باكستان: الوجه الآخر للعنف

مايو 15, 2013

تبرّع
باكستان: الوجه الآخر للعنف

ثلاث هجمات، ثلاث موجات من الجرحى في ظرف ثلاثة أيام، إنه حدث فريد حتى في مستشفى هانغو حيث التفجيرات أصبحت أمراً مألوفاً. وجدنا أمامنا فجأة عشرات المرضى المتدفقين على قسم الطوارئ، رجالاً ونساءً وأطفالاً. الدم والصراخ في كل مكان، ومعها مشاعر الغضب لدى البعض والأعصاب الباردة لدى الآخرين. وعلى مدى ثلاثة أيام، واصل طاقم منظمة أطباء بلا حدود، من أجانب وباكستانيين، كفاحه بلا توقف من أجل تقديم الإسعافات اللازمة إلى هؤلاء الضحايا

عند روايته لأحداث الأيام الثلاثة التي قضوها تحت ضغط كبير، يبدأ نيكولا، مسؤول الشؤون اللوجستية في هانغو: "لقد تصاعدت وتيرة الأحداث باضطراد. عصر يوم الاثنين، عند الساعة الرابعة، رن الهاتف. لقد كان داميان، مسؤول مشروع المنظمة في هانغو، يتصل بي لإخباري بوقوع هجوم في كورام التي تبعد عنا مسافة ثلاث ساعات بالسيارة. ذاك المساء، بدأ المرضى الأوائل الذين تم نقلهم من سعدا يتوافدون علينا حوالي الساعة الثامنة ليلاً. وقد كنا مستعدين لاستقبالهم، فسارت الأمور على ما يرام". 

يوم الثلاثاء، اتصل داميان بإيمانويل، وهو طبيب إحالة، على الساعة 12:30. يقول: "كنت قد عدت للتو من إسلام آباد بعد رحلة بالسيارة، حين اتصل بي داميان ليخبرني بوقوع هجوم آخر في دعبا، التي تبعد مسافة ساعة واحدة عن هانغو، مخلفاً عدداً كبيراً من الجرحى. وكان لدينا ما بين 45 دقيقة وساعة واحدة للاستعداد قبل وصول أوائل المرضى". شرعوا في العمل فوراً، فالفرق الطبية مستعدة لهذا النوع من الحالات وكل فرد فيها يعرف تماماً ما يجب عليه فعله. يضيف: "هناك رهانان: أحدهما لوجستي والثاني طبي. بالنسبة للوجستي، يتمثل الخطر الأساس في احتشاد المرضى، وهو أمر يجب السيطرة عليه من أجل تفادي إغراق قسم الطوارئ بأعداد لا تنتهي منهم. وبالنسبة للرهان الطبي، يجب ضمان جاهزية الخطوات الأساسية لخطة العمل خلال دقائق معدودات: إعداد سلسلة تواصل بين جميع الفاعلين، وفريق الجراحة جاهز وغرفة العمليات متاحة، وأَسِرّة شاغرة، وغرفة فرز وخدمة طوارئ منظمتان جيداً فيما يخص المواد وتوزيع المهام". 

وصل 37 مريضاً بلا انقطاع في ظرف ساعتين. وكان نيكولا متواجداً في غرفة الطوارئ. يقول: "كنت أشرف على نقل المرضى، أنادي على حاملي نقالات المرضى وسيارات الإسعاف". أما إيمانويل، فكان مسؤولاً عما يسمى "الفرز"، والذي يتمثل في إعطاء كل مريض لوناً معيناً يتوافق مدى أولوية حالته وشدة خطورتها، وهو أمر يجب عليه تحديده خلال ثواني معدودات، وحسب ترتيب درجة الخطورة: أسود>أحمر>أصفر>أخضر". 

