توفير الرعاية النفسية في سوريا: "ذكريات أليمة، وكوابيس.. وملابس أطفال"

مايو 6, 2013

تبرّع
توفير الرعاية النفسية في سوريا: "ذكريات أليمة، وكوابيس.. وملابس أطفال"

عادت أودري ماغيس، أخصائية علاج نفسي لدى منظمة أطباء بلا حدود، من سوريا بعد أن عملت شهرين هناك. تمثل دورها في إقامة وإدارة برنامج للصحة النفسية في أحد مشاريع المنظمة في شمال البلاد. وكانت ماغيس قد عملت سابقاً مع المنظمة في غزة وليبيا، وفي مخيم للاجئين السوريين. تشرح هنا كيف أضرت الحرب بالناس وماذا تفعل المنظمة لمساعدتهم.

في معظم الأماكن التي عملتُ فيها، بدا الناس متحفظين إلى حد ما حين أخبرهم بأنني أخصائية نفسية. لكن في سوريا كانوا على العكس من ذلك تماماً، إذ أتوا إلي وأبلغوني بحاجتهم إلى خدماتي. الحرب مستعرة منذ سنتين، وفقد الناس كلياً يقينهم ووجهتهم وقدرتهم على الاحتمال. في البداية كانوا يأتون ليخبروني عن مشاكلهم الاجتماعية في المنزل؛ الأطفال لا يذهبون إلى المدرسة، ولذلك يسببون الفوضى والاضطراب، والبالغون لا يعملون، والناس يعيشون في الخيام أو يحتشد كل عشرة منهم في غرفة واحدة... لكن حين تبحث بعمق أكبر سرعان ما تكتشف أن معظمهم مروا بأحداث صادمة مريرة. خسر بعضهم أصدقاء أو أقرباء، وشاهد غيرهم بيوتهم تدمر، بينما تعرض آخرون لقصف القنابل...

فقدان الهوية...

فقد الناس هويتهم وارتباطهم. الرجال الأكبر عمراً لا يجدون مكانهم في المجتمع والعائلة: خسروا وظائفهم وعملهم، أو فقدوا عزمهم وتصميمهم، وربما كانت لديهم مسؤوليات تجاه عائلاتهم، لكنهم أجبروا على تغيير مكان إقامتهم بسرعة عدة مرات متتالية. لم أكن مضطرة للعثور عليهم، فهم يرجعون ويطلبون المساعدة. يقول أحدهم مثلاً: "أشعر بأنني ألجأ إلى أساليب عنيفة عند التعامل مع زوجتي وأطفالي. أرجو منك مساعدتي. لا يمكن أن أتصرف على هذا النحو".

رأيت كثيراً من النساء اللواتي أصبح من الأصعب عليهن تشكيل رابط جامع بأطفالهن. لا توجد سوى قلة قليلة من وسائل منع الحمل، وكثيرات يحملن دون أن يرغبن بذلك فعلاً. كما يكافحن لتخيل مستقبلهن مع أطفالهن. قابلت عدداً من النساء في المراحل الأخيرة من الحمل لم يتخذن أي إجراء استعداداً للولادة؛ لا مهد للوليد، ولا ملابس، ولم يفكرن حتى باسم. لقد فقد الناس قدرتهم على تصور حياتهم في المستقبل.

لا ترى الأطفال يلعبون بالدمى أو لسيارات أو الألعاب المعتادة الأخرى؛ بل يتظاهرون بإطلاق النار بعضهم على بعض. رأيت صبية يرمون الحجارة على الحيوانات، ويؤذونها. تلك هي طريقتهم في التعبير عن غضبهم المكبوت. وفي الحقيقة، هذه طريقة وظيفية نسبياً للتنفيس عن بعض مشاعرهم العدوانية.

رأيت أيضاً فتية في العشرينيات من العمر، من المقاتلين السابقين، أتوا إلي يشتكون من الاكتئاب، وإجهاد الصدمة، والذكريات المؤلمة، والكوابيس...

فقدان المعنى...

أبلغني عدد من الأشخاص بكل هدوء أنهم لم يعودوا يعرفون الهدف من الحرب. وترعبهم فكرة أنهم يقاتلون جيرانهم، وأصدقاءهم... ولم يعد المغزى واضحاً بالنسبة لهم. في البداية، تبين لهم وجود هدف وراء الحرب، لكن بعد سنتين غاب وتلاشى، وكل ما يريدونه الآن أن ينتهي كل شيء ويعودوا إلى ديارهم. 

تجاوزت الأمور نقطة الانهيار. فقد الناس الوجهة والقدرة الواعية على السيطرة. لكنهم تمكنوا بطريقة أو بأخرى التعامل مع الوضع. إذ لا يستطيعون أن يسمحوا لأنفسهم بالانهيار كلياً. وطوروا قدرة مدهشة على التكيف والاستمرار. فالبقاء مدة سنتين والنجاة من هذه المحنة إنجاز مشهود. كما أن الدعم الذي يقدمه كل من العائلة والمجتمع المحلي هائل ومؤثر.

بعيداً عن حافة الجنون...

أحياناً تكفي جلسة واحدة. إذ يحتاج بعضهم إلى سماع أن ما يحدث لهم أمر طبيعي، وأنهم ليسوا على حافة الجنون. لكن ثمة مرضى آخرين كنت بحاجة إلى العمل معهم فترة أطول. تكمن الفكرة في وضع هدف واضح لهم، والوصول إليه خطوة خطوة عبر العلاج السلوكي. لم يتوافر وقت كاف لجلسات تحليل مطولة، لكنك تستطيع القيام بعمل نفسي صحيح ومؤثر بهذه التقنيات العلاجية القصيرة.

مولودة خلال الحرب...

أتذكر مريضة في الشهر السادس من حملها، أتت إلى المستشفى تطلب توليدها قبل الأوان. لم يكن لديها أي سبب طبي؛ أرادت فقط أن نجري لها عملية قيصرية لتولد طفلها في أقرب وقت ممكن. بدت متوترة وقلقة ومهتاجة جداً.

جلست معها وتوصلنا إلى تفسير أن هذا الطفل سيكون وليداً من الحرب، وشعرتْ بأن الجنين كان يأخذ كل طاقتها. وكل ما أرادته مضادات للاكتئاب، لكنها لا تستطيع تناولها لأنها حامل.

وضعنا خطة لتمارين للاسترخاء. إضافة إلى مفكرة يومية تسجل فيها متى تشعر بالتوتر وما هو السبب. وبعد بضع جلسات انتقلنا إلى الاستعداد لولادة الطفل.

في الجلسة الأخيرة عرضت أمامي ملابس الطفل الذي يوشك على الولادة. لم تختر الاسم بعد، لكنها حققت تقدماً عظيماً وأصبحت جاهزة لاستقبال المولود. كانت آخر مريض أعالجه في آخر جلسة في آخر يوم. غادرت المشروع وأنا أشعر بأن الوقت الذي قضيته هناك لم يضع سدى.

إدعم منظمة أطباء بلا حدود

تبرّع

العودة إلى الأعلى

تواصل معنا

  • شاهدنا على يوتيوب

حمولة