على أهبة الاستعداد في خضم المعارك: صوت من الميدان بشأن الأنشطة المنقذة للحياة في ظل انتفاضة المتمردين في جمهورية أفريقيا الوسطى

مايو 21, 2013

تبرّع
على أهبة الاستعداد في خضم المعارك: صوت من الميدان بشأن الأنشطة المنقذة للحياة في ظل انتفاضة المتمردين في جمهورية أفريقيا الوسطى

شارك الدكتور تيم شونفيلد في مشروع للاستجابة الطارئة تديره منظمة أطباء بلا حدود في جمهورية أفريقيا الوسطى، حيث أمضى أربعة أسابيع في سيبوت، على جبهة القتال المحتدم بين القوات الحكومية وائتلاف جماعات المتمردين الذين يسعون إلى إطاحة رئيس البلاد. وفر الدكتور شونفيلد مع فريق من تسعة عاملين في منظمة أطباء بلا حدود رعاية الطوارئ لنساء حوامل، وأطفال دون سن الخامسة، ومرضى في حالات حرجة في مستشفى محلي تم إخلاؤه في أواخر ديسمبر/كانون الأول 2012، حين بدأ التمرد.

وضع حرج

حين وصلت في أواخر يناير/كانون الثاني كان المتمردون قد استولوا على الجزء الشرقي الذي يعادل ثلث مساحة جمهورية أفريقيا الوسطى، بما فيه بلدة سيبوت، حيث مقر بعثتنا. كان "الخط الأحمر" بين القوات الحكومية والمتمردين يبعد 50 كيلومتراً إلى الجنوب من سيبوت. تعرضت البلدة لأعمال سلب ونهب على نطاق واسع من قبل مسلحين يعملون لصالح الحكومة، ثم من الجنود المتمردين بعدهم، ولذلك لم يبق الكثير ليعتمد عليه الاقتصاد. هرب 90% من السكان تقريباً من الضرب والابتزاز والاعتداءات الجنسية التي تعرضوا لها من الجنود التشاديين والمتمردين على حد سواء عبر الاختباء "في الغابة". أغلق الطريق بين العاصمة بانغوي وسيبوت طوال أكثر من شهر، وحين وصلنا إلى المستشفى لم نجد سوى القليل من الإمدادات الطبية المتوافرة. بينما هرب الطبيب الوحيد، مع الممرضين والقابلة، إلى العاصمة. وفي منطقة يسكنها 40,000 شخص، كان الطلب على الرعاية الطبية مرتفعاً لأن السكان عاشوا في ظروف قاسية مدة شهر. كانوا في وضع يائس حيث يموت أطفالهم من الملاريا والإسهال، وتلد نساؤهم في ظروف بدائية. باختصار، كانت حالة طوارئ تحتاج إلى استجابة عاجلة، استجابة منقذة للحياة على نطاق واسع للغاية.

استقبال المرضى

في صباح اليوم الأول الذي بدأنا فيه معالجة المرضى، احتشد أكثر من مئة شخص في انتظار الكشف. كان بين المرضى أطفال تتراوح أعمارهم بين شهرين وخمس سنوات يعانون من الملاريا و/أو سوء التغذية الحاد، إضافة إلى حالة إصابة بسل النخاع [الشوكي] أدت إلى شلل في الطرفين السفليين للمريض. وفضلاً عن ذلك، وصلت شاحنة للمتمردين تحمل سبعة جنود أصيبوا في حادث مروري. توفي احدهم حين كنت أفحصه، لكن الباقين (أتوا في حالة غيبوبة) استعادوا وعيهم بسوائل الإنعاش وعولجوا من إصابات في الرأس. هدد أحد المتمردين بقتلنا إذا مات رفاقه، لكننا أبلغنا قائدهم، وشرحنا له ماذا نفعل، فوضع اثنين من رجاله بـ"الملابس المدنية" في الجناح للتأكد من انضباط الجنود. على العموم، أظهر زعماء المتمردين قدراً كبيراً من التعاون والدعم لما كنا نقوم به.

بطولة أم

في الأسبوع الثاني استدعيت لفحص طفلة مريضة في الثالثة من عمرها. وبعد الفحص، تبين أنها مصابة بحروق من الدرجة الثالثة في نسبة 20% من جسمها، في منطقة الصدر والبطن والفخذين. وقع الحادث في الغابة حيث كانت تختبئ من المتمردين مع أمها وأختها. ويبدو أن الطفلة اقتربت كثيراً من النار التي أشعلتها الأسرة فامتد اللهب إلى ملابسها وهربت فلحقتها الأم وأطفأت النار. ربطت الأم التي لم تكن تتجاوز الثامنة عشرة من العمر طفلتها الرضيعة على ظهرها، وانطلقت بها عبر الغابة مسافة 50 كيلومتراً إلى المستشفى، إذ لم ترغب في استخدام الطريق خوفاً من المتمردين. كانت تطعم الطفلة المصابة وتسقيها وترضعها. وصلت الطفلة إلى المستشفى دون أن تعاني من الحمى (العدوى هي القاعدة لا الاستثناء في حالة حروق الدرجة الثالثة، حيث لا تتوافر حماية جلدية من الميكروبات) ولا بد أن الأم استخدمت نوعاً من العلاج الأفريقي التقليدي لوقاية الجروح. تحسنت حال الطفلة وسوف تنجو... بفضل الأم البطلة!

