منظمة أطباء بلا حدود: برنامج جراحة الطوارئ في مستشفى الرمثا يُعالج المئات من جرحى الحرب القادمين من سوريا

ديسمبر 10, 2013

تبرّع
منظمة أطباء بلا حدود: برنامج جراحة الطوارئ في مستشفى الرمثا يُعالج المئات من جرحى الحرب القادمين من سوريا © Diala Ghassan

"خرجت لأخذ بعض الأغراض من السيارة، حين سمعت دوي القذائف والقصف، فقلت في نفسي عليّ أن أسرع إلى الداخل. ولكن، قبل أن أتمكن من ذلك، وصل القصف إلى منطقتنا. لم أتمكن من التنفس لمدة ناهزت الدقيقة، ثم بدأت أصرخ وأنادي والدي، الذي أخذني إلى المستشفى الميداني. ثم لم أعد أذكر شيئاً بعد ذلك. لقد كان الألم فظيعاً لدرجة أني كنت أضرب وجهي من شدة الألم". - قُصي، 12 عاماً، احدى مرضى منظمة أطباء بلا حدود من درعا في سوريا، فقد ساقيه.

تقع بلدة الرمثا في شمال الأردن على الحدود مع محافظة درعا في جنوب سوريا، التي تشهد إحدى أشرس المعارك في البلاد. ويُحال معظم جرحى الحرب القادمين إلى الأردن إلى مستشفى الرمثا الحكومي، الذي يبعد مسافة تقل عن خمسة كيلومترات عن أقرب نقطة حدودية مع محافظة درعا.

يضم برنامج الجراحة الطارئة، الذي أنشأته منظمة أطباء بلا حدود في مستشفى الرمثا الحكومي، غرفتين للجراحة والإنعاش، إضافة إلى جناحين يضمان 33 سريراً.

ومنذ افتتاحه في شهر سبتمبر/أيلول 2013، أجرت المنظمة 309 عملية جراحية منقذة للحياة لفائدة 140 مريضاً، منهم أشخاص كانوا بحاجة إلى عمليات جراحية لبتر أطراف متعددة ويعانون من عدة إصابات حادة على مستوى البطن والصدر والعظام. كما تقدم إليهم خدمات العلاج الفيزيائي والرعاية النفسية والرعاية العامة للمرضى الداخليين. وحتى الآن، أجرت المنظمة 221 استشارة نفسية.

"لدي أربع بنات وولدين. كانت الساعة تقارب الخامسة مساءً. كنا نرغب في الجلوس قليلاً أمام المنزل مع بعض الأصدقاء، ثم الذهاب بعدها إلى المسجد. بعد مرور خمس دقائق، قُصف موقع قريب منّا بالصواريخ، ثم سمعنا صراخاً وبكاءً، فهُرعنا إلى المكان لتقديم بعض الإسعافات الأولية، وبينما كنا هناك ضربنا صاروخ آخر. حين أفقت، وجدت نفسي في الأردن. لم أعرف ما الذي حصل بعد الهجوم، ووجدت ساقي اليسرى قد بُتِرت، بينما كُسرت يداي وساقي اليمنى. اعتقدت بأني قد متّ، لم أتخيل أنني سأكون على قيد الحياة الآن. لا أعرف حتى من جاء بي إلى هنا. جميع أفراد عائلتي ما زالوا يعيشون في سوريا، ولا أدري ماذا حلّ بهم. لم أتمكن حتى من الاتصال بهم. لقد ظنوا بأنني قد فارقت الحياة". – رجل من محافظة درعا في سوريا، 41 عاماً.

مُعظم المرضى يُنقلون في البداية إلى أحد المستشفيات الميدانية الأربعة عشر في محافظة درعا، التي تعمل داخل منطقة حربية وتنقصها العديد من الإمدادات الطبية الأساسية. وغالباً ما يأتي المرضى إلى مستشفى أطباء بلا حدود من خلال شبكة للأطباء السوريين توجد في الرمثا، تُقدم الدعم اللوجستي لنقل المرضى داخل الأردن وفي الوقت نفسه لها اتصالات مباشرة مع المستشفيات الميدانية.

