الأراضي الفلسطينية المحتلة: "مهمتي في غزة بصفتي ممرضة غرفة عمليات"

مايو 13, 2012

تبرّع

"اسمي ماتيا ستير، أنا في الثامنة والثلاثين من عمري وآتية من سلوفينيا. أعمل في أكبر مستشفى سلوفيني في العاصمة لوبليانا. أنا ممرضة غرفة عمليات. عدت للتو من قطاع غزة، حيث أمضيت شهراً في مهمة مع منظمة أطباء بلا حدود.

الأراضي الفلسطينية المحتلة: "مهمتي في غزة بصفتي ممرضة غرفة عمليات"

قبل الانضمام إلى منظمة أطباء بلا حدود، عملت في مستشفى لوبليانا على مدى 16 سنة. بدأت كممرضة في غرف العمليات، وبعد سبع سنوات من العمل في مختلف وحدات الجراحة، أصبحت رئيسة ممرضي غرفة العمليات للجراحة الترميمية والحروق، وبقيت في هذا المنصب طوال خمس سنوات. ثم قضيت سنتين مديرة لغرفة العمليات، وكان منصباً جديداً بالنسبة لي وحافلاً بالتحديات. أخيراً، دربت ممرضي غرفة العمليات الجدد.

أن تقول أنك تريد "مساعدة المحتاجين إلى ذلك" يبدو سطحياً قليلاً، بل عابث إلى حد ما، لكنه حقيقي. فأنا أؤمن فعلاً بأنك بعد أن تنظم حياتك، وتسير أمورك على خير ما يرام، يأتي الوقت لتتقاسم درايتك وخبرتك مع الآخرين – مع الذين لم يسعفهم الحظ مثلك. فلماذا إذاً لا أنضم إلى منظمة إنسانية؟

تم توظيفي من خلال مكتب النمسا التابع لمنظمة أطباء بلا حدود في أكتوبر/تشرين الأول الماضي. تلقيت التدريب اللازم، ثم انتظرت مهمتي الأولى. في نهاية يناير/كانون الثاني، سألتني المنظمة إن كنت أرغب بالذهاب إلى غزة والعمل في برنامجها للجراحة الترميمية. لم يكن البرنامج مشروع الطوارئ، بل مشروع متوسط وطويل الأمد ويعتمد على توافر الجراحين الذين يمكن لمنظمة أطباء بلا حدود توظيفهم وإرسالهم إلى الميدان. شعرت أسرتي ببعض القلق في البداية، لأن لهذا الجزء من العالم "سمعة سيئة"، لكنني صممت وعقدت العزم، وحين اكتشفت مدى حماسي، قدمت إلي المساندة والدعم.

وصلت إلى غزة قبل يومين من تصاعد حدة العنف بين الإسرائيليين والفلسطينيين. استمر القتال خمسة أيام. حين بدأ، تلقى منسق المشروع أطناناً من الرسائل النصية مع كل أنواع التحذيرات. لم أشعر بالاطمئنان لذلك! حاولت البقاء هادئة بقدر المستطاع – فلن يفيد الهلع. وأثناء هذه الأيام الخمسة، شعرت بالأمان وبأنني مطلعة على كل شيء. ربما ساعدني أنني عشت في يوغسلافيا السابقة. فقبل عشرين سنة، خضنا نحن أيضاً حرب الاستقلال، ويعلم الجميع مدى فظاعتها.

أثناء عملي كممرضة مشرفة على غرفة العمليات في غزة، كنت أدير، وأوجه، وأدرب، وأقيّم، وأنسق، وأنظم، وأخطط كل شيء وفقاً للأنشطة الجراحية. عملنا في مستشفى ميداني تابع لمنظمة أطباء بلا حدود، في خيام منصوبة أمام مستشفى ناصر في خان يونس، المدينة التي تبعد عشرين كيلومتراً إلى الجنوب من غزة، حيث يقع مكتب ومقر منظمة أطباء بلا حدود.

