كيف قام طبيب بعملية توليد ’الطفلة المعجزة‘ في جنوب السودان

فبراير 14, 2017

تبرّع

 

يحدث الحمل خارج الرحم في نسبة 1 إلى اثنين في المئة من جميع حالات الحمل، ومن بين هذه الحالات لا يكمل الحمل مدته إلا بنسبة 1 في المئة أو أقل. وفيما يلي قصة الدكتور شادي عبد الرحمن، وهو جراح شاب من القاهرة أنهى للتو أول مهمة ميدانية مع أطباء بلا حدود في أجوك، منطقة أبيي. وفي أحد المستشفيات هناك في المنطقة المتنازع عليها بين السودان وجنوب السودان قام بتوليد الطفلة المعجزة في أول عملية قيصرية يقوم بها.

 

أشياء قليلة جداً يمكنها أن تدهش جراحاً عاماً، وإذا ما عملت كجراح عامٍ في الميدان فإنك ستشاهد كل تلك الأشياء. ستقوم بإجراء العمليات الجراحية الاعتيادية العامة كجراحة الأمعاء بأنواعها، وستتعامل مع حالات عظمية، وستتعامل مع حالات ولادة طارئة.

 

بالنسبة لي كانت حالات الولادة هي الأقل اعتياداً. كجراحين عامين لم نعد نتلقى الكثير من التدريب على الولادة والطب النسائي. وأول عملية قيصرية أجريها كانت في المستشفى الميداني في أجوك. أهل المنطقة يسمون ذلك المكان بـ"أجوك بارادايس" (أي: جنة أجوك)، وهي بالفعل كذلك من أكثر من ناحية.

 

انضممت إلى أحد الجراحين من ذوي الخبرة في الميدان، وقام بتعريفي بالمكان وأصول العمل. عمليات الولادة القيصرية ليست شديدة التعقيد، إن سار كل شيء كما هو مخطط له. لكن وكما يعلم الكثير من العاملين في الحقل الطبي فالأمور لا تسير دائماً كما هو مخطط لها.

 

كانت امرأةً تبلغ من العمر 32 عاماً وجاءت إلى مستشفى أجوك تشكي من ألم في البطن. كانت التقديرات تشير إلى أن مدة حملها قد اكتملت. وقد جاءت من قرية تبعد عن المستشفى بضعة ساعات، ولم تزر أي طبيب طيلة مدة حملها، وهو أمر غير مستغرب، لا سيما إن لم يقع خلال مدة الحمل أمر يستحق القلق.

 

لم تعاني المرأة من أية مشاكل ذات بال خلال هذا الحمل بالرغم من أنها أسقطت حملاً سابقاً، وهي الآن قلقة حيال الألم الذي تشعر به. كان جانب بطنها الأيمن رخواً وبدا وكأن هنالك كتلة قاسية أسفل أضلاعها.

 

بدا نبض قلب الجنين قوياً – وهي إشارة جيدة. وتم إجراء تصوير بالأشعة فوق الصوتية وتبين أن تلك الكتلة كانت رأس الجنين. كان الجنين في وضع عرضي، أي مستلقٍ بشكل أفقي في بطن المرأة. لا يمكن بشكل عام للطفل أن يخرج بالعرض، إذ يجب أن يخرج إما رأسه أو قدماه أولاً. وهذه مبادئ فيزيائية بسيطة.

 

كان ينبغي أن تلد المرأة في أسرع وقت ممكن، وقد كانت تعاني من الألم وحالها غير جيد. وبسبب وضعية الجنين كان لا بد من إجراء عملية ولادة قيصرية.

 

بدأنا كما هو معتاد بإحداث شق عرضي أسفل البطن. رأينا الرحم وتفاجأنا بأن حجمه كان طبيعياً كأنه خالٍ من أي حمل.

 

قلت لنفسي: "عجيب.. ما معنى هذا؟".

