الجراحة في سوريا، الجزء الأول: بناء غرفة عمليات في كهف

نوفمبر 19, 2012

تبرّع
الجراحة في سوريا، الجزء الأول: بناء غرفة عمليات في كهف © MSF

مقابلة مع بول مكماستر، 8 نوفمبر/تشرين الثاني 2012

عاد الجراح البريطاني بول مكماستر لتوه من سوريا حيث عالج الجرحى في غرفة عمليات مقامة في كهف ثم في مزرعة. وعلى الرغم من خبرته الواسعة في العمل في مناطق الحروب، إلا أنه وجد في سوريا "نوعاً من الخطر الداهم الأشد وطأة".

"سافرتُ بالطائرة إلى تركيا، ثم انتقلت إلى الهضاب القريبة من الحدود، حيث قابلت دليلاً وأخذني عبر الغابات والتلال إلى داخل سوريا.

لمنظمة أطباء بلا حدود أربعة فرق جراحية تعمل في منطقة النزاع في شمال غرب سوريا. كان فريقنا يعمل في كهف. عبرنا مدخلاً صغيراً. في الداخل، هنالك خيمة عمليات قابلة للنفخ، وستة أسرّة طوارئ. كل شيء يحدث في هذه المساحة الضيقة، وكثيراً ما كان التحرك فيها عملية صعبة ومربكة. ومع ذلك، فإن إيجاد بيئة معقمة، مع جميع المعدات الجراحية المناسبة، مثّل إنجازاً مشهوداً في ما كان بالأساس كهفاً كلسياً مغبراً.

أقمنا في قرية صغيرة على بعد 15 دقيقة. كان معظمنا ينام على الأرض في قبو مسجد. شعر القرويون بالارتياح لوجودنا بينهم. في كل يوم، كانت إحدى نساء القرية تخبز عدداً كبيرا من الأرغفة المسطحة، فقد عشنا على الخبز والفول.

هرب كثير من سكان المنطقة إلى مخيمات اللاجئين على الطرف الآخر من الحدود مع تركيا. لكن بقيت أعداد كبيرة من كبار السن والنساء والأطفال في هذه المناطق التي تعرضت للقصف بالصواريخ والقنابل من المروحيات.

كانت المروحيات تحلق ببطء وتحوم فوق البلدات قبل أن ترمي قنابل ثقيلة تسبب انفجارات هائلة وتدمر المباني. تكررت عمليات القصف على البلدات والقرى كل يوم.

حين تنفجر القنابل في الجبال، تصدر صوتاً مدوياً يتردد هديره في التلال ويصيب الأهالي بذعر شديد. في صبيحة آخر يوم لنا في الكهف، سقطت عدة قنابل على بعد مئتي متر منا، لتزلزل أركان الكهف وتسقط الغبار من السقف. لم نكن نعرف بالضبط إذا كان من الأفضل البقاء داخل الكهف أم خارجه. الوضع مقلق للجميع، لا سيما للجرحى والأطفال.

يضم فريقنا جراحاً، وطبيب تخدير، وممرض طوارئ، وطبيبين، وممرضة سورية في أوائل الثلاثينيات من العمر كانت مصدر إلهام لنا، إذ لم تشعر بالتعب قط، وظلت على الدوام منظّمة ومبتسمة، إضافة إلى نحو 11 من الشابات القرويات اللواتي تدربن على القيام بواجبات التمريض الأساسية.

كانت الغالبية الساحقة من الجرحى من المدنيين: شيوخ، ونساء وأطفال ورضّع. أصيب كثير منهم بجروح بسبب شظايا القذائف. في بعض الأحيان، لم تكن الإصابات خطيرة جسدياً، لكنها أثرت تأثيراً مدمراً من الناحيتين العاطفية والنفسية.

في إحدى الليالي، دعينا وذهبنا لنجد امرأتين ذاهلتين مع ثلاثة أطفال يصرخون. البيت دمرته قنبلة، والأطفال أصيبوا بالشظايا في وجوههم؛ لم تكن الجروح مهددة للحياة، لكنها سببت قدراً هائلاً من الضيق والعذاب.

في ليلة أخرى، أحضرت جماعة من المقاتلين رجلاً في أواخر الثلاثينيات من العمر وهم في حالة من الانفعال الشديد. كان الرجل مصاباً في صدره، ولم تكن لدينا إمدادات كافية من الدم. ونظراً لأن حالته لم تكن مستقرة، لم أعتقد أنه سيعيش حتى الصباح. لكنه نجا وأظهر قدراً مشهوداً من العزم والتصميم.

