العيادة وسط الغابات – شهادة من الميدان عن الأنشطة المنقذة للحياة وسط أكثر ولايات جنوب السودان تعرضاً للعنف

يناير 3, 2013

تبرّع
العيادة وسط الغابات – شهادة من الميدان عن الأنشطة المنقذة للحياة وسط أكثر ولايات جنوب السودان تعرضاً للعنف

ديفيد بود هو مسؤول طبي من منظمة أطباء بلا حدود يعمل في العيادة الصحية المتنقلة في قرية ليكونقولي، بالقرب من بلدة بيبور في ولاية جونقلي في جنوب السودان التي تعيش تحت تأثير أعمال العنف. حين اندلع القتال في ليكونقولي شهر أغسطس/آب 2012، غادر ديفيد المنطقة برفقة باقي السكان. وأثناء اختبائه وسط الأدغال، استعمل مهاراته الطبية المنقذة للحياة وسط ظروف استثنائية صعبة...

النجاة بأرواحنا

حين بدأ تبادل إطلاق النار، هربنا من ليكونقولي. كنت أشعر بخوف شديد، وكذلك الجميع من حولي... فقد كان ما شاهدناه فظيعاً، والجثث من حولنا في كل مكان.

قلت لزوجتي بأننا سوف نُقتل إن بقينا هناك. وكان أفضل لنا أن نهرب باتجاه الأدغال لأننا نعرف أين يمكننا الاختباء هناك.

عبرنا النهر باستعمال الأغطية البلاستيكية كقوارب، حيث ربطنا أطوال الأغطية ووضعنا بداخلها العشب للمحافظة على ثباتها حتى لا تتداعى حين نصعد فوقها. نقلنا أطفالنا إلى الضفة الأخرى من النهر، ثم هربنا بعدها جميعاً مع أطفالنا وعائلاتنا. ولم يكن لدينا وقت لنحمل معنا الطعام أو الثياب أو حتى الأدوية. لقد تركنا كل شيء خلفنا.

التوغل في الغابات

قطعنا مسافة طويلة داخل الغابات، وكانت الأعشاب والحشائش الكثيفة تغطي الأرض تماماً. ولم تكن هناك طرق أو مسالك. وكان الخوف يتملكني... كنا جميعاً خائفين. فلا يمكنك أن تعرف ماذا يختبئ وسط العشب الطويل الكثيف، وهناك الكثير من المخلوقات الخطيرة في مثل هذه الأمكنة: الأفاعي والضباع، بل حتى الأسود التي كنا نسمع زئيرها أثناء الليل... وطبعاً هناك الثوار والميليشيات. كل شيء يمكن أن يختبئ على بعد خطوات منك ولا تراه. ولا يمكنك أن تعرف ماذا سيحدث في الليل، ولا حتى في النهار.

كانت هذه المنطقة قد تعرضت للفيضانات مؤخراً، فكانت المياه تنتشر في كل مكان. وكان معظم الناس ينامون تحت الأشجار دون الاحتماء بأي شيء. وكان البعض منهم قد جلب معك أغطية بلاستيكية، فكانوا يَدْعُون أبناء غيرهم للاحتماء معهم حين يسقط المطر. كانوا جميعاً يساعدون بعضهم البعض لأنهم في الورطة نفسها وسط الغابات.

العيادة تحت الشجرة

اخترت شجرة كبيرة وافرة الظلال، ونظفت جيداً الأرض التي تحيط بها. وكان لدي غطاء بلاستيكي، فأعطيته لزوجتي لتصنع به ملجأً، فقطعَت بعض الأغصان وصنعت هيكلاً يشبه الأكواخ المحلية، ثم وضعنا الغطاء البلاستيكي فوقه. بعد ذلك، صنعَت منصة خشبية تشبه السرير ووضعت عليها الأدوية لتبقى في منأى عن أذى الأرض. وهكذا، صارت لدينا صيدلية جاهزة.

ثم قطعنا بعض الأعمدة لنصنع منها مقاعد طويلة للانتظار. ثم استعملتُ أعمدة أخرى مع بعض الطين لكي أصنع بها غرفة الاستشارات الطبية لكي أتمكن من فحص المرضى وتقديم العلاج إليهم مع قليل من الخصوصية.

فيما بعد، أرسلنا خبراً إلى فريق المنظمة في بلدة بيبور لكي يتعرفوا على مكاننا، فجلبوا بعض الأدوية بواسطة القارب إلى أقرب نقطة يمكنه أن يصل إليها. وكانت الأدوية التي أرسلوها تخص الرعاية السابقة للولادة، والإسهال، والأطفال المصابين بسوء التغذية، والمضادات الحيوية، والضمادات، والملاريا، وحتى بطاقات التسجيل مع سجِلّ لتوثيق النشاط الذي نقوم به.

أنشطة التوعية

عثرتُ على مرشدين صحيين (2) تابعين لفريق منظمة أطباء بلا حدود في ليكونقولي. فطلبت منهم إخبار الناس إذا ما كان هناك طفل يعاني من أي شيء: الإسهال أو التهاب العين أو الأمراض التنفسية أو الحمى أو أي نوع من الإصابات الأخرى، فعليهم أن يجلبوه إلينا.

