"جرحت كرامتهم في الصميم"

مايو 21, 2013

تبرّع
"جرحت كرامتهم في الصميم"

وصلت أنجيلز مايرال، الأخصائية النفسية من منظمة أطباء بلا حدود، إلى اليمن في شهر مارس/آذار الماضي. بعد بضعة أسابيع، بدأت السلطات اليمنية تحرير المهاجرين الذين احتجزوا في مزارع للمهربين، وتعرض بعضهم للتعذيب. في الوقت ذاته، زاد عدد المبعدين الأجانب من المملكة العربية السعودية إلى اليمن، كما ارتفع عدد المهاجرين الذين أرادوا العودة إلى بلادهم طوعاً. تساعد ميرال هؤلاء الناس. 

ما هي المشاكل التي واجهتها عند وصولك إلى اليمن؟

حين وصلت إلى اليمن، بدأت العمل مع زملائي على مساعدة المهاجرين في بلدة حرض، شمال البلاد، بالقرب من الحدود مع السعودية. هناك، تدير المنظمة الدولية للهجرة مخيماً لإيواء بعض المهاجرين من البلدان الأخرى الذين يريدون العودة إلى بلادهم الأصلية، مهاجرين مستضعفين من النساء والأطفال وكبار السن والمرضى بحاجة إلى حماية خاصة. إضافة إلى ذلك، هنالك المئات من المهاجرين الذين يتجمعون في البلدة للقيام بمحاولة أخرى لدخول المملكة العربية السعودية أو العودة إلى بلادهم. 

تدير المنظمة عيادتين خارج المخيم حيث ننظم جلسات فردية وجماعية لتوفير الدعم الصحي النفسي للمحتاجين. وشمل عملي خلال الأسابيع الأولى دعم عملنا السريري في المنطقة وبناء قدرة المنظمات الأخرى العاملة مع المهاجرين في مجال الرعاية النفسية. 

ماذا حدث في أبريل/نيسان؟

بحلول أوائل أبريل/نيسان، بدأت السلطات اليمنية تحرير المهاجرين الذين احتجزهم المهربون في مزارع غير شرعية. وفي خلال بضعة أيام، تمت إحالة مجموعة من 200 شخص إلى مركز للاحتجاز في ضواحي حرض. ومن هناك، نقلوا في مجموعات إلى مركز احتجاز آخر في العاصمة صنعاء. ولأن عددهم كبير جداً في صنعاء، أبقيت مجموعة من نحو 480 شخصاً في السجن في عمران لبضعة أيام. 

في هذه الأثناء، قامت السعودية بترحيل مجموعات من المهاجرين غير الشرعيين إلى اليمن، انتهى بهم المطاف أيضاً في مراكز الاحتجاز هذه، أو ذهبوا بإرادتهم إلى هناك من أجل ترحيلهم. لا تتجاوز الطاقة الاستيعابية لمركز الاحتجاز في صنعاء 200 شخص، لكنه يضم أحياناً عدداً يصل إلى 1,200. 

ما هو الوضع هناك الآن؟

بدأت عمليات إعادة الترحيل من صنعاء إلى إثيوبيا، حيث يأتي معظم المهاجرين. ونقل جميع المهاجرين المحتجزين في سجن عمران إلى صنعاء؛ وما زال عدد المحتجزين في المركز هناك يفوق طاقته الأساسية. 

ومن المتوقع أن تستمر عمليات الترحيل على مدى الأيام القادمة، ولا نعلم هل يحرر مزيد من المهاجرين من مزارع المهربين أم أنها مناسبة واحدة لن تتكرر. 

ما هو الوضع الذي يعاني منه هؤلاء المهاجرون؟

يقع اليمن على طرق الهجرة الرئيسية. وكثير من الناس يغادرون منطقة القرن الأفريقي بحثاً عن حياة أفضل في بلدان الخليج العربي. وعلى الطريق، يسقط كثير من المهاجرين فريسة للمهربين. والمهاجرون الذين حررتهم السلطات اليمنية أبلغونا بأنه كانوا ضحايا للتعذيب وسوء المعاملة. كما يلجأ المهربون إلى أساليب الابتزاز للحصول على المال من عائلات المهاجرين. وكثير منهم اختبروا تجارب مرعبة حيث تعرضوا للعنف أو كانوا شهوداً عليه، بما في ذلك قتل مهاجرين آخرين. واعتاد المهاجرون الذين نراهم في حرض رواية قصص هذه التجارب. 

