الأراضي الفلسطينية، نابلس: "عنف مستمر وغير متوقع"

سبتمبر 9, 2010

تبرّع
الأراضي الفلسطينية، نابلس: "عنف مستمر وغير متوقع"

لاحظت فرقنا العاملة في نابلس بالضفة الغربية بأنه، خلال السنة الأخيرة، تغيرت أسباب التوترات القائمة في المنطقة، حيث أصبح العنف مرتبطاً أكثر فأكثر بالتعايش الإجباري بين القرى الفلسطينية والمستوطنات الإسرائيلية المجاورة لها. فيما يلي، يروي لنا فريدريك أولمان، الذي كان منسقاً لمشاريع للمنظمة، عن تجربته التي دامت ثلاثة أشهر في نابلس، وعن تطور الوضع والاحتياجات التي تلبيها منظمة أطباء بلا حدود هناك.

ما نوع المشكل الحالي الذي تعاني منه نابلس اليوم، والذي يُبرّر الأنشطة التي تقوم بها منظمة أطباء بلا حدود هناك؟

منذ حوالي سنة، تغير مصدر العنف في نابلس. فإذا كانت هناك اليوم أعداد أقل من القتلى والجرحى بسبب النزاع الفلسطيني الإسرائيلي، خصوصاً المواجهات مع الجيش الإسرائيلي (انظر الإطار)، فإن الاحتكاكات بين الفلسطينيين والمستوطنين الإسرائيليين قد بدأت تتكرر بوتيرة أكبر، وبشكل أكثر عنفاً خصوصاً.

هناك حوالي 160 مستوطَنة رسمية و90 أخرى غير شرعية (غير معترف بها من طرف السلطات الإسرائيلية) في الضفة الغربية. وفي المجموع، هناك حوالي 450,000 مستوطن يعيشون وسط 2,5 مليون فلسطيني في الضفة الغربية. وحيث أن نابلس تؤوي العديد من المواقع المقدسة بالنسبة للديانة اليهودية، فإن هذه المنطقة تُمثل رهاناً حقيقياً بالنسبة لسياسة الاستيطان.

وتعتبر هار براخا (2,200 مستوطن اليوم، مقابل 150 سنة 1980) ويتزهار (حوالي 500 مستوطن) أهم المستوطنات في المنطقة. وهما تقعان في جنوب المدينة وتحيطان بالقرى الفلسطينية هناك، خصوصاً قرية البورين (2,200 ساكن) و عراق البورين (700 ساكن). وحالياً، وحسب مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية، فإن 75% من إجمالي الحوادث التي نشبت بين المستوطنين والفلسطينيين في الضفة الغربية قد وقعت داخل نطاق محافظة نابلس: الثلث في هار براخا، والخمس في يتزهار.

وحين تقع مثل هذه الحوادث، يلجأ الجيش الإسرائيلي أحياناً إلى اعتقال المستوطنين، ولكن ذلك يبقى نادراً. فحسب منظمة ييش دين الإسرائيلية لحقوق الإنسان، فإن 90% من التحقيقات التي تجريها السلطات الإسرائيلية عقب مشاكل يكون فيها المستوطنون طرفاً، تبقى معلقة دون متابعة...

ما هي طبيعة هذه الحوادث؟

منذ حوالي سنة، كانت 47% من تدخلات منظمة أطباء بلا حدود قد وقعت في نابلس، ثم في مخيمات اللاجئين. أما الآن، فإن 47% من تدخلاتنا تقع في قرى المنطقة، حيث توجد المستوطنات.

فالمستوطنون يقومون بهجمات على القرى وعلى المنازل المعزولة خصوصاً، حيث يعمدون إلى رمي الأحجار أو زجاجات مولوتوف الحارقة أو الرصاص أو حتى التهديد... كما يعمدون إلى تخريب الحقول وحرقها وجرف أشجار الزيتون وتلويث مصادر المياه... وفي المقابل، يتعرض المستوطنون والجنود الإسرائيليون للرشق بالحجارة والمواد الحارقة ولمظاهرات عنيفة، يرُدّ عليها الجيش باستعمال القوة. وكلها أعمال تتكرر بانتظام... فالتوتر قائم والوضع يتدهور بسرعة.

