الأمل رغم كل الصعاب: رعاية الأمومة في المناطق الريفية في شمال دارفور

أبريل 17, 2013

تبرّع
الأمل رغم كل الصعاب: رعاية الأمومة في المناطق الريفية في شمال دارفور © Asia Kambal

كانت سميرة٭ ذات الخمسة عشر ربيعاً من العمر في حالة مخاض استمر ليومين عندما قررت أسرتها مغادرة الأودية و"التروس" الزراعية في جوراجيم سعياً وراء مساعدة من طبيب. وبعد رحلة استغرقت يوماً كاملاً، وصلت سميرة مع مرافقيها إلى بلدة أم بارو الواقعة في منطقة دار زغاوة حيث تدير منظمة أطباء بلا حدود عيادة صحية. وهنا في العيادة، وجدت القابلة حلوم عبدالله أنّ رأس الجنين كان ضاغطاً على مثانة الأم، ولم يكن ذلك مجرّد حدث قد يعرض سميرة لخطر الإصابة بالناسور ولكن منظمة الصحة العالمية أبانت أن معظم وفيات الأمهات تحدث أثناء أو بعد الولادة مباشرة؛ إنها أصعب الأوقات بالنسبة للأم وطفلها. ولحسن الحظ، وبعد ثلاث ساعات من وصولها إلى المركز الصحي التابع للمنظمة، أنجبت سميرة مولوداً يتمتع بصحة جيدة.

ومثل سميرة، هنالك عدد لا يحصى من النساء الحوامل اللواتي لا يطلبن الرعاية الصحية إلا عندما تصل أحوالهن إلى الوضع الحرج، وغالباً بعد فوات الأوان. ولكن الحظ كان حليفاً لسميرة ومولودها. إن معدل وفيات الأمهات في شمال دارفور، حسب المسح الصحي الأسري السوداني الأخير لعام 2010 ، كان 640 حالة وفاة لكل 100,000 من المواليد الأحياء، مقارنة بـ 389 حالة لكل 100,000 من المواليد الأحياء في الخرطوم. ووفقاً لمصادر منظمة الصحة العالمية (عام 2010)، فإن متوسط وفيات الأمهات أثناء الولادة هو 20 حالة لكل 100,000 طفل من المواليد في أوروبا.

إن حياة المواليد أيضاً في خطر في السودان: يبلغ معدّل وفيات المواليد 33 لكل 1,000 من الذين يولدون أحياء مقارنة بمتوسط سبع وفيات لكل 1,000 من الذين يولدون أحياء في الكثير من الدول الأوروبية (منظمة الصحة العالمية، عام 2010).

تقول حلوم: "النساء في المنطقة غالباً ما يضعن مواليدهن في المنزل بمساعدة القابلات التقليديات اللواتي يفتقرن التدريب الأساسي أو المهارات المطلوبة للعناية بالنساء في حالات الولادة المعقدة. في مثل حالة سميرة التي تخوض تجربة الولادة لأول مرة، فإن احتمال موت الطفل أو الأم يكون كبيراً أو ما هو أسوأ: موت كليهما".

وتحدث التعقيدات المصاحبة للولادة بصورة أكبر في حالة المراهقات وذلك لأن جسم الأم لم يكن قد اكتمل نموه بعد، كما أن الحوض لا يكون قد وصل إلى كامل حجمه، وربما تكون النتيجة هي عسر الولادة مما يعرض حياة الأم والطفل للخطر. وبما أنّ الأمهات صغيرات السن، تكون أجسامهن ما زالت في حالة من النمو، لذا فإن الاحتياجات الإضافية اللازمة للرحم المتنامي تعرضهن لخطر الإصابة بفقر الدم والنزيف الذي يحدث بعد الولادة، وربما يولد الأطفال خدّجاً وبأوزان ناقصة. إن مساعدة الأم عبر القابلة أو الطبيب أو طبيب التوليد أثناء الولادة، وعلى الأقل في الساعات الأولى بعد الولادة، تعتبر أمراً ضرورياً للأم صغيرة السن ولمولودها كذلكً.

وفى الواقع، لا يوجد العدد الكافي من المرافق الصحية أو القابلات لتقديم الرعاية الصحية إلى النساء في منطقة دار زغاوة على الرغم من أن عدد السكان يفوق 20,000 نسمة؛ وعدا القابلة الوحيدة والطبيبين التابعين لمنظمة أطباء بلا حدود، فإن ثلاث قابلات منتسبات إلى وزارة الصحة هن الوحيدات من ذوات المهارة والقدرة على التعامل مع التعقيدات المتعلقة بالمخاض والولادة. حلوم هي القابلة الوحيدة في منطقة أم بارو التي تبعد 300 كيلومتراً من عاصمة ولاية شمال دارفور الفاشر، ويعتبر مرفق أم بارو الصحي الأكثر قرباً للكثير من النساء. لقد سارت سميرة، مستغلة عربة يجرها حمار، يوماً كاملاً لتصل إلى هنا. أما بواسطة السيارة، فلن تعدو الرحلة أن تستغرق ساعتين ولكن قلة من الناس يستطيعون استئجار سيارة حتى ولو كانت الأم في حالة الولادة .

