أفغانستان : إستئناف أنشطة أطباء بلا حدود

ديسمبر 18, 2009

تبرّع
أفغانستان : إستئناف أنشطة أطباء بلا حدود

إستأنفت منظمة أطباء بلا حدود أنشطتها في أفغانستان بعد انقطاع دام خمس سنوات. فقد قام مدير عام منظمة أطباء بلا حدود السيّد كريستوفر ستوكس،الذي يتمتع بخبرة كبيرة في هذه البلاد بزيارتها مؤخراً وذلك للوقوف على المشاريع التي تضطلع بها منظمة أطباء بلا حدود في المنطقة. يشير السيد كريستوفر في هذه المقالة إلى أهمية أن ترتكز أنشطة منظمة أطباء بلا حدود فيأفغانستان على أسس ثلاثة وهي: توفير الرعاية الطبيّة المجانية وعدم قبول التبرعات من أية حكومة وإخلاء جميع المستشفيات من كافة أنواع الأسلحة.

أسرة المرضى شاغرة في منطقة هلمند / أفغانستان

تعاني أفغانستان من مجموعة مؤشرات صحية تعد الأسوأ في العالم. ففي إقليم مثل هلمند، لا ينقطع ضجيج الحرب على مدار الساعة إذ تتواصل عمليات إقلاع المروحيات طوال الليل كما تتواصل أصوات إطلاق النار والصواريخ التي يمكن سماعها عن بعد. وفي هذا السياق تصبح المشاكل الطبيّة الاعتيادية نوعاً من الحالات الطبيّة الطارئة نظراً لخطورة التنقل بين القرى والمدن وأحيانا استحالتها.

بدأت منظمة أطباء بلا حدود العمل في المستشفى العمومي الوحيد الذي لا يزال يقدم خدماته في منطقة هلمند التي تقع في إقليم لاشكرجاه. واستفاد هذا المستشفى طوال السنين القليلة الماضية من كميات كبيرة من المساعدات العالمية وعلى الرغم من ذلك فإن نسبة إشغال الأسرة فيها لا يتجاوز ۳۵%. في صباح اليوم الذي قمنا فيه في زيارتنا لهذا المستشفى وتجولنا في مختلف الردهات، لاحظنا حقيقة مرعبة هي عدم تجاوز نسبة إشغال الأسرّة الثلث، إذ أحصينا وجود 40 مريضاً راقداً فقط من أصل 140 سريرا.

يعود سبب انخفاض عدد المرضى، في الحقيقة، إلى تدنّي الخدمات المقدّمة من قبل هذا المستشفى، كما أن معظم الطاقم الطبّي المتواجد صباحا ينصرف بعد الظهر للعمل في العيادات الخاصة. وإن جميع الخدمات الطبيّة التي يقدمها المستشفى أصبحت قديمة وهناك إفراط في وصف الأدوية إذ يتّم وصف سبعة أنواع من المضادات الحيوية دفعة واحدة في حين أن واحدة منها تفي بالغرض. كما أن هناك مشكلة كلفة الدواء – يتّم إرسال المرضى الى الصيدليات الخاصة لشراء الأدوية التي توصف لهم. ومن الممكن أن تكون كلفة الدواء باهظة الثمن بالنسبة إلى الأسر الفقيرة، خاصة عندما نضيف إليها كلفة النقل إلى المستشفى. وإذا ما توفرت لهم سبل الوصول إلى المستشفى وإمكانية شراء الدواء، فمن الممكن أن تكون غير فعالة أو حتى مزيفة.

في حين لا يتم تشغيل المستشفى بكامل طاقته، فإنه في الوقت ذاته يعجّ بالمعدات الطبّية التي حصل عليها عن طريق التبرعات. فهناك الأجهزة الرقمية للتصوير بالأشعة السينية التي وصلت من دول أوروبا والصين والأجهزة المخبرية والتجهيزات الجراحية والمصابيح الخاصة بعلاج عرق النسا – ما زالت مغلّفة - بل ما تزال عرضة لتراكم الغبار عليها. وكانت الحكومات قد تبرعت بها عن طريق فرق إعادة الإعمار الإقليمية التابعة للقوة الدولية للمساعدة الأمنية أو مباشرة من خلال المساعدات الثنائية. ولا يتوفر عادة إلا القليل من الإرشادات عن كيفيّة الاستعمال.