وتقول الدكتورة آمبر عليان، رئيسة الفريق الطبي في الرمثا: "إنه مشروع خاص بضحايا الحرب، خصوصاً جرحى الحرب الذي يعبرون الحدود من سوريا إلى الأردن. فالمرضى يعبرون الحدود بعد تعرضهم لجروح بسبب الحرب، فيَمُرّون من نظام للفرز على الحدود لتحديد ما إذا كان سيُسمح لهم بالعبور إلى الأردن. وتستقبل المنظمة نحو 80% من الحالات القادمة إلى الرمثا عبر الحدود. وحين أطلقنا هذا المشروع، كنا نتوقع أن الجرحى سيحتاجون في المعدل إلى علمية جراحية أو عمليتين. ولكن، بما أننا نعالج حالات خطيرة، فإن العديد من المرضى يحتاجون إلى أربع أو خمس عمليات جراحية".

وغالباً ما تشمل احتياجات المرضى طويلة المدى إعادة التأهيل، مثل الأطراف الاصطناعية والعلاج الفيزيائي. وبالنسبة لهؤلاء، تحيلهم أطباء بلا حدود إلى المنظمة الدولية للمعوقين (هاندي كاب إنترناشيونال). كما يحتاج العديد من المرضى إلى خدمات الرعاية النفسية، تُلبى بعض من هذه الاحتياجات من قبل منظمات غير حكومية أخرى في الأردن.

ولا يُسجل جرحى الحرب الذين يستقبلهم مستشفى الرمثا الحكومي كلاجئين في الأردن. فبمجرد خروجهم من المستشفى، يعود بعضهم إلى سوريا حالما لا يحتاجون إلى متابعة طبية، بينما يلجأ آخرون إلى أحد مخيمات اللاجئين في الأردن، خصوصاً في مخيم الزعتري في المفرق. أما إذا كفلتهم عائلة أردنية، فحينها يُسمح لهم بالإقامة في أحد المجتمعات المحلية المضيفة.

فيما يلي قصص المرضى التي جمعتها منظمة أطباء بلا حدود، والتي يحكون فيها عن إصاباتهم وآمالهم ومخاوفهم من المستقبل:

طفل من درعا في سوريا، 11 عاماً

"كنت واعياً بالحادث بأكمله وكيف أُصبت. فقد ضربت قذيفة منطقة قريبة من منزلنا، ثم تناثرت الشظايا لتصيب الحائط بجواري. فبدأت أبحث عن مكان أختبئ فيه. حاولت الاختباء خلف الدارجة النارية، ولكنني أدركت أنها قد تنفجر، ثم رأيت السيارة ولكنها كانت ستنفجر كذلك. فقررت في النهاية الاحتماء خلف سارية، فإذا بقذيفة تضربها فجعلتها تنخلع من مكانها. وبسبب قوة الانفجار، قذفتني الصدمة عالياً فارتطمت بعامود كهرباء ثم سقطت على الأرض. جاء الناس لمساعدتي ونقلوني في حافلة إلى المستشفى الميداني، وسمعت أحد أصدقاء والدي يقول: ’هذا الولد سيموت، هذا الولد سيموت‘. ولكنني كنت واعياً بكل ما يجري حولي، وكنت أستطيع سماع الناس يتحدثون عني. تمكنت من الصراخ، فأدركوا حينها أنني ما زلت على قيد الحياة. فذهبنا إلى المستشفى الميداني، وبعدها دخلت في غيبوبة. بتروا يدي وساقي فشعرت بألم رهيب لدرجة أنني بدأت أصرخ. بعدها، أرسلوني إلى الأردن لمواصلة العلاج. 

ماذا عساي أفعل؟ إنها مشيئة الله. لا يسعني قول شيء. سوف أبقى في الأردن إلى حين حصولي على يد وساق جديدتين، ثم بعدها سأعود إلى سوريا. أنا متخوف من العودة إلى سوريا بسبب القصف والقذائف المتواصلة. ولكنني أتمنى العودة إلى سوريا. أريد العودة لأن جميع أصدقائي وأفراد عائلتي ما زالوا هناك. ليس لدي أحد هنا. أبي سيبقى معي هنا فقط إلى حين معافاتي. لدي أربع إخوة وأخت واحدة. حين غادرنا سوريا، لم أكن أرغب في المجيء إلى الأردن، ولكن والدي أخبرني بأننا سنبقى هنا فقط لمدة أسبوعين أو ثلاث. ولكنه قال ذلك فقط لكي أوافق على المجيء إلى الأردن وتلقي العلاج. ولكن الآن علينا أن نبقى هنا لأكثر من ثلاثة أشهر".