وبسبب الأحداث، لم نتمكن من العمل إلا أربعة أيام في تلك المهمة التي دامت شهراً، لكن قررنا إجراء أكبر عدد ممكن من العمليات كل يوم. هنالك ملصقات معلقة في كافة أرجاء قطاع غزة تضم معلومات عن هذا البرنامج وتدعو المرضى المحتملين إلى استشارة فرقنا. وفي اليوم السابق على بدء إجراء العمليات الجراحية، فحص الجراحون، الفلسطينيون والأجانب، بدقة 200 مريض. في النهاية، أجرينا 25 عملية جراحية وضمدنا جروح اثنين من المرضى تحت تأثير المهدئ.

كانت العمليات الجراحية تبدأ في الساعة 7:30 صباحاً، وتنتهي في الساعة 6 مساء. تمكنا من إجراء سبع أو ثماني عمليات كل يوم. وكانت نسبة سبعين في المئة من مرضانا من الأطفال دون سن الخامسة. أصغر المرضى رضيع عمره سبعة أشهر، وأكبرهم في الستين. عانى معظمهم من تقفع في الجلد نتيجة الحروق. بينما عانى غيرهم من تشوهات خلقية، مثل ارتفاق الأصابع (تشابك أو التصاق إصبعين أو أكثر في الكفين أو القدمين). بعضهم أجرى عمليات جراحية قبل بدء المهمة الجراحية لمنظمة أطباء بلا حدود. أجرينا أيضاً عمليتين جراحيتين طارئتين لمريضين مصابين بحروق.

هنالك الكثير من الانفجارات الناجمة عن أسطوانات الغاز المنزلي في غزة. إذ تقطع الكهرباء كل يوم، ويضطر الناس إلى استخدام أسطوانات غاز رديئة النوعية للتدفئة أو الطهي. ولسوء الحظ، يتعرض الأطفال للإصابة بالحروق كل يوم في غزة.

قبل أن أبدأ العمل، زرت مستشفى ناصر. والتقيت بجراحي التجميل الفلسطينيين ورئيس وحدة الحروق أيضاً. أخذني رئيس الممرضين في جولة في القسم. ليس لديهم سوى خمسة أسرة ضمن مساحة لا تتجاوز 50 متراً مربعاً. واستبدلوا بالجدران الستائر. شاهدت صبياً في العاشرة في إحدى الغرف. كانت معه أمه وجدته. أصيب بحروق قبل يومين، حين انفجرت أسطوانة الغاز. حروقه من الدرجة الثالثة في اليدين والوجه. كان ممدداً على سريره، مفتوح العينين. في الأيام القليلة اللاحقة، فكرت به كثيراً، وبنوع المعالجة التي يمكن، أو لا يمكن، أن يتلقاها.

بعد أسبوعين، بدأنا العمل في الخيمة، وسأل الجراحون الفلسطينيون إذا كان من الممكن إجراء عملية جراحية طارئة لمريض صغير السن مصاب بحروق. خطر ببالي الصبي على الفور، وكنت على صواب. رأيته حين وصل في صباح اليوم التالي، منهكاً، وشاحباً نحيلاً. تملكني الحزن لأنه كان يعاني على ما يبدو طوال أكثر من أسبوعين. وبعد التخدير، غسلنا جسمه لتقييم مدى إصابته. كان بحاجة إلى جراحة في يديه ووجهه.

شاهدته بعد خمسة أيام، حين غيرنا الضمادة تحت تأثير المهدئ. ما زال يبدو مثل شبح ولم يكن يتحمل أن نلمسه لأن اللمس مؤلم جداً. كان بحاجة إلى مزيد من الزيارات من أجل تغيير الضمادة والعلاج الفيزيائي، لكن أظن أنه محظوظ، إذ حظي بطبيب من منظمة أطباء بلا حدود يجري له العملية، ومن ثم سيتلقى العناية الفضلى التي يحتاج إليها".

إدعم منظمة أطباء بلا حدود

تبرّع

العودة إلى الأعلى

تواصل معنا

  • شاهدنا على يوتيوب

حمولة