في الوقت الذي كنت فيه هناك، تمّ إدخال طفل مصاب بداء الحصبة. و قد أخبرتنا والدته أن هناك ما لا يقّل عن ثمانية أطفال آخرين في قريتها يعانون من أعراض مماثلة. يعد مرض الحصبة من الأمراض الشديدة العدوى وقد يؤدي إلى الوفاة إذا ترك دون علاج. وكان يعاني هذا الطفل من مضاعفات وضعته على جهاز الأوكسجين تلك الليلة. و لكن جهاز الأوكسجين الوحيد الصالح للعمل موجوداً في الجناح الطبّي حيث أدى وجود أطفال آخرين إلى خطورة انتقال العدوى. وبالرغم عن ذلك تمّ نقل هذا الطفل إلى الجناح الطبّي في حين كان هناك ما لا يقّل عن ستة أجهزة متحركة لإعطاء الأوكسجين تستجمع الغبار في مخزن المستشفى.

يعدّ هذا الطفل ضحية لهذا النزاع وتلخص محنته هذه الحرب. فقد أصيب بمرض معدٍ كان من الممكن الوقاية منه بسهولة ولكن الطفل يعيش في منطقة تكاد تنعدم فيها تغطية اللقاحات. لم يكن أمام والدته ثمة خيار آخر سوى تحمل المخاطرة والقدوم إلى مستشفى لاشكرجاه، غير أنها انتظرت حتى كاد يفوت الأوان. بالرغم من مضي ثماني سنوات على تدفق التبرعات التي قدمتها مختلف الحكومات و"تراكم" الأجهزة والمعدات الطبيّة، فإن المستشفى لا يزال عاجزا عن استقبال المرضى وتقديم العلاج المناسب لهم.

و قد علمنا أيضا أنه في وقت سابق استطاعت إحدى النساء الحوامل التي كانت ضحيّة إحدى الانفجارات من الوصول إلى المستشفى ولكن بعد مرور 48 ساعة، وكان قد أصيب الجنين أيضا. بقيت الأم على قيد الحياة بالرغم من تمزّق الرحم جراء الإصابة لكن الجنين توفي بسبب تعفن الدم. ولو استطاعت الوصول إلى المستشفى في وقت أبكر لربما تم إنقاذ حياتهما معاً.

بعد غياب دام حوالي خمس سنوات، بعد حادثة قتل خمس من زملائنا في العام 2004، تقوم عودة منظمة أطباء بلا حدود على الحذر والموازنة بين تفادي المخاطر وتلبية الاحتياجات القائمة. ويتمثل هدفنا الوحيد في مساعدة من هم في أمس الحاجة الطبيّة وتقديم العون إلى أكبر عدد ممكن من السكان لمساعدتهم على الاستمرار في حياتهم في خضم النزاع المتواصل.

يتحتم على أيّة منظمة طبيّة إنسانية خاصة أن تظهر بوضوح وأن تتواصل على أساس مبدأي عدم الانحياز والحيادية لكي تكون مقبولة من جميع الأطراف المعنيّة في النزاع. ويعني هذا الأمر بالنسبة لأطباء بلا حدود، على سبيل المثال، أن تختار عدم قبول الأموال من أية حكومة لتمويل أعمالها في أفغانستان وباكستان ورفض أية محاولة من القوى الأخرى التي تستهدف السيطرة على أنشطتها أو التحكم بها.

إن الخط الوحيد الفاصل بين العمليات العسكرية وأنشطة إعادة الإعمار والتنمية والمساعدات الطبيّة أضحى مشوشاً في الوقت الراهن حيث أصبحت جميع أنشطة المساعدة ومن بينها المبادرات المخلصة التي نفذتها القوات المسلحة تقع تحت تسمية "الإنسانية". وإن الفارق الأساسي هو تصميم المنظمات الإنسانية كمنظمة أطباء بلا حدود على العمل بصرامة من أجل تأمين المساعدة الفورية على أساس الاحتياجات الطبيّة فقط، دون توخي أي هدف آخر. هناك حاجة ماسة للتمييز الواضح في هذا الشأن. لماذا؟ لأن المنظمات الإنسانية كمنظمة أطباء بلا حدود يجب أن تسعى إلى مساعدة السكان المحتاجين بغض النظر عن البلد الذين يعيشون فيه أو طبيعة المعارك التي تدور فيه. وإن المنظمة (أياً كانت صبغتها السياسيّة) إذا اختارت أن تضم صوتها إلى أحد الأطراف المعنيّة عن طريق التمويل أو ما شابه، بكل بساطة لم ولن يمكنها القيام بذلك. ثانياً إن اختيار أطراف معنيّة لتقديم المساعدة يتطلب في معظم الأحيان الحماية المسلحة، مما يجعل المنظمة أو المؤسسة التي تتلقى المساعدة هدفاً عسكرياً.

