دوام ليلي في أحد مخيمات اللاجئين في جنوب السودان

أكتوبر 15, 2012

تبرّع
دوام ليلي في أحد مخيمات اللاجئين في جنوب السودان © MSF 2012

نزح أكثر من 170.000 لاجئ من ولايتي جنوب كردفان والنيل الأزرق السودانيتين وبدؤوا يتجمعون في خمسة مخيمات توجد في مناطق نائية يصعب الوصول إليها في جنوب السودان. وقد وصل عدد كبير من هؤلاء إلى تلك المخيمات في حالة صحية متردية بسبب سيرهم قدماً لمدة أسابيع، كما أن الوضع الصحي في المخيمات قد انتقل من سيء إلى كارثي خلال الأشهر الماضية.

حين تم قياس نسبة الوفيات في مخيم باتيل، شهر يوليو/تموز الماضي، كانت النسبة تفوق ضعف عتبة الطوارئ، بينما كان ما يصل إلى نصف عدد الأطفال دون سن الثانية من العمر يعانون من سوء التغذية، ما دفع منظمة أطباء بلا حدود شهر أغسطس/آب إلى الإعلان بأن الوضع الصحي قد أصبح كارثياً.

ومنذ وصول أوائل اللاجئين شهر نوفمبر/تشرين الثاني من العام الماضي، بقيت منظمة أطباء بلا حدود المزود الأساسي لخدمات الرعاية الصحية في هذه المخيمات. ومع تدهور الأوضاع، تدخل فريق المنظمة من خلال حملة استجابة طارئة سريعة، ركز من خلالها على الأنشطة الطارئة الملحة المنقذة للحياة. وقد ساعد هذا التدخل كثيراً في تقليص عدد الوفيات في مخيم باتيل. ومع ذلك، ما زال الوضع عبارة عن حالة طارئة، حيث أن اللاجئين يعتمدون كلياً على المساعدات الإنسانية، ما يجعل عملنا لإنقاذ حياة هؤلاء اللاجئين يستمر على مدار الساعة.

 02_msf122846

فيما يلي، يعطينا الدكتور روبرتو سكايني لمحة عن العمل خلال الدوام الليلي في مستشفى منظمة أطباء بلا حدود الميداني في مخيم باتيل للاجئين:

***

03_msf122796

يُعتبر العمل الليلي مهماً للغاية في هذا المستشفى الميداني.

نبدأ بجولة في الأقسام حتى يتسنى للأطباء الذين داوموا خلال النهار أن يخبروني عن حالة مرضاهم. في الليلة الماضية، بدأنا برجل في قسم الرعاية الداخلية كان قد جاء لتوه بسبب الاشتباه في تعرضه لالتهاب السحايا. قمنا ببزل قطني لكي نأخذ عينة من السائل الشوكي، وكانت النتيجة سائل غير شفاف، ما يعني ضرورة إجراء المزيد من التحاليل المخبرية. كما أن حالة المريض كان حرجة للغاية.

 05_msf122822

رعاية لا تتوقف

بعد ذلك، كان عليّ تفحص قسم الرعاية المكثفة الخاصة بالمصابين بسوء التغذية الحاد. في الليلة الماضية، كانت حالة جميع المرضى مستقرة ما عدا طفلة واحدة كانت تعاني من تجفاف حاد وإسهال متواصل. وكان علينا أن نعطيها سائلاً خاصاً لتعويض ما تخسره من سوائل بسبب الإسهال والقيء. كما علينا أن نقيس وزنها على رأس كل ساعة، حيث أننا نعطيها الكثير من هذا السائل، ولكن في الوقت نفسه لا نرغب في الإفراط في إماهتها لما قد يترتب عنه من تبعات خطيرة جداً. فحالة هؤلاء الأطفال ضعيفة للغاية بحيث نحتاج إلى تزويدهم بهذا السائل ببطء شديد من خلال حقنة. وعلينا القيام بذلك برعاية فائقة وطوال الليل: إعطاء المريض السائل، وتفقد وزنه، والانتظار، وإعطاؤه السائل، وتفقد الوزن مرة أخرى، وهكذا...