من هم المرضى الذين نعالجهم؟

إنهم في الغالب المزارعون والعمال والمياومون والعائلات التي تعاني من ضعف في المصادر المالية. كلهم سمعوا عن منظمة أطباء بلا حدود وعن الرعاية الصحية التي نقدمها من خلال محيطهم، إما عن طريق أحد أفراد عائلتهم أو جيرانهم. أما الباقون، فتحيلهم علينا باقي المنظمات غير الحكومية.

إنهم في معظمهم نساء وأطفال. ففي أقل من سنة، ارتفعت النسبة المئوية للأطفال الذين يعالَجون لدى أخصائيي علم النفس التابعين لنا من 30 إلى 60%. أما الرجال، فيصعب عليهم المجيء إلينا، حيث نتمكن من الوصول إليهم بعد أن نكون قد بدأنا في رعاية عائلاتهم.

مِمّ يعانون؟

من الأعراض التي تلي الصدمات*، الأرق، الإخفاق المدرسي، سلس البول بالنسبة للأطفال، الاكتئاب، مشاكل في السلوك، الذكريات، استحالة كبح مشاعرهم، انعدام الاستقرار، المشاكل العائلية...

يكمن الهدف وراء هجمات المستوطنين الإسرائيليين في إرغام العائلات الفلسطينية على الهرب والرحيل. إنه اعتداء متواصل وغير متوقع. فمثلاً، هناك عائلة نتعامل معها الآن تعرضت للاعتداء 95 مرة في ظرف سنة ونصف. إن مرضانا يعيشون في أجواء من القلق المستمر.

من بإمكانه اقتراح منظمة أطباء بلا حدود على هذه العائلات؟

عموماً، يعمل النظام الطبي والمساعدات الاجتماعية بشكل جيد داخل الضفة الغربية. فهناك أطباء نفسيون وأخصائيون في علم النفس يعملون داخل مدينة نابلس، ولكن منظمة أطباء بلا حدود تبقى المؤسسة الطبية الوحيدة في المنطقة التي تقدم خدمات الرعاية، انطلاقاً من مصحة العلاج النفسي، لفائدة السكان الذين يعيشون في المناطق القروية وضحايا التعايش الإجباري مع المستوطنات.

كما أن تدخلنا يتميز بالسرعة الكبيرة أيضاً: فأخصائيو علم النفس لدينا يتدخلون فوراً بمجرد أن يتعرض المريض لحدث عنيف ويأتي لطلب المساعدة. وبفضل العلاج النفسي، يمكننا علاج الأعراض التي يعاني منها وإعطاؤه "مفاتيح" تمكنه من الرجوع إلى حياة طبيعية وتمنعه من الانزلاق مرة أخرى حين يتعرض لحادث آخر. وفي مكان تتكرر فيه أعمال العنف باستمرار، فإن هذا العامل هو القيمة الإضافية الأهم التي تُميّزنا.

يقوم طبيبنا بمعالجة الإصابات الجسدية ثم يكمل العمل النفسي من خلال وصف العلاج العقلي حين تتطلب حالة المريض ذلك. كما أن المساعِدة الاجتماعية التابعة للمنظمة تحيل بعض العائلات الضعيفة على مؤسسات مساعدة أخرى: وزارة الصحة، الأونروا (مكتب الإغاثة وأعمال منظمة الأمم المتحدة الخاص بلاجئي فلسطين)، وغيرها.

ومازلنا نعاني من صعوبات في الوصول إلى بعض الشرائح من المرضى، خصوصاً ضحايا النزاع الفلسطيني الداخلي، الذين يعانون من العار. ونحن نحاول الوصول إلى أعداد أكبر من هؤلاء المرضى، ولكن هذا سيتطلب المزيد من الوقت...