قامت القوة الدولية للمساعدة الأمنية والتي تقوم بحراستها قوات الناتو (منظمة حلف شمال الأطلسي) والقوات الأفغانيّة بإعادة تأهيل الكثير من المرافق الطبيّة في مقاطعة هلمند. وبالتالي تعتبرها الجماعات المسلحة المعارضة أهدافاً عسكرية. وفي الوقت عينه فإن المرافق الطبيّة التي تديرها المنظمات غير الحكوميّة المحليّة المستقلّة والتي غالبا ما تتعمّد تركها في حالة يرثى لها لتجنب أي تعاون مع القوة الدولية للمساعدة الأمنية التي تدعم للمرافق الصحيّة، كانت أيضا عرضة للهجوم من قبل هذه الأخيرة بحجة الخطأ واعتبارها ملجأ للجماعات المعارضة المسلحة.

ومن الشروط الأساسية التي توختها أطباء بلا حدود شريطة استئناف أنشطتها في أفغانستان كان قرار إزالة جميع المظاهر العسكرية من المستشفيات وتمّ ذلك من خلال تطبيق سياسة صارمة تمنع حمل السلاح داخل المرافق الصحّية التي تعمل فيها. و بالتالي يطلب من جميع الأطراف، الشرطة والقوات المتحالفة والمجموعات المعارضة بترك أسلحتهم عند المداخل.

بالأضافة إلى مستشفى لاشكرجاه الإقليمي في هلمند، بدأت أطباء بلا حدود العمل في مستشفى آخر في شرق كابول، في مدينة يتزايد عدد سكانها على بشكل مضطرد مع وصول أعداد كبيرة من العائدين الأفغان من باكستان إضافة إلى المشردين الهاربين من الحرب التي تجتاح الأقاليم الشرقية في أفغانستان. وعلى الرغم من الاحتياجات وتدني الخدمات الطبيّة في المنطقة، فإنها لا تزال تعاني من عدم اكتراث منظمات المعونة لأنها لا تقع ضمن أولويات سياسة المساعدات التي تستهدف مكافحة التمرد. تلقت مشاريع البنية التحتية الكبيرة في كابول الكثير من الأموال من جهات دولية، ولكن ليس هناك إلا القليل من الصناديق الدولية الموجودة لتقديم المساعدات الفوريّة.

وتتشكل فرق عمل أطباء بلا حدود الطبيّة من موظفين أفغان ودوليين يعملون في كلا المؤسسات المحلية والعالمية على حد سواء حيث يتمثل هدفنا في توفير الرعاية الطبيّة المجانيّة عالية الجودة والضرورية لإنقاذ الحياة عبر إعطاء أدوية فعالة في جميع المجالات بما في ذلك الأمومة وطب الأطفال والجراحة وغرف الطوارئ. ويعتبر حسن التعاون مع الفريق الطبّي اليافع لا سيما الاتفاق على أفضل الممارسات مفتاح الحلّ. من أولويات أطباء بلا حدود الحصول على هذه الخدمات الطبيّة على مدار الساعة وليس فقط لبضع ساعات من الفترة الصباحية. كما تسعى أطباء بلا حدود إلى توسيع نطاق دعمها إلى بقية المستشفيات والمراكز الصحيّة الواقعة في المناطق الريفية الإقليمية الأخرى خلال العام 2010، و لكن التقدم في العمل سيكون بطيئا في مثل هذه البيئة الخطرة.

لا يوجد في أفغانستان اليوم ما يكفي من المنظمات المستقّلة لتقييم احتياجات السكان والاستجابة لها في المناطق المتأثرة بالحرب. في إقليم كهلمند مثلا، إن الحصول على الرعاية الصحّية محدود للغاية. ومن الواضح أن تقديم المساعدة لأسباب سياسية بدلاً من أهداف إنسانية لها حدودها. وهو من الممكن تزويد المستشفيات بكميات هائلة من المعدات الطبيّة الباهظة الثمن ولكن هذا لا يعني ملئ الأسرّة بالعدد الكافي من المرضى المحتاجين للعلاج والذين ينتمون إلى أطراف النزاع كافة.

إدعم منظمة أطباء بلا حدود

تبرّع

العودة إلى الأعلى

تواصل معنا

  • شاهدنا على يوتيوب

حمولة