 06_msf122834

عليك أن تحافظ على تركيزك

بالنسبة للمرضى من ذوي الحالات غير المستقرة، فإنهم يعانون أكثر أثناء الليل، ما يزيد من تعقيد الأمور، إذ عليك أن تحافظ على تركيزك التام خلال التعامل مع الحالات الأكثر خطورة. وإذا ما أهملت مريضاً ضعيفاً لفترة طويلة، فإن حالته قد تتدهور ويموت.

بطريقة ما، تصبح أكثر ارتباطاً بمرضاك والطاقم الطبي خلال دوام الليل. وبالنسبة لي، أشعر بأن الليل له طابعه الخاص والفريد؛ فكل شيء هادئ وساكن بعد زحمة النهار وضجيجه، ولا يبقى سوى صوت المولد الكهربائي وتساقط الأمطار، واستراحة خفيفة لدقيقة أو اثنتين ترتشف خلالها فنجان قهوة رفقة زملائك السودانيين والجنوب السودانيين. وفيما بين الحالات الطارئة، يتسنى لك أن تتوقف عن كل شيء وتفكر في ما حولك.

 07_msf122825

الحالات الطارئة المفاجئة

لكن هناك دائماً مرضى في حالة حرجة بحيث تنتقل حالتهم فجأة من الاستقرار إلى المرض الشديد خلال ثوان قليلة فقط. فقبل أيام، كانت لدينا طفلة نعالجها من ملاريا الدماغ الحادة، بدأت تعاني من تشنجات. وقد تطلب الأمر ساعتين من النشاط المكثف. وحين تتملك نوبة طفلاً ما، تظهر معها تعقيدات على مستوى الجهاز التنفسي، وبالتالي عليك أن توقف النوبة فوراً وإلا تسبب نقص الأوكسجين في ضرر على مستوى الدماغ. لذلك، اتبعنا قواعد الطوارئ الاعتيادية الخاصة بالنوبات، ولكنها توقفت عن التنفس. فاضطررنا إلى إخضاعها للتنفس الاصطناعي بواسطة أداة مساعدة، ولكن الأمر كان صعباً بسبب تعرضها لنوبة حادة جداً جعلتها ترتجف وتتلوى في السرير.

 08_msf122815

قرارات صعبة

لقد كان قراراً صعباً لأن العقار الذي يوقف النوبات له أثر جانبي يتسبب في تخفيض معدل التنفس لدى المريض. وكان علينا أن نوقف النوبة، فأعطيناها الدواء بالرغم من كونه يؤثر سلباً على تنفسها. وبعد مرور نحو 25 دقيقة، استطعنا إيقاف النوبة، ولكن بعد أن مر وقت طويل جداً بالنسبة لهذه الحالات، وبالتالي كان خطر حدوث الضرر على دماغها كبيراً. وأثناء كل ذلك، كنا نُهوّيها يدوياً... فوقف التهوية لدقيقتين أو ثلاث قد يتسبب في وفاة المريض.

 10_msf122829

أحياناً يحالفنا الحظ

في لحظة ما، بدأت الأفكار تساورني، فهذه طفلة تبلغ من العمر ثماني سنوات، تماماً مثل طفلتي. وأعتقد أن هذا ما جعلني أواصل المحاولة، حيث استمررت في التهوية لمدة 40 أو 45 دقيقة، وهو أمر مرهق للغاية. وفجأة، بدأ صدرها يتحرك، فتوقفتُ حين بدأت الطفلة تتنفس بصعوبة. لذلك، واصلت مساعدتها على التنفس لبعض الوقت وما فتئَت تتنفس لوحدها. بعد ذلك، قضت الطفلة الليلة غائبة عن الوعي، ولكن حالتها كانت مستقرة.

في الليلة التالية، حين عُدت في السادسة مساء، كانت جالسة تشرب. توقفَت وابتسمت لي. لا شك أنها تعرفت عليّ من الليلة الماضية. قمت حينها ببعض الفحوصات، وبالفعل نجت الطفلة ويبدو أنها تفادت بأعجوبة حدوث ضرر في دماغها. لا أظنني من المؤمنين بالمعجزات، ولكن أحياناً يكون الحظ حليفنا.

11_msf122828

15_msf122906

16_msf122902

12_msf122806

إدعم منظمة أطباء بلا حدود

تبرّع

العودة إلى الأعلى

تواصل معنا

  • شاهدنا على يوتيوب

حمولة