ما هي آفاق التدخل بالنسبة لمنظمة أطباء بلا حدود في نابلس؟

في ظرف بضعة أشهر، نتمنى إطلاق فصل جديد في برنامجنا داخل منطقة قلقيلية غرب نابلس، حيث سنوظف لهذا الغرض أخصائي علم نفس فلسطيني إضافي. ويتمثل الهدف في رعاية العائلات الضعيفة والمعرضة للعنف والتي لا تستفيد من خدمات الرعاية النفسية في هذه المنطقة المعزولة والمحاصرة بالمستوطنات.

وستواصل منظمة أطباء بلا حدود الاستجابة للاحتياجات الطبية التي لم تتم تلبيتها بعد، وفي نفس الوقت ستسعى إلى تكييف أنشطتها مع تمليه الأوضاع هناك. وحسب برأيي الشخصي، فلا يبدو أن الوضع سوف يتحسن. فالمستوطنات مستمرة في التوسع والانتشار، ومشكلة الاستيطان في الضفة الغربية (خصوصاً في القدس الشرقية) أصحبت مصدراً حقيقياً للتوتر المحلي، بل وحتى الدولي.

* ردة الفعل النفسية التي تعقب وضعاً تعرضت فيه السلامة الجسدية و/أو النفسية للمريض و/أو محيطه للتهديد و/أو أُصيبت بالفعل.

برنامج منظمة أطباء بلا حدود وسياقه

فريدريك أولمان: "يتميز الوضع في الضفة الغربية بالهدوء عموماً. وما زال الجيش الإسرائيلي يُجري بعض الاعتقالات، خصوصاً أثناء الليل وفي مخيمات اللاجئين، حيث كانت هذه الأخيرة دائماً مسرحاً للتوتر. غير أن هذه الاعتقالات أصبحت نادرة وأصبحت أكثر دقة وتحديداً للأهداف. كما أن عدد التوغلات قد تقلص هو الآخر، بينما بقيت جميع نقاط الولوج الرئيسية للمدن الكبرى خاضعة لنقاط التفتيش، وإن لم تعد هناك أية حواجز عسكرية داخل المدينة. ولا تعاني المنظمات غير الحكومة وفرق منظمة أطباء بلا حدود من أية مشاكل كبيرة أثناء التنقل، ولكن الأمر ليس كذلك بالنسبة لمعظم السكان الفلسطينيين.

في نابلس (200,000 ساكن)، تدير السلطة الفلسطينية الشؤون الأمنية، ويبقى النظام مستتباً. أما الجيش الإسرائيلي، فقد غادر المركز الحضري ليتمركز في أبواب المدينة. وبالتالي، أصبحت الوضعية والحياة "منتظمتين". المتاجر مفتوحة والتجارة قائمة والبضائع رائجة. ولكن، في المقابل، يبقى معدل البطالة مرتفعاً جداً، حيث وبالرغم من النمو الاقتصادي، يبقى العمل الدائم بعيد المنال والعديد من الشباب الفلسطيني من أصحاب الشهادات الجامعية لا يجدون فرصاً للعمل".

تدير منظمة أطباء بلا حدود في نابلس منذ سنة 2004 برنامجاً للرعاية النفسية الطبية الاجتماعية لفائدة السكان الذين يعانون من الصدمات النفسية المرتبطة بالنزاعات المسلحة، سواء الداخلية منها أو الخارجية. وتحاول فرقنا معالجة المعاناة النفسية لهؤلاء المرضى (من خلال حصص علاج قصيرة، من 5 إلى 10 حصصاً، حسب الحاجة). وخلال ستة أشهر التي تشكل مدة المهمة، يعمل أخصائي علم النفس على رعاية حوالي ثلاثين مريضاً، بينما نتعامل مع ما يقارب 300 ملف جديد من الحالات النفسية التي نقوم برعايتها سنوياً. وفي سنة 2009، استفاد 301 مريضاً من العلاج النفسي، وقدّمنا 2100 استشارة نفسية.

إدعم منظمة أطباء بلا حدود

تبرّع

العودة إلى الأعلى

تواصل معنا

  • شاهدنا على يوتيوب

حمولة