أذكر رجلاً آخر أصابته شظايا القنابل بجروح خطيرة في رجله. اخترقت الشظايا رجله وقطعت العصب الرئيسي، لكن لم يتضرر الشريان الرئيسي. فقد اثنان أو ثلاثة من أفراد عائلته في الانفجار. أجرينا له عملية، لكنه فقد فيما بعد الدافع المحفز للتحسن، حيث خسر منزله، وعدداً من أفراد أسرته، وواجه احتمال الإصابة بعاهة مستديمة. لا شك أنّ الوضع صعباً جداً على الناس.

أجرينا خلال الأسابيع الخمسة أو الستة الأخيرة نحو 100 عملية جراحية وعالجنا عدداً أكبر من المصابين. عاينا أيضاً مرضى السكري الذين نفدت منهم الأدوية، وأطفالاً مصابين بالربو، ونساء حوامل بحاجة إلى عمليات قيصرية. لم تتح لهؤلاء رعاية صحية فعالة لأكثر من سنة. قد يتمكن البعض من عبور الجبال إلى تركيا لتلقي العلاج، لكن بالنسبة لكثيرين، يعتبر هذا خياراً مستحيلاً.

حين تواجهك مثل هذه الإصابات، تصبح العمليات الجراحية بسيطة وأساسية. حيث تجري ما يسمى بجراحة الحد من الضرر لوقف نزيف أو التعامل مع عضو من الأعضاء الداخلية المصابة. وتأتي الصعوبة عند الانتقال إلى مرحلة التعويض وإعادة البناء، مثل العلاج الفيزيائي وإعادة التأهيل وتقويم العظام الأكثر تعقيداً، وهذا عمل لم نتمكن من أدائه في الكهف.

قد يقهرك الإنهاك. حين اتضح بجلاء أننا عاجزون طبياً عن التعامل مع الجرحى والمرضى في الكهف، قررنا إغلاقه ونقل مرضانا وفريقنا إلى موقع جديد. لم يمثل الموقع الجديد مكاناً أفضل: فهو مجرد مزرعة.

كان المستشفى الجديد عبارة عن مبنى طويل مفتوح، وفي مدة لم تتجاوز أربعة أو خمسة أيام، استطاع المسؤولون عن الإمداد اللوجستي ابتكار غرفة عمليات داخل خيمة قابلة للنفخ، ومنطقة لفرز الحالات الطارئة، ووحدة تعقيم، ومنطقة لتقديم الاستشارات إلى المرضى الخارجيين، ومنطقة للمرضى الداخليين والتعافي، وكل ذلك إنجازاً مذهلاً.

لم يكن الموقع مثالياً، فلا يزال يشبه المزرعة قليلاً، لكنه وفر مساحة أرحب لعلاج المصابين. نقلنا نصف الجرحى يوم الخميس والبقية يوم الجمعة، وبحلول السبت بدأنا إجراء العمليات في المكان الجديد.

عملت مع منظمة أطباء بلا حدود في أماكن كثيرة تحت ظروف صعبة، مناطق حروب مثل سري لانكا، وكوت ديفوار، والصومال. لكن بينما كان الوضع خطراً في هذه البلدان على الأرض، أتى الخطر في سوريا من الجو دائماً. إنه نوع من الخطر الداهم الأشد وطأة، حين تحوم طائرة مروحية في السماء فوقك.

تحولت كثير من البلدات إلى مدن أشباح، حيث فجرت المباني أو دمرت. ثمة شعور بالعجز واليأس يهيمن على المكان. معظم الناس يعيشون في الأقبية، دون كهرباء على مدى الأشهر الثمانية أو التسعة الماضية. الوضع بائس وكئيب والشتاء القارص بدأ الآن. أعتقد أن الناس سيكابدون مشقات كبيرة فعلاً، وسيكون العبء أثقل على كاهل المستضعفين منهم. سيكون شتاء طويلاً وقاسياً وبارداً وخطراً على السكان المدنيين الذين يحاولون إشعال نار تدفئهم في أقبيتهم.

إدعم منظمة أطباء بلا حدود

تبرّع

العودة إلى الأعلى

تواصل معنا

  • شاهدنا على يوتيوب

حمولة