يقول فيرناندو مدينا، مدير بعثة المنظمة في السودان: "لقد ساعدنا في توليد أكثر من 900 طفل في شمال دارفور في عام 2012، وعلى كل حال، فإن تثقيف النساء بشأن الولادة الآمنة في المستشفى يعتبر هو الآخر جزءاً مهماً من المعادلة. وفي العام نفسه، كان لدينا أكثر من 50 شخصاً من العاملين في مجال صحة المجتمع في المرافق الصحية المدعومة من قبل المنظمة في دار زغاوة وشنقلي طوبايا وطويلة وكانوا يقومون بإجراء الزيارات للمواطنين لمناقشة فوائد الرعاية السابقة واللاحقة للولادة، والولادة الآمنة في المستشفى وتنظيم الأسرة والرضاعة الطبيعية والتحصين. ولقد شهدنا زيادة عدد النساء اللواتي يطلبن الرعاية اللاحقة للولادة بخمسة أضعاف، وقد قمنا بإجراء مقابلات استشارية لأكثر من 12.500 امرأة أثناء فترة الحمل. كما أننا ما زلنا نطمح في الوصول إلى عدد أكبر من النساء".

عندما تأتي النساء إلى العيادات، فإن ذلك يمكّن العاملين في المحال الصحي، مثل أطباء المنظمة في المنطقة من متابعة الوضع الصحي للأم والجنين ومناقشة الخيارات المتاحة للولادة وإعداد الأم لذلك. إن الرعاية الصحية السابقة للولادة مهمة وذلك من أجل معرفة المخاطر المبكرة واكتشاف التعقيدات التي يمكن أن تؤثر على صحة الأم وجنينها.

إن الساعات القليلة التي تعقب الولادة تعتبر حاسمة لحياة الأم والطفل، وذلك حتى في حالة الولادة الآمنة. وإذا لم تتوفر الرعاية المطلوبة، فإن تقارير منظمة الصحة العالمية تقول أن ربع حديثي الولادة يموتون خلال 24 ساعة من ولادتهم. إن عسر الولادة المفضي إلى ما يُعرف بالضائقة الجنينية ونقصان الوزن الحاد لدى المواليد وصدمة الولادة والضائقة التنفسية يمكن جميعها أن تؤدي إلى وفيات المواليد. كما يعتبر النزيف الذي يحدث بعد الولادة والإصابة بالعدوى من الأسباب الرئيسية لوفيات الأمهات. ومع ذلك، فإن في الأماكن ذات الموارد الشحيحة مثل أم بارو، من السهل نسبياً منع حدوث مثل هذه الوفيات ولكن يحتاج الأمر إلى توفير الأدوية ووجود قدر من المهارات المحددة. إن الاستشارات الطبية اللاحقة للولادة تجعل من اليسير على العاملين في المجال الصحي متابعة الوضع الصحي للأم والطفل لمدة ستة أسابيع بعد الولادة والمساعدة في الأمور التي تتعلق بالرضاعة الطبيعية واكتشاف وعلاج حالات العدوى وتلبية احتياجات التحصين للطفل مع عرض خيار تنظيم الأسرة للأم. أما إذا كانت حالة الأم في غاية التعقيد، تتم إحالتها حينئذ إلى مستشفى الفاشر مع تغطية منظمة أطباء بلا حدود لجميع نفقات النقل والنفقات الطبية لها ولمرافقيها.

وتعتبر دور الانتظار للحوامل من المرافق الأخرى التي تعنى بأهمية خاصة في تلك المناطق، حيث يمكن للنساء القادمات من أماكن بعيدة، واللواتي ينطوي حملهن على خطر ما، أن يقمن فيها بالقرب من المرفق الصحي لبضعة أسابيع قبل الموعد المفترض للولادة وذلك لضمان الوصول إلى المستشفى عند حلول موعد الطلق. وفي محلية طويلة في شمال دارفور، قامت منظمة أطباء بلا حدود، التي تدير العديد من مثل هذه المرافق حول العالم، بافتتاح إحدى دور الانتظار للحوامل تبلغ سعتها 20 سريراً.

كما تقوم المنظمة بالتعاون مع وزارة الصحة السودانية بتقديم عدداً من الخدمات المجانية في مجال صحة الأمومة في دار زغاوة وطويلة في شمال دارفور، تشمل الرعاية السابقة واللاحقة للولادة وخدمات التوليد وتنظيم الأسرة وخدمات العلاج والاستشارة للعداوى المنقولة جنسياً.

 

 

أطباء بلا حدود منظمة طبية إنسانية مستقلة ومحايدة، تقدم المساعدات إلى السكان المتضررين وفقاً للاحتياجات الطبية فقط، بغض النظر عن القبيلة أو العرق أو الدين أو الانتماء السياسي. ومنذ عام 1979، ظل موظفو المنظمة السودانيون والدوليون يعملون على تقديم المساعدات الطبية إلى السكان السودانيين الذين يعانون من الحرمان من خدمات الرعاية الطبية ومن الكوارث الطبيعية وسوء التغذية والأوبئة والنزاعات المسلحة. وتشمل الخدمات التي تقدمها المنظمة الرعاية الصحية الإنجابية وعلاج الكالازار والاستشارات الطبية والتغذية ورعاية طب الأطفال والرعاية التوليدية الطارئة. كما تدير المنظمة أنشطتها الطبية في مرافق صحية في تبارك الله في ولاية القضارف وفي العزازة داموس في ولاية سنار وفي شنقلي طوبايا وطويلة وكاقورو ودار زغاوة في ولاية شمال دارفور.

٭ تم تغيير اسم المريضة مراعاة لخصوصيتها.

 

إدعم منظمة أطباء بلا حدود

تبرّع

العودة إلى الأعلى

تواصل معنا

  • شاهدنا على يوتيوب

حمولة