بالنسبة لإيمانويل، يجب على الشخص المسؤول أن يتحلى بأعصاب باردة وردة فعل سريعة. يقول: "يجب أن نتابع الأولويات وأن نسيطر على تدفق المرضى وإعادة توجيه المرضى ذوي الأولوية "الخضراء"، وهم الأقل استعجالاً، وفي الوقت نفسه، نميز مرضى اللون "الأسود" الذين فُقِد أي أمل في إنقاذهم؛ فهؤلاء بحاجة إلى نوع آخر من الرعاية، يتمثل في تخفيف آلامهم ومصاحبتهم إلى نهايتهم المحتومة بكل كرامة. في المقابل، نركز جهودنا ومواردنا العلاجية على مرضى "الأحمر" و"الأصفر" الذين أصبحت حياتهم مهددة ولكن هناك إمكانية لإنقاذهم". 

من بين مرضى تفجير الثلاثاء، كان هناك طفل في الثامنة من عمره، جاء إلى قسم الطوارئ مع والده في نفس وقت وصول مريضين آخرين. وبينما كان إيمانويل يفحص الطفل، شرح لنا نيكولا الوضع: "كان والده غاضباً ومستاء، فحاولت تهدئته. فقد تلقى الطفل شظية متفجرة على صدره، فأصيب بصدمة في جهازه التنفسي ودورته الدموية. كان الأمر صعباً، لدرجة أنني حين رأيته أول مرة قلت في نفسي بأنه لن يعيش أكثر من دقائق قليلة. ولكن، في الوقت نفسه، كان لدينا فرصة لفعل شيء، فوضعت عليه اللون الحمر، فأُرسل فوراً إلى غرفة الإنعاش. ولوهلة، كنت مع أخصائي التخدير نأمل في أن تساعد محاولتنا في إنقاذ حياته، ولكن رغم كل الجهود التي بذلناها توفي خلال دقائق. إنه هذا النوع من الحالات التي يصعب علينا التعامل معها: الحالات الحمراء القريبة إلى درجة الأسود التي نعقد عليها الآمال في إنقاذ حياة المريض...". 

يضيف نيكولا: "لا بد من التركيز الشديد طوال الوقت على ما تفعل والحفاظ على برودة أعصابك. آنذاك، تكون منهمكاً في العمل، فلا تفطن لشدة التوتر من حولك إلا بعد انتهاء الأزمة. وفي الليلة التالية، وجدت صعوبة في النوم. ثم يوم الأربعاء، كنا نتوقع حدوث أمر ما، خصوصاً في الفترة الحرجة من النهار ما بين 11 صباحاً والثانية ظهراً، أي خلال فترة الصلاة. عند الساعة الثانية، لم يحدث شيء بعد. ولكن بعدها بعشر دقائق، سمعت دوي انفجار هائل. آنذاك، تشعر بأن قلبك قد هوى من مكانه. لحسن الحظ، كان لدينا طاقم متفانٍ... استغرق مني الأمر بضع دقائق للركض مسافة الـ400 متر التي تفصل المنزل عن غرفة الطوارئ، وما كدت أنتهي من وضع ثلاثة أفرشة على الأرض حتى بدأ المرضى يصلون". أما إيمانويل، فبمجرد سماعه للانفجار، بدأ يركض هو الآخر إلى قسم الطوارئ، وفي الطريق أخطر الطبيب الجراح. يقول: "خلال بضع دقائق، كان هناك 10 مرضى ممتدين على أرض غرفة الطوارئ مضرجين في دمائهم". 

