفي من الأكسجين في الانتظار. وكلّي أمل أن يواصل التنفس ولو بصعوبة داخل سيارة الإسعاف.

09.00: اتصلت بي القابلة التي رافقت المولود إلى المستشفى المحلي لتخبرني بعدم توفر حضانة وأنها تبذل ما في وسعها لمعالجته في الجناح.

09.45: وُلدت بنت في قسم التوليد وهي الطفل التاسع في العائلة. كانت في صحة جيدة وبلغ وزنها 2,3 كغ، فوضعتها في أحضان جدّتها.

10.00: اتصلت بي القابلة من مستشفى كويتا ثانية لتخبرني بأنها تمكنت من وضع المولود داخل حضانة في مستشفى آخر. وإنّ حالته مستقرة حتى ذلك الحين (ولكن عند كتابة هذا المدونة الالكترونية، أي بعد مرور يومين، وصلتني رسالة تفيد بأنّ المولود توفي في المستشفى).

 10.15: علمت أنّ أمّ الرضيعة ياسمين في خطر. فالخلاص لم يخرج وبالتالي ثمة احتمال كبير أنّها ستنزف كثيراً. كما أنها تشكو من تعقيدات كبيرة ومن هبوط في عنق الرحم. وهي بالتالي معرضة لخطر الإصابة بالتهاب في الرحم.

 10.30: بدأت ياسمين تنزف. ولم يكن في قسم التوليد سوى أنا وقابلتين. فحاولنا سحب الخلاص. ووضعنا سلكاً وريدياً في ذراعها لإعطائها الأوكسيتوسين والإرغومترين لوقف النزيف وللمساعدة على استخراج الخلاص. ثم أعطيناها مضادات حيوية لحمايتها من الإصابة بأية التهابات والمزيد من السوائل لتعطيل آثار النزيف والمحافظة على استقرار ضغط الدم.

يتعين أن يجعل حالة ياسمين مستقرة لكي نتمكن من إحالتها إلى أي مستشفى في أقرب الآجال. وكان عشرات المرضى والأقارب يحدقون فينا بصمت ونحن نحوم حول عيادة الرعاية السابقة للولادة حيث يبدو أنّنا توصلنا إلى استقرار في الحالة.

وكانت القابلة تصرخ قائلة: "قلبها لا ينبض، وليس لها ضغط دم. فكنت أدخل إلى القاعة حيث ترقد ياسمين. وكانت تتنفس ولكنها لا تستجيب لنا ولا تحافظ على التنفس على نحو ملائم. وناديت الطبيب في القاعة المجاورة ليحضر أنبوب الأكسجين. فلربما كانت ستقع في غيبوبة؟ انضم إلينا طبيبان. فقمنا بوضع المزيد من المسالك الوريدية والمزيد من السوائل. فقد كان ضغط الدم لدى ياسمين منخفضاً جدّاً إذ بلغ 90/40، ولكنني أصبحت مطمئنة بعض الشيء. ولكننا أخفقنا في استخراج الخلاص مرة أخرى. ثم سمعت شخصاً يتحدث اللغة الأردية فغادرت إحدى القابلات القاعة.

وعادت القابلة بعد حين وبين يداها مولود ملفوف في بطانية. فتساءلت: "لمن هذا المولود؟" فعلمت أنّه وُلد للتوّ في سيارة خارج قسم التوليد وأنّ القابلة تريد الأكسيتوسين لمساعدة الأم على استخراج الخلاص. وبالتالي، اتصلنا بالقابلة التي تزور النساء في منازلهن وطلبنا منها العودة إلى قسم التوليد لمساعدتنا إذ أنّه يجب اصطحاب الأم إلى المستشفى وبالتالي سأبقى برفقة قابلة واحدة فقط في العيادة في حين أنّ المزيد من النساء يأتين إليها.

10.40: لم تعد ياسمين تنزف كالسابق وأصبح ضغط الدم لديها أفضل حيث بلغ 110/60. فتمكنا من تغطيتها. وساعدنا موظفين على وضعها فوق نقالة ونقلها إلى داخل سيارة الإسعاف. وكان علينا أولاً الحصول على موافقة زوجها من أجل أخذها إلى المستشفى، ثم اتصلت بالمستشفى لأعلمهم أنّ ياسمين على طريقها.

11.00: كنت أرتجف ولكن لا يوجد وقت للجلوس. فإن الأنشطة في عيادة الرعاية السابقة للولادة متواصلة: نحن نصف المضادات الحيوية للنساء اللواتي تعانين من التهابات المجاري البولية خاصة وأنهن يعانين من الجفاف نتيجة صيام شهر رمضان. وإضافة إلى ذلك، أرسلت امرأة إلى طبيب خاص في المدينة لإجراء فحص الموجات فوق الصوتية حيث أنها نزفت بالأمس واليوم. وكان لدينا امرأة واحدة على أهبة الولادة اسمها نور بيبي وهي قد حملت خمس مرات. وكان عنق الرحم يتوسع ولكنها ظلت تشير إلى فخذها لكي نعطيها حقنة أوكسيتوسين لإسراع عملية الولادة. وهي ممارسة مألوفة في باكستان ولكنها غير مشروعة إذ أنّها تودي بحياة مئات النساء سنوياً. وبالتالي، شجعناها على المشي وشرب بعض العصير.