وقد جاءنا بالفعل كثيرون. فأحياناً، كنت أستقبل 50 مريضاً في يوم واحد. وكانت الملاريا منتشرة جداً بين الناس، إلى جانب الالتهاب الرئوي، وسوء التغذية لدى الأطفال (فقد استقبلنا 16 طفلاً)، وحالات الإسهال بسبب انعدام المياه النقية. كما كان هناك مريض واحد يعاني من السل تابعنا حالته. وقد واصلت نشاطي إلى أن نفدت إمدادات الأدوية.

نفد مخزون الأدوية

أوائل شهر سبتمبر/أيلول، كنا قد أنهينا كل مخزون الأدوية لدينا، فرجعت إلى بلدة بيبور لجلب المزيد من الإمدادات. وكانت الرحلة مشياً على الأقدام، ولكن بسب الفيضانات التي وقعت هذا العام كان الماء منتشراً في كل مكان. وحتى في الأنهر الصغيرة، كنت أضطر إلى السباحة لكي أعبرها. وفي النهاية، وجدت نفسي أمشي وأسبح ليومين كاملين قبل أن أصل إلى بيبور.

وكان فريق منظمة أطباء بلا حدود في بيبور قد حصل على مركب يمكنني استعماله للعودة إلى الغابات. وهكذا، في المرة التالية التي نفد فيها المخزون، عدت إلى بيبور ماشياً مع ثلاثة أفراد من فريقي الطبي ثم عدنا مجدداً بواسطة المركب محمّلين بالأدوية إلى العيادة تحت الشجرة.

الأنشطة المنقذة للحياة

لعبت هذه العيادة دوراً منقذاً للحياة. فقد كانوا يعانون من مشاكل حقيقية وسط الغابات: قلة الطعام وكثرة البعوض والجميع يشرب مياهاً ملوثة...

وما زلت أذكر رجلاً جاء إلى العيادة في الليل وهو يعاني من ملاريا حادة. كان يصرخ وسط الظلام ويتلوى ألماً. لذلك، حاولنا تهدئته وقمت باختبار سريع لكشف الملاريا، أثبت أنه مصاب بها بالفعل. فقمت بحقنه فوراً بعقار أرتيميثر. كان الوقت حينها قد تجاوز منتصف الليل بقليل.

وكان لدينا ما يشبه قسم العيادات الداخلية. المشكلة أنه لم يكن لدي مكان أصلاً لهذا القسم. لذلك، جعلت هؤلاء المرضى قريبين من العيادة حتى يتسنى لي العثور عليهم بسهولة في حال أردت متابعة حالتهم أو تقديم الأدوية إليهم. كما وضعت الأطفال المصابين بالملاريا الحادة بجوار العيادة مباشرة حيث بقوا هناك لعدة أيام إلى أن تحسنت حالتهم. كما كان من المهم بالنسبة لي البحث عن أمهات الأطفال المرضى للتأكد من أنهن قد استوعبن طريقة تقديم الأدوية إلى أطفالهن. كما كنت أتابع حالات المرضى وأعطي في بعض الأحيان أدوية جديدة لهؤلاء.

وكانت هناك حالة واحدة لمريض مصاب بصدمة، وصل إلينا في الفترة نفسها التي نفد فيها مخزون شاش التضميد. فلم يكن أمامي من خيار سوى الضغط على موضع الجرح في محاولة لوقف النزيف. ولم يكن لدينا سائل الحقن الوريدي، وبالتالي كان من الصعب علينا معالجة هذا المريض. ولكن، في النهاية تمكنت من وقف النزيف، وبعد مرور أيام قليلة تعافى المريض.

ماذا لو...؟

أنا ممتن لأن أحداً من المرضى الذين عالجتهم لم يتوف بين يدي. أجل، كان هناك رجل توفي بسبب طلق ناري، ولكنه وصل إلينا في حالة سيئة للغاية ولم يكن باستطاعتي فعل شيء.

ولكن الحادث وقع في مكان بعيد، لذلك فمن الصعب معرفة عدد الأشخاص الذين توفوا بسبب إصابتهم بالمرض وعدم قدرتهم على المجيء بحثاً عن العلاج.

إنني أفكر في الأشخاص الذين هربوا إلى أماكن بعيدة جداً عن عيادتي. لقد شاهدنا العديد من حالات الملاريا، فماذا حدث لكل من لم يستطيعوا الحصول على العلاج الطبي؟ لا شك أن الوضع كان سيئاً للغاية بالنسبة لهم.

لم تكن عيادتنا مثالية، ولكنها كانت أفضل من لا شيء. والمهم من ذلك كله هو أننا استطعنا أن نؤدي عملاً منقذاً للحياة.

إدعم منظمة أطباء بلا حدود

تبرّع

العودة إلى الأعلى

تواصل معنا

  • شاهدنا على يوتيوب

حمولة