من الواضح أننا لم نشهد سوى جزء يسير من المشكلة. ويبدو أن هناك عشرات من هؤلاء المهاجرين يعبرون حدود اليمن كل سنة ولا نعرف بالضبط عدد الذين يصلون منهم إلى السعودية أو يقعون فريسة للمهربين. 

ما هي الاحتياجات الصحية النفسية لهؤلاء المهاجرين؟

حتى إذا عانى الذين نفحصهم جميعاً من أوضاع متشابهة فإن تأثير سوء المعاملة قد يتفاوت من شخص لآخر كما يتفاوت شفاؤهم اعتماداً على السمات الفردية، ومدة التجربة الصادمة، والشخصية، والقدرة على المرونة. 

نشاهد أعراض اضطراب الإجهاد اللاحق للصدمة تتبدى في الذكريات المؤلمة والأفكار المسيطرة والأرق والانعزال والحزن العميق. كما نرى أعراضاً جسدية نفسية المنشأ مثل الصداع وتسرع القلب وصعوبة التنفس. ويجد الكثيرون صعوبة في التركيز أو متابعة الحديث. 

كما نشاهد حالات تتجاوز إطار هذه الأعراض، حيث يعبر كثير من هؤلاء المهاجرين عن أفكار مثل "ليس لي حقوق" أو "لا أعيش مثل البشر". لقد جرحت كرامتهم في الصميم. ولا يشعر العديد منهم بالأمان ولا تجد احتياجاتهم الأساسية من يلبيها. كما يلازمهم إحساس بعدم اليقين؛ ولا يعلمون هل يستطيعون العودة إلى إثيوبيا، أو شكل حياتهم بعد العودة، أو كيف سيتمكنون من الانتقال إلى مسقط رأسهم من العاصمة. 

تعتبر الحياة صعبة على نحو خاص للضحايا الناجين من العنف الجنسي. ويجب على النساء اللواتي عانين من صدمة الإذلال والمهانة، أو الاغتصاب القبول بالحمل غير المرغوب به والخزي ووصمة العار، وربما النبذ من الأسرة حين يرجعن إلى البيت. 

رأينا أيضاً مرضى يعانون من اضطرابات الذهان أو الاكتئاب الحاد، وكان علينا إحالتهم إلى مستشفى الأمراض النفسية في صنعاء. 

كيف تساعد منظمة أطباء بلا حدود هؤلاء الأشخاص؟

نركز تدخلنا على الأنشطة الجماعية. تقليدياً، تعد الجماعة، والمجتمع المحلي برمته، عاملاً مرناً مهماً. أما الهدف فهو إعادة غرس شعور بالتحكم والسيطرة، بقدر الإمكان، على البيئة المحيطة، وعلى الجسد والعواطف أيضاً. نحاول إعادة بناء هذا الشعور بالكرامة، والقدرة على إقامة علاقات يمكن الاعتماد عليها. وما إن يشعر المهاجرون بما يكفي من الثقة، يمكنهم البدء بالتحدث عن عواقب التجارب التي تحملوا معاناتها، والتعبير عن الحزن على ما فقدوه من وقت، أو مال، أو صحة، أو أصدقاء، أو أمل بالمستقبل، الخ. 

من مكونات الأنشطة الجماعية جلسات التثقيف النفسي التي يمكننا خلالها الحديث عن الأعراض التي ربما عانوا منها في أعقاب تجاربهم المؤلمة وإعلامهم بأن من المرجح أن تخف حدة هذه الأعراض بمرور الزمن. هنالك أيضاً مناقشات جماعية حيث يستطيع المشاركون التعبير عن اهتماماتهم وهمومهم وتقاسمها مع الآخرين. 

بعد هذه الجلسات، ننظم أخرى مع مجموعات أقل عدداً حيث نستطيع تقديم الاستشارة النفسية والتعامل مع الأعراض بشكل متعمق. كما ندعو المشاركين إلى جلسات فردية حيث نستطيع التركيز بشكل أكبر على الظروف الشخصية. 

ونظراً لأن موعد ترحيلهم غير محدد، فإن هذه التدخلات تكون قصيرة جداً؛ ولا يضم كثير منها سوى جلسة واحدة أو اثنتين. ومع ذلك، نحاول تخفيف أكثر أشكال المعاناة حدة وحشد الموارد للتكيف، واستطعنا توكيد التأثير الإيجابي لتدخل المنظمة حين يتعلق الأمر بتمكين المهاجرين من التعبير عن معاناتهم بحرية دون خوف من إطلاق الأحكام عليهم.     

إدعم منظمة أطباء بلا حدود

تبرّع

العودة إلى الأعلى

تواصل معنا

  • شاهدنا على يوتيوب

حمولة