11.30: جاءت أم مع طفلها لكي نشخصه. يبلغ الطفل أربعة أيام ولكنه يعاني من الصَفر ممّا جعل وزنه يخّس. ولكنه، بخلاف ذلك، كان في صحة جيدة. غير أننا اكتشفنا أنها ترضعه من ثديها مرتين او ثلاثة مرات في اليوم فقط (ينصح بإرضاع المولود من الثدي بين 6 و 8 مرات في اليوم). وبالتالي، قدمنا لها معلومات عن الرضاعة الثديية وطلبنا منها أن تعود يوم الأربعاء لكي نقوم بتشخيص المولود وتطعيمهما. ثم اتصلت بي القابلة التي اصطحبت ياسمين إلى المستشفى لتخبرني أنّ الأطباء قاموا بتشخيص حالتها.

12.30: تم تشخيص جميع المرضى في عيادة الرعاية السابقة للولادة. وأنجبت نور بيبي، وهي ومولودها في صحة جيدة. ثم تمكنت بعد ساعتين من العودة إلى منزلها. فهي لم تعد تتحمل الانتظار: كانت سيارة الأجرة تنتظرها أمام العيادة لتأخذها إلى منزلها.

13.30: اقتنيت الحافلة من جديد للذهاب إلى المكتب في كويتا. فكتبت رسالة هاتفية قصيرة إلى منسق المشروع ومدير المكتب لأخبرهما أنني غادرت العيادة.

14.00: وصلت إلى المكتب فأخبرت منسق المشروع ومدير المكتب بذلك. ثم ذهبت إلى المنزل للغذاء وهو يقع على مسافة منزلين من المكتب. فأخذت الغذاء مع رفيقاي في المنزل وهما المسؤول عن اللوجستية ومنسق المشروع.

14.45: عدت إلى المكتب لأنهي تقريري الشهري وأرسله عبر البريد الالكتروني إلى المنسق الطبي.

16.00: اخبرني مدير المكتب أنّ قنبلتين انفجرتا في كويتا، على بعد كيلومتران من منزلنا. انفجرت القنبلة الأولى في المتجر. أمّا الثانية فقد انفجرت في نفس المكان بعد 15 دقيقة من الأولى. وقد أسفر هذان الانفجاران عن مقتل 42 شخصاً وإصابة 250 آخر. وقد نجى جميع موظفي منظمة أطباء بلا حدود من المحليين والدوليين ولكنّ بعضهم وجدوا صعوبة في العودة إلى منازلهم في حين يحول البعض بعناء الوصول إلى عملهم لاستلام المناوبة الليلية التي تبدأ على الساعة 5 مساءً خلال فترة رمضان.

16.30: طلبت من القابلة التي تعمل في النهار إذا ما كانت تستطيع البقاء للعمل ليلاً حيث أنّ إحدى القابلات لن تتمكن من المناوبة. ثم ذهبت إلى المنزل. وقدمت التهاني إلى الموظف الدولي الذي أتى من إسلاماباد للعمل في المنطقة التي غمرتها الفيضانات. وهو الموظف التاسع الذي يأتي للعمل في غضون أسبوعين لمراقبة عمل الإغاثة. فقمت معه بزيارة المنزل ثم ذهبنا إلى الشرفة للانتعاش بعض الشيء.

17.30: عاد المسؤول عن اللوجستيات ومنسق المشروع إلى المنزل. وكان رئيس البعثة قد وضعنا في حالة تأهب قصوى وبالتالي لن يعمل سوى قلّة من الموظفين في اليوم الموالي. فاتصلت بالقابلة للتأكد من أنني سأعمل مع موظفين فقط وأنّهما يستطيعان الوصول إلى مكان العمل. كما اتصلت بالممرضة التي تزور المرضى الذين تمت إحالتهم إلى المستشفى لأتأكد أنّها سلمت من الانفجار وأنّها ستقوم فقط بالزيارات الضرورية للمرضى.

19.00: تناولت العشاء مع رفاقي في المنزل ثم شاهدنا فيلماً.

23.00: حان وقت النوم. يمكنني أن أبقى هنا طوال اليوم حيث أنّه لا يُسمح لي بالذهاب إلى العمل ولا بمغادرة المنزل. وبالتالي، فإنني سأدرس وأعمل في المنزل. وعلى الرغم من حرارة الجو، نمت رغم الضجيج الذي سيحدثه رفاقي الذين سينهضون بعد ساعتين عندما ينقطع النور. أما أنا، فإنني على أهبة على مدار الساعة طوال أيام الأسبوع، وهو الحال كذلك طوال الأشهر التسعة المقبلة. ولست متأكدة أنّ القابلة ستتمكن من الاتصال بي هاتفياً كلّما احتاجت لمساعدتي نظراً لتردي استقبال الخط الجوال مؤخراً. فأرجو أن يكون كل شيء على ما يرام.

إدعم منظمة أطباء بلا حدود

تبرّع

العودة إلى الأعلى

تواصل معنا

  • شاهدنا على يوتيوب

حمولة