التحقق من الواقع: لماذا نحتاج لإنقاذ عالمي للصحة

سبتمبر 2, 2010

تبرّع
التحقق من الواقع:  لماذا نحتاج لإنقاذ عالمي للصحة

منذ عشر سنوات وضعت البلدان الأهداف الإنمائية للألفية وتعهدت بخفض معدل وفيات الأطفال والأمهات إلى النصف والحد من انتشار الأمراض الفتاكة مثل فيروس نقص المناعة البشرية/الإيدز والملاريا والسل بحلول عام 2015. ومع تبقي خمس سنوات فقط على حلول هذا الموعد النهائي سيجتمع قادة العالم في نيويورك هذا الشهر لاستعراض التقدم الذي تحقق.

إنهم سيواجهون الأمر الواقع. إذ حتى في الأماكن غير المتضررة جراء الحرب أو العنف ما فتئ الموت والمرض يخلف خسائر مروعة في الأرواح. ويمكن النظر إلى هذا الوضع فقط كحالة طارئة جداًً مما يجعل من الضروري الاستجابة له بشكل شامل وعاجل. إذ إن الاعتماد فقط على الدعم غير المستقر للجهات المانحة أمر خطير وغير كاف. وعلينا إيجاد أساليب جديدة وإضافية لجمع موارد دخل متوقعة ومستدامة لأجل سد الفجوة.

ويشكل كل من النداء المستمر إلى منظمة طبية إنسانية مثل أطباء بلا حدود ونطاق تدخلاتنا علامات واضحة على الأزمة. ذلك أننا قدمنا خلال السنة الماضية فقط، العلاج المضاد للفيروسات الرجعية لنحو 160.000 شخص مصاب بفيروس نقص المناعة البشرية كما عالجنا أكثر من مليون شخص ضد الملاريا ولقحنا ما يقارب ثمانية ملايين شخص ضد التهاب السحايا.

ولاحظ أفراد فرقنا بأنفسهم كيف أنه ينبغي بذل المزيد. ورغم التعهد بخفض مستويات المجاعة إلى النصف تواصل الأزمة الغذائية إلحاق الضرر ببلدان مثل النيجر حيث فاقت معدلات سوء التغذية نسبة 15% التي شكلت عتبة الطوارئ في بعض المناطق. ويوضح مصير النساء والأطفال في بلدان مثل سيراليون، حيث تموت كل ثامن إمرأة أثناء وضعها حملها، إلى أي حد لا نزال بعيدين عن تحقيق الهدف المتعلق بخفض معدلات وفيات الأمهات والأطفال. ولا تزال الأمراض المعدية تسفر عن خسائر كبيرة في الأرواح في أماكن مثل ليسوتو أو سوازيلند حيث أن أكثر من خمس السكان البالغين مصاب بفيروس نقص المناعة البشرية.

ومع ذلك توجد وسائل منقذة للحياة بسيطة. وقد جعلت الأدوية الجديدة واختبارات التشخيص السريع علاج الملاريا الفعال مجدياً. وفي حالة فيروس نقص المناعة البشرية، لم تساهم تغطية العلاج العالية في بلدان مثل جنوب أفريقيا وملاوي فقط في إنقاذ الأرواح بل منعت أيضاً ظهور الإصابات الناهزة مثل السل كما أنها تساعد على التحكم في الوباء على مستوى السكان. وهذه هي المزايا الملموسة المنتشرة بين المجتمعات المحلية المترتبة عن تقديم العلاج للأشخاص في وقت مبكر. وقد شهدت برامج منظمة أطباء بلا حدود التي تعالج الأطفال المصابين بسوء التغذية بواسطة الغذاء العلاجي الجاهز للإستعمال نتائج جيدة إلى حد كبير كما أن منح الأغذية التكميلية للأطفال قبل موسم المجاعة، وهو ما نقوم به الآن في النيجر، بإمكانه خفض عدد الأطفال الذين يتعرضون لسوء التغذية الشديد. إن النهج المبتكرة مهمة هي أيضاً: وقد لاحظت منظمة أطباء بلا حدود كيف أن موظفي المجتمعات المحلية المعنيين بالملاريا في مالي أو جماعات المرضى المعنيين بالإيدز في موزامبيق قد يضيفون المزيد للنهج التقليدية وكيف أن إلغاء رسوم المستعمل لأجل توفير الرعاية الأساسية المجانية قد ساهم في الخفض السريع للوفيات في مشاريع منظمة أطباء بلا حدود القائمة في بلدان مثل جمهورية الكونغو الديمقراطية أو بورندي.

وبحكم أنني طبيب وقد عالجت مرضى مصابين بالسل في إثيوبيا وأمراض مهملة في الكونغو كما عملت في مجال صحة الأمهات والأطفال في آذربيجان، فقد لاحظت كيف أن المساعدة الدولية قد تحدث تغييراً هائلاً في حياة الأفراد. وفيما يتعلق بالعديد من الأمراض، فإننا نعرف احتياجاتنا للأنشطة المنقذة للحياة.

