"هناك حل لكل هذه المشاكل. ولكن ما زال هناك الكثير لنفعله، وبسرعة"

يونيو 20, 2012

تبرّع
"هناك حل لكل هذه المشاكل. ولكن ما زال هناك الكثير لنفعله، وبسرعة"

مقابلة مع الممرضة كيارا بورزيو يوم الجمعة 15 يونيو/حزيران 2012.

تعمل الممرضة كيارا بورزيو في مستشفى منظمة أطباء بلا حدود الميداني في مخيم جمام للاجئين، الواقع في مقاطعة مبان في ولاية أعالي النيل في جنوب السودان.

عُدت للتو من موقع اللاجئين المؤقت الذي يسمى "km18"، حيث قضيت ثلاث ساعات كنت أقوم فيها بفرز الحالات وتوفير الاستشارات الأساسية وأعالج الأشخاص الأكثر مرضاً. قمنا أيضاً بإحالة أسوأ حالات التجفاف إلى المستشفى الميداني الذي أعمل فيه في مخيم جمام للاجئين، ولكن ما زال هناك حالات كثيرة جداً من الأطفال المصابين بسوء التغذية الحاد في "km18"، ما دفعنا إلى إنشاء مركز للتغذية العلاجية المكثفة هناك منذ يومين.

لقد كنا نتعامل مع أسوأ الحالات هذا الصباح، ولكن أصعب ما في الأمر هو أنه بالرغم من أن الجميع هنا بحاجة لعلاج أو مساعدة ما، إلا أنه بسبب قلة الوقت والموارد فإن المساعدة تصل عدداً محدوداً من الناس. وبالتالي علينا أن نركز طاقتنا على الحالات الحرجة وعلينا أن نقوم بتلك الاختيارات. ولكن هذا صعب، خصوصاً حين تعرف كم هو يائس وضع هؤلاء الناس جميعاً.

الوضع هنا سيء للغاية. فالمياه بدأت تنقص، وحين ستنفد... ستكون هذه النهاية: حيث سيبقى 35.000 شخص دون مياه! لقد وصل الناس إلى الحد الأخير الآن. استطعنا البارحة أن نوفر 2,5 لتر لكل شخص، ونتمنى أن نرفع ذلك إلى 3 لترات اليوم، ولكن هذا لا يكفي أبداً والحوض الذي نعالج فيه المياه ونوزعها بدأ يفرغ. ودون مياه، أو حتى بكميات ضئيلة منها، سوف يلاقي الناس المتاعب. إنهم بحاجة للمساعدة.

ترى هنا أشياء كثيرة يصعب تَقبّلها. حين تقترب بالسيارة من المخيم، ترى جماعات متفرقة هنا وهنك، ولكن فجأة تجد نفسك في مواجهة جيش من الناس، معظمهم جالسون، مأواهم قطع من البلاستيك. لم أشاهد شيئاً مماثلاً من قبل. معظمهم يعانون من التجفاف، وكثيرون مصابون بالإسهال. الجميع يبدو مريضاً ومنهكاً. وكثيرون منهم وصلوا للتو بعد أن قطعوا مسافة 30 كيلومتراً أو أكثر على الأقدام... تمنحهم كوب مياه، وتشاهدهم يشربونها بسرعة والفرحة بادية عليهم لأنهم عثروا على مياه... إنها مواقف يصعب على المرء مشاهدتها.

معظم المرضى الذين نحيلهم إلى المستشفى الميداني في جمام يعانون من التجفاف الحاد أو سوء التغذية الحاد أو الإسهال الحاد والحمى. كما كانت لدينا حالة واحدة لالتهاب السحايا. من بين المرضى الذين جئنا بهم هذا الصباح طفلة في شهرها الثامن كانت هزيلة جداً وتعاني من سوء التغذية حتى إنك لتخالها بنت الثلاثة أشهر لا غير. لقد أدخلناها المستشفى ونعالجها الآن من خلال أغذية علاجية خاصة، ونتمنى أن تستعيد وزنها العادي.

