العراق: الإصابات النفسية

ديسمبر 12, 2012

تبرّع
العراق: الإصابات النفسية © Chris Huby/Le Desk

الصدمات النفسية في العراق، وطريقة المساعدة

جو بيليفو

 

يقول رئيس الأطباء في جناح إعادة التأهيل في المستشفى الرئيسي في الفلوجة إنه يصف أدوية أقل الآن بعد أن ساعدت منظمة أطباء بلا حدود في تقديم الاستشارة النفسية إلى مرضاه الذين يستعيدون عافيتهم. كثير من المرضى في الجناح أصيبوا في أحداث عنف شملت انفجار قنابل. هناك شاب في العشرينيات من العمر تحطمت ذراعه اليسرى بسبب انفجار وقع قبل ستة أشهر تقريباً. يبرز السناد المعدني، المربوط بأجزاء من العظم، ناتئاً من ثلاثة أماكن مختلفة من ذراعه. يبدو مكتئباً، ويقول أبوه إنه "قلق" على مستقبله. أحيل للتو إلى أول جلسة استشارة يخضع لها ويبدو الطبيب متفائلاً بأن ذراعه ستشفى وترتفع روحه المعنوية.

على مدى العامين الماضيين، ساعدت المنظمة في اتخاذ مقاربة رائدة ومختلفة للصحة النفسية في العراق. وهي تعمل مع وزارة الصحة العراقية على شمل الاستشارة الصحية النفسية، إضافة إلى الأدوية ذات التأثير النفسي والمعالجة بالتخليج الكهربائي، التي استخدمت لعلاج المرضى المصابين بأمراض نفسية حادة. نادراً ما يحتاج علاج الصدمة النفسية إلى الأدوية. فمع التوجيه الصحيح والمشورة الصائبة وتعلّم مجموعة بسيطة من آليات التلاؤم والتكييف، يمكن للمرضى تحقيق تحسن كبير في التعامل مع المخاوف والقلق واستعادة فعاليتهم الوظيفية في حياتهم اليومية. يبدو أن الطلب هائل على هذا النوع من المساعدة، نظراً للعدد الضخم من المرضى الذين يعانون من أضرار العنف بمختلف أشكاله. 

هنالك العديد من الأمثلة المعبرة. ظلت امرأة تأتي إلى المستشفى مشتكية من ألم في أسفل الظهر حيث ظنت أنها مصابة بورم. وعندما لم يجد الأطباء لديها أي مشكلة جسدية، أحيلت إلى الاستشارة النفسية. في نهاية المطاف، تبين أن ابنها خرج من المنزل خلال شهر رمضان من السنة الماضية بعد المغرب ليدخن سيجارة فقضى في انفجار عبوة ناسفة. وكان حزنها شديداً وعميقاً إلى حد التحول إلى ألم جسدي.

وفي وقت مبكر من هذه السنة، أصابت شظية من انفجار قنبلة رجلاً فشوهته وأفقدته البصر في إحدى عينيه. كان الرجل تاجراً، فترك التجارة وآثر العزلة، وفقد الثقة بالنفس وشعر بوصمة عار. في المنزل، صب جام إحباطه على زوجته وابنه اللذين يخضعان الآن للاستشارة النفسية.

هذه الأنواع من الروايات شائعة ومنتشرة بين مئات المرضى الذين تقدم إليهم فرق أطباء بلا حدود الاستشارة كل شهر (يبلغ العدد وسطياً 300 مريض جديد، إضافة إلى 800 جلسة كل شهر). نجحت المنظمة حتى الآن في توسيع الخدمات لتشمل ثلاثة مستشفيات في بغداد والفلوجة، كما نستهدف نسخ النموذج وتكراره في مواقع أخرى، بما في ذلك توفير الخدمات من خلال مراكز الرعاية الصحية الأولية. التزمت وزارة الصحية العراقية وبدأت المنظمة المساعدة على تدريب الجيل الجديد من المستشارين والمدربين لثلاث وحدات جديدة. كما خصصت خطوطاً هاتفية لتقديم المساعدة في منطقتين إلى المرضى الذين يريدون مزيداً من المعلومات أو يتعذر عليهم الحصول على الاستشارة شخصياً. وتم تعيين عاملين لإيصال الخدمات وإذكاء الوعي المجتمعي بها. وأدخلت أداة تقييم جديدة لقياس مدى التقدم والتحسن الذي يحققه المرضى. وإن الفجوة في خدمات الاستشارة في العراق واضحة لا لبس فيها. والاحتياجات ضخمة، لكن التأثير الإيجابي للاستشارة واضح أيضاً.

