سوريا: "لم يكن أحد مستعد لمواجهة هذا النزاع"

مارس 21, 2013

تبرّع
سوريا: "لم يكن أحد مستعد لمواجهة هذا النزاع"

أمضى لويك جايغر لتوه شهرين في سوريا حيث عمل مدير مشروع في واحد من المستشفيات السرية الثلاثة التي تديرها منظمة أطباء بلا حدود داخل البلاد. ويصف هنا الوضع الإنساني والاستجابة الطبية التي تقوم بها المنظمة.

ما هو الوضع في هذه الأزمة بعد سنتين من النزاع؟

الوضع متدهور وخطير، والاحتياجات هائلة، والاستجابة الإنسانية محدودة جداً. على العموم، تركز المنظمات الإنسانية القليلة التي تعمل في شمال سوريا جهدها على العمليات الجراحية. لكن احتياجات الرعاية الصحية كبيرة وواسعة للغاية. قبل الحرب كان السوريون يعيشون حياة عادية ويتمتعون بمستوى معيشة مرتفع نسبياً. في المنطقة التي نعمل فيها بالقرب من الحدود التركية، هنالك العديد من البيوت الصيفية الجميلة التي اعتاد أصحابها من سكان المدن قضاء عطلاتهم فيها. كان الأطفال يذهبون إلى المدارس، ومياه الشرب النظيفة تتدفق من الصنابير.

لكن الكهرباء مقطوعة منذ أشهر الآن، وتوقفت المياه الجارية في الشبكات، بينما اضطر السكان إلى مواجهة قسوة الشتاء البارد من دون تدفئة. ولذلك عادوا إلى مواقد الحطب؛ في كل بيت ترى ثقباً محفوراً في الجدار لتثبيت مدخنة.

على بعد 20 كيلومتراً من مستشفى منظمة أطباء بلا حدود، هنالك مدينة يسكنها 150,000 نسمة وتضم عدة مستشفيات، أحدها مستشفى عام مجهز بأحدث المعدات الطبية، تماماً كما توقعت حين كنت أعمل في المستشفى في فرنسا. لكن خط الجبهة يفصل موقعنا عن هذا المستشفى، ولذلك تعذر الوصول إليه بالنسبة لأغلب الناس. أما البنزين، الذي كانت تقدمه الدولة سابقاً، فلم يعد متوافراً، ما يعني عجز الناس عن قطع حتى المسافات القصيرة.

حوصر السكان المدنيون وعلقوا في النزاع. فهم غير معتادين عليه ولذلك لا يعرفون آليات البقاء على قيد الحياة في الظروف الصعبة. لم يكن أحد مستعد لمواجهة هذا النزاع.

ما الذي يفعله فريق منظمة أطباء بلا حدود؟

تمثل العمليات الجراحية جزءاً مهماً من عملنا لأن المدنيين معرضون للقصف فعلياً كل يوم. أتذكر حديثاً أجريته مع رجل يعاني حالة شديدة من الذهول؛ فقد أصيبت زوجته بقذيفة هاون انفجرت قربها وشوهتها. كانت تعلق الغسيل، لكن في المكان الخطأ والزمان الخطأ. كنا نعالج مصاباً بجروح خطيرة كل يوم، لكن حين تسقط قذيفة في مكان مكتظ بالناس، يصل عدد المصابين الذين نعالجهم إلى 30. أما عندما تندلع معركة كبيرة فيبلغ العدد 80.

لكن نشاطنا لا يقتصر على العمليات الجراحية. فمع تزايد عدد الهاربين من خطوط القتال، بدأنا إدارة عيادة للمرضى الخارجيين مكنتنا من تحديد احتياجات أخرى، مثل رعاية الأمراض المزمنة.

في المدينة الكبيرة القريبة مثلاً، يتلهف الناس على الفرار، لكن الهروب ليس سهلاً. وكثير منهم يتسللون من المدينة، متظاهرين بأنهم يريدون زيارة بعض الأقرباء، على الأقدام أو بسيارة أجرة، وليس معهم شيء. في البداية استقر هؤلاء في بيوت هجرها أصحابها، لكن ازداد عدد المخيمات في الجبال. وبسبب البرد القارص، بدأنا على الفور توزيع البطانيات كخطوة أولى لمساعدة هؤلاء.

ثم أخذنا نوسع أنشطتنا بالتدريج، لا سيما في مجالي صحة الأمومة والصحة النفسية.

ما هي الصعوبات التي تواجه النساء الحوامل في سوريا اليوم؟

في الماضي، كان بمقدور المرأة الحامل الحصول على الرعاية والانتقال إلى مستشفى مجهز بالكامل بأحدث المعدات خلال 20 أو 30 دقيقة. وكان باستطاعة غالبية النساء إجراء الفحص المعياري بالموجات فوق الصوتية ثلاث مرات أثناء الحمل، ثم الولادة بإشراف أطباء مختصين. عندما وصلنا إلى المنطقة، لم يعد أمام النساء الحوامل أي خيار، واضطرت غالبيتهن إلى الولادة في المنزل أو محاولة عبور الحدود سيراً على الأقدام أو على جرار زراعي.