وصلتنا البارحة امرأة كانت تعاني من تجفاف شديد وإسهال حاد. في العادة، إذا كان في استطاعة المرضى أن يشربوا، نُقدم لهم ما بين لترين وثلاثة لترات من محلول إعادة الإماهة يشربونه ببطء طوال النهار. فلا يجب إعادة إماهة المريض بسرعة وإلا تسببت له في تعقيدات طبية. غير أن هذه المرأة كانت في حالة سيئة جداً، ما اضطرنا لإعادة إماهتها باستخدام الحقن عن طريق الوريد. اليوم، بدأت صحتها تتحسن وبدأت تتعافى ببطء.

ولكن، هذا بالضبط ما يزيد من إحباطنا. فكل هؤلاء الناس مشاكلهم يمكن علاجها بسهولة. أنا أعمل أساساً مع الصغار المصابين بسوء التغذية هنا في جمام، وهم مثل جميع الأطفال في أي مكان آخر. حين تسوء تغذيتهم، تعتري مُحيّاهم تلك النظرة الحزينة وتغادر البسمة وجوههم، ولكن بمجرد أن يستعيدوا بعضاً من وزنهم، فإنك ترى فوراً علامات التحول عليهم، فتراهم يضحكون ويلعبون، ويصبح اللهو جزءاً من حياتهم مرة أخرى كأي طفل عادي.

جميع هؤلاء الناس في المخيم أناس عاديون كانت لديهم حياة عادية. ليسوا أغنياء، ولكن كان لديهم المسكن والملبس، وذات يوم وجدوا أنفسهم مضطرين لحزم أغراضهم وترك حياتهم التي ألفوها وراءهم والمشي على أقدامهم نحو المجهول، ربما لأسابيع. وإذا كانوا محظوظين بما فيه الكفاية، ولديهم ما يكفي من القوة والجَلد، فإنهم سيصلون إلى واحد من هذه المخيمات. أما الضعفاء وقليلي الحظ، فمصيرهم الموت على الطريق.

الناس هنا بحاجة للمياه، بحاجة للطعام، بحاجة للمأوى. معظمهم لا يملك سوى قطعة من أغطية البلاستيك يحتمي تحتها. الليل يكون بارداً، وإذا كنت تنام في العراء دون بطانية، فإنك غالباً ستتعرض للالتهاب الرئوي.

من الصعب على الإنسان أن يرى الآخرين وهم يعانون، ولكن على الأقل نستطيع أن نفعل شيئاً لمساعدتهم. هناك حل لكل هذه المشاكل. ولكن ما زال هناك الكثير لنفعله، وبسرعة.

تُقدم منظمة أطباء بلا حدود المساعدات إلى اللاجئين في ولاية أعالي النيل منذ نوفمبر/تشرين الثاني 2011. وتدير فرقنا الطبية مستشفيين ميدانيين في مخيمي جمام ودورو، حيث تُقدم أكثر من 3000 استشارة طبية في الأسبوع. كما أنشأت المنظمة عيادة ثابتة في مخيم اللاجئين يوسف باتيل الجديد. وتدير منظمة أطباء بلا حدود عيادات متنقلة يومية إلى جانب مركز للتغذية العلاجية المكثفة في موقع مؤقت للاجئين يُدعى "km18". كما أطلقت منظمة أطباء بلا حدود حملة للتلقيح ضد الحصبة وأخرى لتوزيع الأغراض غير الغذائية على اللاجئين في مخيم "km18". بالإضافة إلى ذلك، تشارك المنظمة في أنشطة مكثفة لتوزيع المياه على مختلف مواقع اللاجئين المؤقتة في ولاية أعالي النيل.

إدعم منظمة أطباء بلا حدود

تبرّع

العودة إلى الأعلى

تواصل معنا

  • شاهدنا على يوتيوب

حمولة