يتعلق أكثر من نصف الحالات كلها بالعنف بأشكاله كافة، ومنها العنف الأسري الذي يشمل الاعتداء الجنسي، أو مشاهدة/اختبار حدث عنيف مؤثر. في وقت مبكر من هذه السنة، ألقيت قنبلة يدوية على مكان كان يجلس فيه أب مع عائلته. قتلت زوجته وابنته، وأصيبت ساقه بجروح خطيرة. في المستشفى، رفض تلقي العلاج أو تناول الدواء. وبعد أسبوعين من الاستشارة، قبِل العلاج وسرعان ما استكمل المعالجة. هناك طفل في السادسة يخضع للاستشارة بعد تعرضه لاعتداءات جنسية متكررة. وتتلقى مُدرسة في روضة أطفال الاستشارة بعد نجاتها من عملية اختطاف تعرضت خلالها لاعتداء جسدي. هذه هي أنواع الصدمات النفسية التي يتعامل معها مستشارونا النفسيون كل يوم.

يمكن لتأثيرات مثل هذه الصدمات النفسية أن تكون منهكة، وتجعل المصابين يعانون من كوابيس، أو مخاوف، أو اكتئاب، أو خمول، أو عدوانية، وفي كثير من الحالات يعجزون عن الفعالية الوظيفية المعتادة. لا تعتبر الاستشارة الصحية النفسية علاجاً سحرياً شافياً، إلا أن بمقدورها تحسين الأعراض لدى المصابين بسرعة، ومساعدتهم عادة على زيادة فعاليتهم الوظيفية وقدرتهم على تحمل مسؤولياتهم. ووفقاً للبيانات المستمدة من الأداة المستخدمة لقياس تحسن المرضى (SRQ-20)، تبدو النتائج جيدة ومبشرة. وتتفاوت معدلات تخلي المرضى عن الاستشارة تفاوتاً كبيراً حسب الموقع، ما يشير إلى أن العوامل المحلية ربما تمنع المرضى من العودة. لكن من بين الذين استكملوا المعالجة، ظهر تحسن لدى المرضى كلهم تقريباً على صعيد استعادة العافية والفعالية الوظيفية. ومن بين مجموعة عينة المرضى في أوائل هذه السنة، مثلاً، أظهرت نسبة 4% منهم أعراضاً "خفيفة"، ونسبة 68% أعراضاً "معتدلة"، ونسبة 28% أعراضاً "حادة". ومن بين أولئك الذين استكملوا المعالجة في الشهر نفسه، أظهرت نسبة 78% منهم أعراضاً "خفيفة"، و 22% "معتدلة"، و 0% "حادة". أما بالنسبة لأولئك الذين استكملوا الاستشارة، فقد ظهر نمط واضح نحو تحسن الصحة النفسية.

لا يمكن للاستشارة النفسية أن تحل محل الطب النفسي، لكنها تستطيع إحداث فارق كبير في حياة المرضى.

في الروايات الشخصية كافة، تم تغيير أو إزالة الأسماء والأوقات لحماية خصوصية المرضى. 

إقرأ المزيد عن: منظمة أطباء بلا حدود تطلق "شنو تشكي"، شريطاً وثائقياً بشأن الصحة النفسية في العراق

شاهد الفلم الوثائقي: شنو تشكي

إدعم منظمة أطباء بلا حدود

تبرّع

العودة إلى الأعلى

تواصل معنا

  • شاهدنا على يوتيوب

حمولة