وإذا لم ينتفع المرضى من هذه التدخلات الفعالة وعوامل التقدم الأخرى فإن الأهداف الإنمائية للألفية المرتبطة بالصحة لن تتحقق. وبالفعل، تقدر منظمة الصحة العالمية أن هذه الأهداف من المحتمل ألا تتحقق، إذ أن تحقيقها يتطلب إنفاق حوالي 37 مليار دولار أمريكي سنوياً على الصحة أكثر مما ينفق اليوم. وهذا لا يشمل تكاليف البحث عن أدوية جديدة وتطويرها والتشخيص والتلقيح التي ما فتئت فرقنا العاملة في الميدان تدعو إليها بإلحاح لأجل الكشف عن المرض أو علاجه أو الوقاية منه.

ومع ذلك، في الوقت الذي نحتاج فيه للمزيد من الالتزام السياسي والمال فإننا نلاحظ حدوث عكس ذلك: فقد بدأت مساهمة المانحين المتعلقة بالصحة في عدة بلدان تتقلص عوض أن تزداد. وعاينت منظمة أطباء بلا حدود مرضى يغادرون العيادات بسبب تراجع المانحين عن تعهداتهم الأولى وتدني التزامهم بمكافحة فيروس نقص المناعة البشرية/الإيدز. ونجم عن ذلك أن علاج الإيدز أصبح يقنن فقط بالنسبة لأشد الأشخاص مرضاً كما أن مختلف الأولويات الصحية تتضارب فيما بينها بحيث يرغم المرضى على التنافس لنيل حصتهم. وإذا كان التمويل يخفض بالنسبة لوباء لا يزال يقتل مليوني شخص كل عام فإن المرء ليخاف مما قد يحدث بشأن مشاكل صحية أخرى تقل حدة انتشارها.

وبعد تعبئة مليار دولار بكل حزم بهدف إنقاذ القطاع المالي زعم المانحون بأنه لم يعد هناك مال لإنقاذ الصحة العامة وحفظ أرواح الملايين.

وفي الوقت الراهن أصبحت بعض الوكالات المتعددة الكبرى التي تمول البرامج الصحية في العالم النامي، مثل الصندوق العالمي لمكافحة الإيدز والسل والملاريا أو التحالف العالمي للقاحات والتحصين، تواجه أزمات نقدية لم يسبق لها مثيل تهدد قدرتها على إنقاذ الأرواح. وستنظم كلتا المنظمتان ’مؤتمرات التجديد‘ في مستهل الشهر القادم لجمع المال، لكن لا يحتمل أن تتوصلا إلى توفير ما تحتاجان إليه.

غير إن التمويل الدولي يبقى أساسياً كما أن على المانحين الوفاء بالإلتزامات السابقة. وقد يتخذ جمع أموال إضافية تخصص لتمويل الأولويات الصحية عدة أشكال وهناك مثال يوجد مسبقاً وهو الوكالة الصحية الدولية، المرفق الدولي لشراء الأدوية، والتي تمول البرامج الصحية بفضل ضرائب هزيلة تفرض على الرحلات الجوية. وسواء تعلق الأمر بضريبة صغيرة على المعاملات المالية أو فقط على المعاملات النقدية بإمكان آليات التمويل المبتكرة أن تساهم في جمع مبالغ مهمة يتم تحصيلها دون عناء.

وسبق لقادة العالم أن ناقشوا بعض الخطط مثل هذه. وقد اعتبر صندوق النقد الدولي مؤخراً أن هذه الخطط مجدية كما أن هناك دعماً قوياً من الاتحاد الأوروبي لإعتماد نفس الاقتطاعات الضريبية بعد نداءات ميركيل وساركوزي. لكن ليس من المؤكد أن جزءاً من هذه الموارد الجديدة سيخصص للصحة العالمية. إذ اقترح مؤخراً ستون بلداً مشاركين في المجموعة التي أنشأت المرفق الدولي لشراء الأدوية، ضريبة تضامنية عالمية على صرف العملات بحيث تخصص كل الأموال التي ستجمع لسد فجوة الصحة والتنمية.

وأمام قادة العالم الخيار لإثبات التزامهم حيال الصحة العامة والسعي لإيجاد سبيل لتمويل الوعود اتجاه الملايين من الأشخاص منذ عشر سنوات. ويتمثل صميم هذه المبادرة في القرار السياسي. وبصفة أطباء بلا حدود منظمة طبية إنسانية فهي تعي جيداً بأن نتيجة الجمود السياسي هي الموت الذي لا حاجة له.

الدكتور أوني كاروناكارا، الرئيس الدولي، منظمة أطباء بلا حدود

 

إدعم منظمة أطباء بلا حدود

تبرّع

العودة إلى الأعلى

تواصل معنا

  • شاهدنا على يوتيوب

حمولة