 

قبل بدء العملية أحسست بوجود الطفل في منطقة البطن. وفوق الرحم كان هنالك كتلة لم أعرف ما هي في البداية. لذلك قررنا أن نوسع الشق الأولي باتجاه الأعلى وأصبح الجرح الآن على شكل حرف (T).

 

حاولت أن أرى النهاية العليا لهذه "الكتلة" ظناً مني أنها ستكون المثانة. لكني دهشت عندما رأيت أنه الجنين وبدأ بالبكاء.

 

صدمني الأمر، فقد كان هذا حملاً في منطقة البطن. لقد نما الجنين بالكامل خارج الرحم.

 

غني عن القول أنني لم أر شيئاً كهذا من قبل، بل حتى زملائي ممن لديهم خبرة أكبر من خبرتي. قرأت عن ذلك في الكتب ولم يكن هنالك حتى صورة، إنما عادة ما يكون هنالك رسم للشكل المحتمل.

 

يحدث الحمل خارج الرحم عادة في ما نسبته 1 إلى 2 في المئة من حالات الحمل. وغالباً ما يكون داخل إحدى قنوات فالوب. واحد في المئة فقط من حالات الحمل خارج الرحم تنمو في تجويف البطن كحمل بطني. ونسبة أقل حتى تصل مدة الحمل الكاملة. لذلك كانت هذه الحالة نادرة جداً.

 

عندما يتم اكتشاف حالات كتلك في وقت مبكر من الحمل عادة ما يتم إجهاضها لأنه تنطوي على خطورة كبيرة على الأم ونسبة عالية من احتمال التشوهات الجنينية. في حالتنا هذه في مستشفى ميداني في هذا الجزء من العالم، لم تتح الفرصة لاكتشافه من قبل.

 

ما ظننت أنه المثانة كان رأس الطفل. والكتلة التي فوق الرحم كانت المشيمة. أخرجنا الطفل وأزلنا بعناية أكبر قدر ممكن من المشيمة دون التسبب بنزيف.

 

كان الطفل يبكي، وهو صوت محبب سماعه دائماً. وكانت الأم تبدو بخير. لقد نجت من وضع لا تحسد عليه.

 

كان من الممكن في أي وقت من هذا الحمل أن تسوء الأمور. لكنها سارت على ما يرام حتى النهاية، حيث ولد الطفل. إن هذه حالة نادرة لأي طبيب مختص بالطب النسائي، عداك عن أن يكون جراحاً عاماً. بذلك كنت محظوظاً.

 

على مدى الأسبوعين التاليين كنا نراقب عن كثب وضع الأم والجنين. فالأم كانت لم تزل تحت خطر النزيف أو الإصابة بعدوى قد تهدد حياتها.

 

ونظراً لأنه مستشفى ميداني فلم نملك نفس الأدوات اللازمة لمراقبة مريض في وضع خطر. كان علينا الاعتماد بشكل كبير على حسنا السريري وتأملنا أن تسير الأمور بشكل جيد. وقد سارت كذلك.

 

تعافت الأم من الجراحة بشكل جيد، وكانت الطفلة تنمو جيداً أيضاً. وخلال نحو أسبوعين من الزمن، كان ممكناً إرسالها وطفلتها إلى البيت. قمنا بترتيب زيارات لمتابعة حالتهما، وخلال الزيارة الأولى بعد شهر، بدت الأم وطفلتها سعيدتين وبصحة جيدة.

 

هنالك أشياء تأتي مرة واحدة في العمر، وأعتقد أن هذه كانت إحدى تلك الأشياء. هي قصة استثنائية فعلاً حتى لو كانت نهايتها مختلفة، لكن النهاية السعيدة تبقى أفضل.

 

 

الدكتور شادي عبد الرحمن، هو جراح شاب من القاهرة أنهى للتو أول مهمة ميدانية مع أطباء بلا حدود في مستشفى في أجوك في منطقة أبيي. وهي منطقة لها وضع إداري خاص تقع بين السودان وجنوب السودان.

إدعم منظمة أطباء بلا حدود

تبرّع

العودة إلى الأعلى

تواصل معنا

  • شاهدنا على يوتيوب

حمولة