ولذلك بدأنا تنظيم إجراء استشارات سابقة للولادة كجزء من نشاط عياداتنا المتنقلة، وافتتحنا خدمة رعاية الأمومة في المستشفى. ومع توسيع نطاق عيادتنا المتنقلة، ارتفع عدد الولادات في المستشفى من اثنتين في الأسبوع إلى اثنتين في اليوم. ومن العجيب أن تولد نساء على بعد عشرة أمتار فقط من غرفة نعالج فيها مصابين بجراح خطيرة، أو من مكان نستقبل فيه جثث القتلى أو أطفالاً يحتضرون. لكن شعرنا ببعض الارتياح لأن حياة جديدة تولد أيضاً. وهذه واحدة من نقاط القوة في مشروعنا.

ما هو مستوى الطلب على الصحة النفسية؟

هذه حرب، والناس يعيشون في بيئة شديدة التوتر، في جو يسوده الشك والريبة وغياب الثقة. فقد الكثيرون بيوتهم، وأحباءهم... ويتعرضون لنوبات شديدة من الألم. لم يعد الأطفال يذهبون إلى المدرسة، ولا يجدون حولهم سوى مسلحين وجرحى الحرب. هذا هو واقعهم الفعلي الجديد. في استشاراتنا المعنية بالمرضى الخارجيين، نرى كثيراً من الأمهات في حالة من الذهول والتشوش يتحدثن عن المشاكل الجسدية النفسية التي يعاني منها أطفالهن.

حين أثرنا موضوع إطلاق أنشطة الصحة النفسية، تلقينا دعماً كبيراً من قادة المجتمع المحلي والزعماء الدينيين وقادة المعارضة. إذ تظهر الخلافات العائلية ولا يعرف الناس السبب؛ هنالك أطفال تغير سلوكهم فجأة وتصرفوا بشكل غريب، مثل السلس. لم يعد الأطفال يلعبون بالكرات الزجاجية الصغيرة هنا، بل بطلقات الكلاشنيكوف الفارغة...

ما يثير قلقكم للأشهر القادمة؟

الشتاء هنا بارد، ولذلك فإن حركة التنقل مقيدة كثيراً؛ ويبدو أن الناس لا يتنقلون إلا إذا تأكدوا تماماً بأنهم سيجدون فسحة في بيت أو خيمة. ومع بداية الربيع، سوف يستأنف الناس تنقلهم ويأتي المزيد من مناطق بعيدة. ومن المرجح أن تقام مخيمات أخرى كثيرة. القرى التي كانت تضم 50 عائلة، تسكنها الآن 500 عائلة أو أكثر. ستظهر قريباً حاجة إلى إقامة مخيم يضم 1,000 خيمة. وحين يأتي فصل الصيف الجاف، ستظهر مشكلة إمدادات المياه والصرف الصحي. وإذا استمر النزاع مع هذه الدرجة من تجاهل سلامة المدنيين، سوف نظل نشهد تدفقاً منتظماً من الضحايا المدنيين لعمليات القصف.  

ما هو مستوى التضامن بين السكان؟

لا نرى المنظمات الإنسانية الكبرى التي نتوقع عادة رؤيتها في أزمة كهذه. لكن هناك دعماً كبيراً من السوريين المغتربين الذين يعيشون في الخارج. والأهم من ذلك، هنالك تضامن مشهود بين الناس هنا، وهم على أتم الاستعداد لتقاسم بيوتهم وطعامهم مع الآخرين، دون أن يطلبوا شيئاً بالمقابل. في القرية التي نعيش فيها، لا توجد كهرباء، وبالتالي فإن المياه مقطوعة أيضاً. تعطل المولد وكان من المستحيل الحصول على قطع تبديل. عرض علينا أحد الجيران المولد الذي يملكه، وضخت المياه لتستخدمها القرية برمتها. هنالك الكثير من الناس المستعدين للمساعدة في علاج الجرحى. في قرية أخرى، يجري طبيب أسنان عمليات جراحية أساسية، كما يوفر رجل رعاية التمريض للمرضى بعد أن نجح في تعديل التدريب الذي تلقاه قبل خمس عشرة سنة على الإسعافات الأولية... إن الكرم والضيافة من السمات الملحوظة والغالبة بين الناس هنا.    

إدعم منظمة أطباء بلا حدود

تبرّع

العودة إلى الأعلى

تواصل معنا

  • شاهدنا على يوتيوب

حمولة