وعلى عكس اليومين السابقين، وصل المرضى إلى المستشفى فوراً ومعهم الجماهير. فالتفجير وقع في السوق. "في مدخل قسم الطوارئ، كان الوضع كارثياً، والضجيج مرتفعاً، والناس تصرخ وتبكي، والدماء في كل مكان، على الملابس وعلى الأرض... ليس هناك متسع من الوقت للتفكير، لذلك من الضروري أن تكون مستعداً. وفي هانغو، اكتسب الطاقم هذه الخبرة بحكم التجارب المتكررة، للأسف". ولا بد من التصرف بسرعة، لذلك، أغلق نيكولا وفريقه مداخل قسم الطوارئ من الخارج والداخل. يقول: "حين يصل مريض واحد، تراه مصحوباً بخمسة أو ستة أو سبعة أشخاص، يصرون على البقاء بجانبه ومعرفة مصيره. لذلك، ومن أجل ضمان مساحة كافية للمعالجين، لا يسمح الطاقم بوجود إلا مرافق واحد فقط لكل مريض داخل قسم الطوارئ. لهذا السبب، تجد الحراس في الخط الأول؛ فالناس تصيح وتصبح عنيفة وتحاول تجاوز الحواجز. نقوم بالتحدث معهم، وفي النهاية يتفهمون الأمر". 

وصل 18 مريضاً إلى قسم الطوارئ في أقل من 10 دقائق. ورغم أننا جميعاً نعرف ماذا كان ينتظرنا حين قررنا المجيء إلى هانغو، يبقى التوتر سيد الموقف. "لا يمكن أن تكون مستعداً لما تراه، خصوصاً بالنسبة لنا نحن العاملين في الشؤون اللوجستية، مع كل هذا الدم المهدور... يوم الأربعاء، كانت أول مريضتين تصلان إلى قسم الطوارئ طفلتان صغيرتان، عمرهما 7 و 10 سنوات، عيونهما زرقاء كبيرة وجميلة، كانت إحداهما في حالة صدمة والثانية ذراعها محروقة... حين ترى مثل هذه المواقف، تشعر بالغضب...". 

وفي المجموع، تلقى 80 مريضاً خدمات الرعاية الطارئة يوم الأربعاء. وإلى جانب الـ18 ضحية لهجوم السوق، وصلت 17 حالة "حمراء" أخرى، شملت حالات طارئة في القلب والأعصاب والإصابات البليغة في الرأس، كلهم مرضى بحاجة إلى عناية الفريق الطبي التامة وجميع الموارد المتاحة في قسم الطوارئ. لقد كان يوماً حافلاً واستثنائياً. يقول نيكولا: "وصل آخر الجرحى حوالي الساعة الرابعة والنصف عصراً، ثم استرجعنا وتيرة العمل المعتادة داخل المستشفى، فاشتريت المثلجات للجميع. وقد كانت ليلة البارحة مشحونة هي الأخرى، فقد كنا نحاول تحديد أفضل السبل لتحسين الأداء في هذا المجال أو ذاك... إنها هانغو بكل انعدام الاستقرار المعروفة به، ولكن ثلاثة تفجيرات متتالية، إنه أمر صعب جداً". يوم الجمعة، يكون خطر الهجمات أكبر أثناء موعد صلاة الجمعة. ولكن خلال السبت، سوف تكون هناك انتخابات تشريعية. يضيف: "حينها، نصبح في حالة طوارئ مستمرة، ننتظر وقوع أي شيء، وفي أي وقت قد يرن الهاتف لنسمع خبر وقع تفجير". 

بعد ثلاثة أيام على هذا المنوال، بدأ التعب يتسلل إلى أفراد الفريق. وبالنسبة لطاقم الأجانب، فإنهم يعلمون بأنهم سيُستبدلون بعناصر أخرى، ولكن الطاقم الباكستاني سوف يبقى هنا وسيكافح كل يوم من أجل إنقاذ حياة الضحايا. يختم نيكولا تعليقه، قائلاً: "في كل يوم يرددون عليّ الكلام نفسه: نحن في هانغو، كل شيء جائز ويمكن وقوعه. إنهم يعيشون على هذا الإيقاع المليء بالمخاطر كل يوم، ومع ذلك تراهم يذهبون إلى البازارات وإلى الأسواق، أو يشربون الشاي في المقهى. ببساطة، إنهم يواصلون حياتهم...". 

 

إدعم منظمة أطباء بلا حدود

تبرّع

العودة إلى الأعلى

تواصل معنا

  • شاهدنا على يوتيوب

حمولة