لقد تعبت من رؤية الناس يموتون...

فبراير 28, 2010

تبرّع
 لقد تعبت من رؤية الناس يموتون...

مرحباً أعزائي!

أتمنى أن تكونوا جميعاً في خير حال. ما جديدكم، وما أخباركم وأخبار العالم من حولكم؟

أكاد أموت من التعب بعد كل هذا المجهود الذي بذلناه خلال الأسابيع القليلة الماضية، عيناي شبه مغلقتين الآن. المرضى يتدفقون علينا دون انقطاع، ولا يبدو أن حالاتهم تتحسن على الإطلاق. لقد تعبت من رؤية الناس يموتون من حولي، وسئمت من رؤية الأطفال الرُّضّع يموتون حتى قبل أن تُكتب لهم فرصة العيش في هذا العالم.

أعلم تمام العلم بأنه ليس بإمكاننا أن نمنع الموت عن الجميع. فالبعض بلغ منهم المرض مبلغاً لم يعد بالإمكان فعل شيء أمامه. ولكن هناك حالات يمكن تجنبها، وهذا ما يحزّ في نفسي بحيث يتملكني الإحساس دائماً بأنه كان بإمكاني أنا أو أحد آخر أن يتواجد في ذلك المكان لحظات قبل الأوان، تكون كافية لإنقاذ حياة ذلك المريض المسكين، عوض أن نكون في مكان آخر من المستشفى نقوم بشيء آخر، ربما ليست له أهمية كبرى. ومع الأسف، نحن مجرد بشر، ولا يمكننا أن نكون في كل مكان، نقوم بكل شيء في نفس الآن.

لا يمكنكم أن تتصوروا دهشتي وأنا أكتشف مدى شغفي بالعمل واللعب مع الصغار والرضع. أحياناً، أجد فيهم ذلك البصيص من النور الذي ينير بأشعته ظلام حياتي. مجرد فكرة أن تكون لديّ أنا أيضاً أسرتي وأطفالي يوماً ما ومشهد أحد أطفالي يموت بين يديّ تجعلني أفقد صوابي. البارحة فقط، طلبوا مني المجيء للإشراف على حالة رضيعة تبلغ بالكاد ثلاثة أسابيع من العمر، كنت أعالجها من تعفن الدم والالتهاب الرئوي. لم تكن تستجيب، وبدأت الرضيعة تعاني من اضطراب تنفسي حاد وتدهورت حالتها بشدة. كانت قد فارقت الحياة حين اتصلوا بي، ولكني أستغرب أنها كافحت كل هذه المدة لتبقى على قيد الحياة. حين رأيت جسدها الشاحب الذي انسلّت منه الحياة وأمها تحتضنه بين ذراعيها وهي تذرف الدموع بحرارة على خدّيها، شعرت بالأرض تميد تحت قدميّ. ماذا كانت ستنفعها كلمة "آسفة"؟ كانت تلك الكلمة البائسة أقصى ما يمكنني مواساتها به. أحياناً، يُخيّل إليّ أنني لن أستطيع احتمال يوم عمل آخر هنا، ولكني أتذكر فوراً أن هؤلاء الناس يكافحون في صمت وكل يوم دون كلل. بالنسبة لي، سوف أعود إلى بلدي وإلى حياتي العادية في ظرف شهور قلائل. أما هم، فليس لديهم شيء آخر يرجعون إليه. إنهم يعيشون بالفعل حياتهم العادية، في أرضهم وبين أهليهم.

لذلك، قررت أن أركز كل تفكيري على الجانب الإيجابي فقط. ففي الأسبوع الماضي، استقبلنا صبياً في العاشرة من عمره هُرِع به إلى المستشفى بعد أن شب حريق في منزله. وما لبث أن صار مريضي المفضل. كانت الحروق من الدرجتين الأولى والثانية تملأ ظهره وذارعه اليمنى ويده اليسرى. كل هذه الحروق أمكن معالجتها في المركز الصحي المحلي، وقد مرّ على الحادث الآن أربعة أيام. وجلبوه إلينا وكان يعاني من آلام مبرحة، كان جسده مجتفاً ونفسه ضيقاً ويعاني من نقص في الأكسجين. كما كان تنفسه ثقيلاً وصوته أجشاً، ما كان يعني في الغالب أنه تعرض لحروق على مستوى القصبة الهوائية وأنه يعاني من أورام تمنعه من التنفس بسهولة. وعند وضع السماعة على لصدره، تبيّن لي أيضاً أنه يعاني من إصابة استنشاقية. وبعد أسبوع من العلاج، والكثير من المنشطات والمضادات الحيوية والرذّاذات والأكسجين، بدأت حالته تستقر وظهر عليه التحسن. إنه فتى قوي بالفعل، فمهما حصل له أو كان يعانيه من ألم، بمجرد أن أدخل عليه حتى أراه يبتسم لي ويرفع إبهامه لي علامة الرضا والانتصار. إنه طفل رائع بحق، أحد أشعة النور التي تنير ظلماتي كل يوم.