والد أرجوان، 33 عاماً من محافظة درعا

"تعرض منزلنا للقصف بقذيفتي دبابة، وكانت هناك خمس عائلات تعيش في المبنى. أعتقد أن معظم سكان المبنى قد توفوا. لم ينج من الحادث سواي وطفلتي أرجوان. حتى والدة أرجوان وشقيقتها الصغرى (عمرها 10 أشهر) توفيتا.

حين أصابتنا القذيفة، اعتقدت أن جميع من في المبنى قد قُتِلوا لأنني لم أسمع صوتاً أو أي حركة بعد القصف. بعد مرور ثلاثين دقيقة، جاء بعض الناس وقدموا إلينا الإسعافات الأولية. وقد تفاجأت حين أظهر لي بعض الأشخاص هنا في المستشفى صورة على الهاتف المحمول وسألوني إن كانت صاحبة الصورة هي ابنتي وأخبروني بأنها ما زالت على قيد الحياة. حمدت الله على نجاتها، وتمنيت لو أنه قضى لي بالموت مع الآخرين. كنت سأرتاح حينها عوض العيش بهذه الطريقة. سوف أعيش في بؤس وشقاء بعد الذي حدث. كانت زوجتي تُلِحّ علي وتقول: ’أرجوك، دعنا نغادر سوريا‘. وكنت أعترض على طلبها وأقول لها دائماً بأن الأمور سوف تتحسن قريباً، ولكنها لم تتحسن.

كنت فاقداً الوعي تقريباً في الطريق من درعا إلى الأردن. فحين أفقت من غيبوبتي بعد سقوط القذيفة، شعرت بأن ساقي قد بُتِرت وأن أصابع يدي كلها قد كُسرت. حين وصل الرجال، بدأت أصرخ لأخبرهم بأنني ما زلت على قيد الحياة، فجاؤوا وانتشلوني من تحت الأنقاض. كان القتال ما زال دائراً، وكذلك الحال حين كنا على الطريق من منزلي إلى الأردن. لقد كان الأمر صعباً للغاية بالنسبة لي، فالآلام كانت فظيعة.

ولكن حين رأيت طفلتي أرجوان، ذات الربيعين، ما زالت على قيد الحياة، نسيت ألمي. إنها مجرد طفلة، فما ذنبها في كل ما يحصل؟ عليّ أن أعتني بها. لم أسمح لهما بمغادرة سوريا، كان عليّ أن أهاجر. ولكن القدر كان أسرع، فأخذهما مني قبل أن أتّخذ قراري بالمغادرة".

حنان، ست سنوات، فقدت ساقها وتعتني بها جدتها

"كنت واقفة خلف النافذة وأمي تراقب المشاكل التي تقع في الخارج، ثم سقطت وأُصبت. فأخذوني إلى المستشفى. أشعر بتحسن الآن، ولم أعد أشعر بالألم. لقد قضيت أيامي هنا أرسم الأشخاص في المستشفى. لا أعرف أين هي والدتي الآن ولكن جدتي معي هنا".

"لقد أثّرت فيّ حالة حنان أكثر من غيرها. لقد فقدت ساقها ووالدتها ليست معها. خلال اليومين الأولين على مجيئها إلى هنا، كانت تعاني من صدمة حادة، فوالدتها لم تكن معها ولا أي أحد من عائلتها، كما أنها لم تكن تعرف أين والداها. خلال اليوم الأول، بقيت نائمة طوال النهار، وكلما استيقظت كانت تصرخ ’رجلي، رجلي‘. شرعنا في تقديم استشارة نفسية إليها، وحاولنا معرفة ما الذي يُفرحها وما يثير انتباهها في المستشفى. فاكتشفنا أنها تحب الرسم، فكانت إستراتيجية التعامل مع الصدمة بالنسبة لها من خلال الرسم والألوان. وتدريجياً، بدأت حنان تتعافى، وبدأت ترسم كل من يدخل إلى غرفتها. وبينما لم تكن في البداية ترغب في التحدث مع أحد، أصبحت الآن تتحدث مع باقي المرضى ومع الطاقم الطبي". – ابتسام، مسؤولة الصحة النفسية لدى المنظمة تتحدث عن إحدى مريضاتنا.

