السودان:البحث عن الذهب تحت الطوب في شمال دارفور

يناير 26, 2010

تبرّع
السودان:البحث عن الذهب تحت الطوب في شمال دارفور

"شنقلي طوباية تلقي دهباية" هي قافية من أغنية مقدمة مسلسل تلفزيوني سوداني قديم تم تصويره في بلدة شنقلي طوباية. وعبارة "شنقلي طوباية" تعني بالعامية السودانية "اقلب الطوبة"، وترجمة هذه القافية الشعبية هي "اقلب الطوبة، وسوف تجد الذهب". لقد سمعت هذه القافية مرارا عندما كنت أخبر الأسرة والأصدقاء أو الزملاء أنني أود، خلال زيارتي لشمال دارفور التي ستستغرق أربعة أيام، زيارة مستشفى منظمة أطباء بلا حدود في شنقلي طوباية.

وصلت إلى شمال دارفور بطائرة هليكوبتر صباح يوم غائم من شهر أكتوبر/تشرين الأول الماضي. وتحركت بي عربة اللاند روفر المتهالكة التابعة لأطباء بلا حدود عبر حقول رملية تتخللها أحيانا بضع شجيرات خضراء. ورأيت من النافذة أعدادا غير متناهية من القطاطي، وهي أكواخ مخروطية الشكل مبنية من القش والفروع الرقيقة. وقد سُيج بعضها بالجدران الطينية، بينما استخدم في البعض الآخر الطوب كذلك، ربما افترض أصحابها أنهم لن يعودوا إلى قراهم قريبا.

وتقع مجموعة متراصة من القطاطي في الجهة المقابلة لمستشفى أطباء بلا حدود، في حين كان البعض الآخر متاخما لها. هاتان المجموعتان تعرفان بمخيمي شنقلي طوباية وشدت، ويعيش فيهما نحو 28،000 لاجئ. لقد فر الكثيرون من ديارهم بسبب اندلاع الصراع في قراهم ويعيشون في القطاطي منذ عام 2004. وبعد وصولهم بفترة وجيزة، بدأت أطباء بلا حدود نشاطاتها الطبية في شنقلي طوباية.

شُيد المستشفى بطريقة بسيطة. استخدمت للمبنى الرئيسي الخيام البلاستيكية مع بعض المواد المحلية مثل حصائر القش. أما غرفة الانتظار فهي عبارة عن مظلة من الخيام مفروشة بحصائر قش ويوجد في داخلها مقعدان خشبيان بلا مساند للظهر أو أذرع جانبية. وعلى الرغم من هذا المظهر المتواضع، إلا أن المستشفى على درجة من الكفاءة ويعمل على توفير الرعاية الصحية الجيدة.

كانت هذه الخيام تعج بالنشاط حيث يعمل الأطباء والممرضات والقابلات والمساعدون الطبيون على العناية بالمرضى. وفي إحدى الغرف، يقوم طبيب بقياس وزن طفل حديث الولادة، ويفحص علامات سوء التغذية. وفي وحدة المرضى الداخليين، ترقد ثلاث نساء في بداية الثلاثينات من أعمارهن يحتضن أطفالهن الذين يعانون من سوء التغذية. تمنيت لأطفالهن الشفاء السريع، فابتسمن لي بحزن.

معظم المرضى من النساء والأطفال وهما الفئتان الأكثر تضررا من النزاع. قد عانت بعض النساء من الاكتئاب والصدمات النفسية والعنف الجنسي. وأتت هؤلاء النساء إلى وحدة العلاج النفسي في المستشفى بحثا عن المشورة والدعم. وهناك عدد قليل من الحوامل والأطفال دون سن الخامسة يعانون من سوء التغذية. إذ بسبب الفقر والجفاف، تجد النساء الحوامل صعوبة في الحفاظ على النظام الغذائي السليم، ناهيك عن زيادة المتناول الغذائي. وبالمثل، يناضل الأطفال من أجل بناء نظام المناعة لديهم. كما يؤدي ازدحام مخيمات المشردين داخليا، مع وجود بعض السكان الذين يعيشون على مقربة إلى سهولة انتشار الأمراض.

يقوم فريق الدعم الخارجي لأطباء بلا حدود، والذي يتألف من 26 عاملا صحيا للمجتمعات المحلية، بزيارات يومية من شنقلي طوباية إلى مخيمات المشردين والقرى البعيدة. يعمل هؤلاء العاملون الصحيون على تقديم الفحص التغذوي ومتابعة حالات سوء التغذية وتنظيم حملات التطعيم وإحالة المرضى إلى مستشفى أطباء بلا حدود وتدريب الناس في مجال الرعاية الصحية الأساسية والنظافة. ويتنقل البعض منهم الذين يقومون بزيارات إلى مخيمات متقاربة مشيا على الأقدام، بينما يضطر البعض الذي يقوم بزيارات لقرى بعيدة إلى ركوب الحمير، وهي الطريقة التقليدية للسفر في دارفور (حيث يستهدف قطاع الطرق السيارات).

الموظفون السودانيون هم أساس الطاقم في المستشفى. وتأتي ممرضة وطبيب دوليان بالطائرة مرتين في الأسبوع من الفاشر، حيث أن الأوضاع الأمنية غير المستقرة، ومخاطر التعرض للخطف منعت موظفي أطباء بلا حدود الدوليين من البقاء بشكل دائم في شنقلي طوباية. لذا يمكننا القول أنه بدون تفاني واستعداد الموظفين الوطنيين، لم تكن أطباء بلا حدود لتقوم بعملها في شنقلي طوباية. معظم هؤلاء الموظفين من دارفور، وقد استشعروا تأثير النزاع في حياتهم اليومية. لقد شهدوا خسارة هائلة، هم والمرضى، وبالرغم من ذلك يحتملون بكرامة ويقومون بتقديم مساعدات سخية لبعضهم البعض.

وبالرغم من كل ما مر به الناس في شنقلي طوباية، إلا أن التداخل والقرابة ظلا جزء لا يتجزأ من المجتمع. إنهم يكافحون من أجل البقاء على قيد الحياة، ومع ذلك يقوم السكان المحليون والمشردون بجمع مواردهم الضئيلة لمساعدة جيرانهم وأقاربهم، أو أصدقائهم. لم تقدر الظروف المعيشية الحشة، ولا المعاناة العاطفية والذكريات المؤلمة على تحطيم عزيمة الناس هنا. إذ ما زالوا يحتفلون بالزواج والولادة ومناسبات أخرى عديدة، بينما تتزين أيدي وأقدام كثير من النساء بالحناء الذي يستخدم للتجميل في أوقات الاحتفال. لقد فقدوا منازلهم وقراهم وأحبائهم، لكنهم ما زالوا يريدون الاحتفال بالحياة. وما زلت حتى الآن، عندما أفكر في الناس الذين التقيت بهم في شنقلي طوباية، تلهمني قوتهم ومقدرتهم على مواجهة اليأس وعدم الاستقرار.

الذهب قد لا يكون موجودا عند تقليب الطوب في شنقلي طوباية، ولكنه يظهر من خلال عدة نواحي. الذهب هو كفاءة مستشفى منظمة أطباء بلا حدود رغم بساطته. هو العاملون فيه، المتفانون في خدمة الآلاف من الناس في المنطقة. الذهب هو روح المجتمع الذي ينضح بالرحمة والإنسانية حتى في معظم الأوقات العصيبة.

إدعم منظمة أطباء بلا حدود

تبرّع

العودة إلى الأعلى

تواصل معنا

  • شاهدنا على يوتيوب

حمولة