في إحدى الليالي، جاءتنا سيدة اتهمها صبي مراهق بأنها مشعوذة. لم يكلّف نفسه أكثر من أن يُخرج مديته ويشرط الجانب الأيمن من وجهها، ما تسبب لها في جرح عميق على مستوى الجلد والعضلات وعظمة الفك، بل امتد الجرح إلى الفم وبعد الأسنان أيضاً. حين وصلنا أنا والطبيبة الجراحة لورا إليها، كانت في نصف وعيها، وكان الدم يحيط بها من كل جانب ويتجمع في فمها. نجحت في وضعها تحت التنبيب، بينما شرعت لورا في العمل لوقف النزيف بسرعة بعد أن اكتشفت أن المرأة كانت محظوظة، إذ أن الجرح كاد يصل إلى الوريد الوداجي. وما كانت لتصل إلينا حية لو أن الفتى نجح في قطعه، فقد كلفتها الرحلة لبلوغ المستشفى مغبة عبور جبل بكامله قبل أن تقطع النهر وتواصل الطريق إلى هنا. وبعد مرور خمس ساعات من العملية الجراحية، استطعنا إصلاح عضلات وجهها وتثبيت الفك بالسلك وخياطة الجلد، حتى يمكن لها مرة أخرى أن تقول بأن لديها وجهاً وفماً مثل باقي الناس. واليوم، أصحبت حالتها مستقرة وعلى ما يرام. وما زال الألم موجوداً، ولكنها على الأقل تتنفس وتأمل في مواصلة العيش.

وموازاة مع كل هذا، كان لدينا كذلك طفل يعاني من فشل في القلب وكانت حالته في تدهور سريع. وبعد أن أخذت عني أخصائية التخدير مهمة تبريد المرأة، ذهبت لأتفقد حالة الصبي. كنت على وشك تنبيبه ولكنني توقفت في نهاية المطاف. فلم يكن لدينا شخص آخر بإمكانه تهويته، وفي نفس الوقت لم تكن لدينا أية فكرة إن كانت هناك خدمات رعاية حرجة تعمل في المستشفى الآخر الذي سنحيله عليه. ولو أنني وضعته تحت التنبيب، لكنت حينها قد أرسلته إلى المجهول. فيما بعد ذلك الصباح (كانت الساعة آنذاك الثالثة صباحاً)، نقلناه إلى "مندي" حيث وصل بأمان وإن كانت حالته ضعيفة. لقد كانت ساعات ثقيلة على نفسي وأنا أتساءل إن كنت قد اتخذت القرار الصائب بشأنه.

في اليوم الموالي، هُرع إلينا بفتاة صغيرة أكلت فطراً ساماً بداية ذلك النهار. كانت تفقد وعيها في نوبات مستمرة. نجحنا في وقف النوبات، ولكنني مرة أخرى عشت ليلة صعبة وأنا أتساءل إن كنت قد اتخذت القرار الصائب بعدم وضعها تحت التنبيب، وما الذي سوف يتحتم عليّ القيام به إذا ما بقيت فاقدة لوعيها. لم أكن واثقة مما كان يجب عليّ فعله ساعتها.

لقد مرت فترة طويلة لم أشعر فيها بالخوف من الذهاب إلى العمل، ولكنني هذه المرة كنت أتخوف من العودة إلى المستشفى في الصباح التالي. ولكن، حين وصلت، كانت هناك مفاجأة في انتظاري: لقد كانت الفتاة مستيقظة، تتحدث وتبتسم في وجهي. لقد خرجت اليوم من المستشفى. كما قلت لكم، إنني أحاول أن أركّز على الجوانب الإيجابية في عملي. فبالرغم من كل الجولات التي نخسرها في معركة الحياة والموت هذه، هناك جولات نربحها، ولَعَمري إنه شعور ما بعده شعور حين نربح من أجل الحياة.

مع خالص حبي واشتياقي لكم.

جينا

إدعم منظمة أطباء بلا حدود

تبرّع

العودة إلى الأعلى

تواصل معنا

  • شاهدنا على يوتيوب

حمولة