فتاة في العشرين من عمرها، محافظة درعا في سوريا

"كنا نجلس خلف منزلنا: أنا ووالدتي وشقيقي الرضيع الذي كان يجلس على حجري، حين وصل والدي وقال لنا: ’أنهم يقصفون الحي، لنذهب إلى الداخل‘. ولم يكن ينهي جملته حتى نزلت علينا قذيفة. لم أشعر حينها بشيء. اعتقدت أنني أتعرض للقصف ولكن جسدي كان على ما يرام. حين فتحت عيني، كانت والدتي ملقاة إلى جانبي وقد تعرضت لإصابات بليغة. أما شقيقي الصغير، فقد نجا ولم يُصب بأذى، بينما أصيب والدي كذلك. أما أنا، فقد أصابتني الشظايا في ظهري وساقي وفي كل جزء من جسدي. بدأ والدي يصرخ طلباً للمساعدة. وحين وصلوا إليّ، قلت لهم بأنني على ما يرام، فلم أكن أشعر بأنني مصابة حتى وصلت إلى المستشفى الميداني وبدأ الطبيب في معالجتي. حينها، قرروا إرسالي إلى الأردن بسبب الإصابات التي غطت كامل جسدي. ولكنني رفضت المغادرة، فأجبروني بسبب حاجتي إلى علاج تكميلي لا يستطيعون تقديمه في المستشفى الميداني. وهكذا وصلت إلى مستشفى الرمثا، بينما يوجد والدي في مستشفى آخر بالأردن. أما شقيقي الصغير، فيوجد الآن مع عمي، فيما توفيت والدتي. 

لقد أصبحنا معتادين على الأمر. الجميع في سوريا يعيشون التجربة نفسها. فحين بدأ النزاع، كنا نشعر بالخوف من صوت القذائف، ولكننا تعودنا على الأمر فيما بعد، فقد أصبح طبيعياً بالنسبة لنا. ولكن، بعد التعرض للإصابة، أصبحت أشعر برعب حقيقي. 

أُصبت بجروح حوالي الساعة 11 صباحاً. وفي الثالثة ظهراً، كنت في المستشفى في الأردن؛ لقد قدموا إلي مساعدة جيدة، بحيث شعرت وكأنني محاطة بأفراد العائلة. ما زلت أشعر بالألم الآن، فلست قادرة على الجلوس لأنني تعرضت لإصابة في ظهري، ولكنني أشعر بتحسن كبير مقارنة بقبل تلقي العلاج هنا.

بعد الذي حصل، لست أدري إذا كنت أرغب في العودة إلى سوريا، فسوف يتطلب علاجي وعلاج والدي فترة من الوقت. ولكن، إذا جلبوا شقيقي الاثنين الذين ما زالا في سوريا إلى هنا، ووافق والدي على العيش في الأردن، حينها سوف نبقى هنا، وإلا فسوف نعود مرة أخرى إلى سوريا.

حتى الآن، خضعت لأربع عمليات جراحية لنزع الشظايا من جسدي. أشعر بأمان كبير هنا. كما أتناول علاجي بانتظام وأتلقى الرعاية النفسية وجلسات في العلاج الطبيعي. لقد كنت بحاجة إلى الدعم النفسي. كنت قد شعرت بأن والدتي قد تُوفيت، ولكنني لم أكن متأكدة. حاولَت عائلتي إخفاء الأمر عني، ولكنهم قرروا في النهاية إخباري، فكانت صدمة كبيرة بالنسبة لي". 

 

إدعم منظمة أطباء بلا حدود

تبرّع

العودة إلى الأعلى

تواصل معنا

  • شاهدنا على يوتيوب

حمولة