عودة إلى الحياة

رأينا مراراً مرضى يتمتعون بقدر مدهش من المرونة والقدرة على البقاء! على سبيل المثال، شملت إحدى الحالات التوليدية شابة وصلت إلى المستشفى لتضع وليدها قبل الأوان حيث لم يمض سوى ستة أشهر على الحمل. أبلغتني القابلة بأن الجنين ميت لكن الأم عاجزة عن الوضع، ومن الضروري إجراء عملية قيصرية. وعندما خرج الجنين من البطن، أذهلتني صرخة واهية! اقتربت من طاولة العمليات ورأيت مولودة هزيلة (لا يزيد وزنها على 1,36 كغ) تجاهد لكي تتنفس، وتفتح عينيها بين الحين والآخر. لم تصل رئتاها إلى درجة التطور الكافية، وبدا أن صدرها ينهار كلياً مع كل نفس. كان من الصعب مشاهدتها، وقررت أن أحاول نفخ الهواء في رئتيها بواسطة كيس تنفس مخصص للبالغين وقناع مخصص للبالغين. تمكنت من نفخ الهواء ببطء في الرئة اليمنى لكن اليسرى قاومت. حقنا الهيدروكورتيزون عن الطريق الوريد السري وفقاً لاقتراح الممرضة. في نهاية المطاف، نجحنا في نفخ الهواء في الرئة اليسرى أيضاً بعد ضغط إيجابي رقيق لمدة 30 دقيقة. اكتفينا بهواء الغرفة، حيث لم يكن الأوكسجين متوافراً! اصطبغت الطفلة بلون وردي، وأرسلتها إلى الجناح وهي تتنفس تلقائياً. بعد ثلاثة أيام، بدأت ترضع، ولم تصب بالحمى، بينما ملأ الهواء رئتيها. أمر لا يصدق!

من الصعب الرفض

شعرت بإحباط شديد خلال العمل في هذه البعثة حين اضطررت إلى عدم قبول مرضى في أمس الحاجة إلى العلاج الطبي. فقد استهدفت بعثة سيبوت على وجه الخصوص الأطفال دون الخامسة، والنساء الحوامل، وضحايا العنف، والحالات الطارئة (الحالات المهددة للحياة). وكثير من المرضى الذين قطعوا مسافة 30 كيلومتراً سيراً على الأقدام للوصول إلى موقع بعثتنا لم يكونوا من هذه الفئات، ووجدت نفسي مرات عديدة في اليوم أحاول أن أشرح لهم بأنهم ليسوا جزءاً من هدف بعثتنا. يجد أطباء المنظمة على وجه الخصوص ذلك الرفض صعباً للغاية.. إذ إن سبب انضمامنا إلى منظمة أطباء بلا حدود هو أن نتمكن من معالجة الأكثر ضعفاً في هذا العالم، لا أن نشرح لهم مرة بعد أخرى لماذا لا يوجد أحد لمساعدتهم. كان أمراً صعباً ومزعجاً على أقل تقدير، لكنني تفهمت الأسباب الكامنة وراء تحديد مجموعات المرضى المؤهلين للعلاج.

فكرة ختامية

على الجانب الإيجابي، سنحت لي فرصة لرؤية ما يمكن أن يحدث في الواقع الحقيقي حين تدخل منظمة أطباء بلا حدود منطقة وتبدأ الإدلاء بالشهادة على ما يحدث.. في هذه الحالة إبلاغ زعماء المتمردين بمعاناة السكان الناجمة عن أعمال السلب والنهب والابتزاز والاغتصاب والضرب التي يمارسها جنودهم، والمشقة الناتجة بشكل مباشر عن عيشهم مختبئين في الغابة. استطعنا أن نحدث فارقاً حقيقياً، حين استجاب الزعماء لمطالب السكان عبر فرض مزيد من الانضباط على جنودهم (وهي مهمة ليست سهلة كما لاحظت آنفاً).  

إدعم منظمة أطباء بلا حدود

تبرّع

العودة إلى الأعلى

تواصل معنا

  • شاهدنا على يوتيوب

حمولة