تجاوز الممنوع، رسالة من الداخل

نوفمبر 4, 2010

تبرّع
تجاوز الممنوع، رسالة من الداخل © Asia Kambal/MSF

في مجتمعات بورتسودان، غالباً ما يدخل الحديث عن الصحة الإنجابية في نطاق الممنوع. ولكن، مع شروع أفراد المجتمع في القيام بدور ريادي في تعزيز الوعي بأهمية الصحة، بدأت الأمور في التغير وبدأ الناس يتحدثون عن الموضوع بطريقة أكثر انفتاحاً. مما يجعل الفرق الطبية لمنظمة أطباء بلا حدود على ثقة كاملة بأن العمل الذي بدأوه في مستشفى التقدم في عاصمة ولاية البحر الأحمر في سنة 2005، والمتمثل في توفير خدمات الرعاية الصحية الإنجابية المجانية، سوف يستمر تحت إشراف وزارة الصحة حين ستستلم هذه الأخيرة المشروع من يد منظمة أطباء بلا حدود مع نهاية العام 2010.

تحت السماء الزرقاء وأمواج البحر الأحمر المالحة التي تترامى على الشاطئ بالقرب منا قابلنا العم تيته، وهو جَدٌّ و له أحفاد، وما زال يعمل مرشداً صحياً، إلى جانب كونه أحد زعماء قبيلته من البجا في محيط بورتسودان. وما زال العم تيته يتذكر تلك الأيام التي كان الناس فيها يسخرون منه ولا يقبلون كلامه: "كانوا يقولون لي: احترم شيبك، وذلك لأنني كنت أتحدث بصراحة عن الآثار الطبية لختان الاناث".

العم تيته هو عضو في فريق مُكوّن من عشرة مرشدين صحيين، ثمانية من النساء ورجلان، يعملون في وحدة للصحة الإنجابية بمدينة بورتسودان تدعمها منظمة أطباء بلا حدود¬؛ المنظمة الدولية الناشطة في مجال العمل الطبي الإنساني. وتقدم منظمة أطباء بلا حدود خدمات مجانية للنساء ومواطنى بلدة التقدم وجوارها، حيث لا تتوفر في هذه المنطقة خدمات الرعاية الصحية الإنجابية لمعظم السكان.

وخلال الثلاث سنوات الأخيرة، دأب المرشدون الصحيون التابعون لمنظمة أطباء بلا حدود على طرق أبواب المنازل بوتيرة خمسة أيام في الأسبوع، حيث يزورون الناس في بيوتهم ويناقشون معهم قضايا الصحة العامة والصحة الإنجابية باللغتين البجاوية والعربية. ويتحدثون مع الناس عن مواضيع شتى، مثل فوائد الولادة في المستشفى وتنظيم الأسرة وفوائد الرضاعة الطبيعية والأمراض المنقولة جنسياً والتطعيم بالإضافة إلى الموضوع الحساس وهو ختان الاناث.

في سنة 2006، تعرضت حوالي 69% من النساء في السودان عموماً، و 80% من النساء في ولاية البحر الأحمر إلى أحد أنواع الختان . وفي بلدة التقدم والمناطق المجاورة كانت المعدلات أعلى بكثير، إذ وصلت نسبة ختان الاناث بأحد أشكاله إلى 98% .

وتعاني نساء بلدة التقدم والمناطق المجاورة لها من أكثر أنواع الختان ضرراً وهو النوع الثالث أو ما يعرف بالختان الفرعوني وفي هذا النوع تتم إزالة الأعضاء التناسلية الخارجية للأنثى اضافة الى ما يسمى بالختان التخييطي أو خياطة ما تبقى من الشفرين الكبيرين، بحيث لا يتبقى سوى فتحة صغيرة لخروج البول والحيض. وغالباً ما تُجرى هذه العملية المؤلمة جداً على الرضيعات ومنهن من بلغن بالكاد سبعة أيام من العمر. وتؤثر هذه العملية على الأنثى منذ الصغر قبل أن تبلغ سن المراهقة ومرحلة الرشد، دعك من العواقب الوخيمة التي تحدث في مرحلة الأمومة.

ويحاول المرشدون الصحيون لدى منظمة أطباء بلا حدود شرح ما يمكن أن يحصل للفتيات الصغيرات وحتى النساء البالغات، اللواتي تعرضن لهذه العملية، من نزيف مميت أو إصابات قاتلة بالعدوى مثل الكزاز. كما أنهن غالباً ما تنمو لديهن تكيسات، إلى جانب الآلام الشديدة أثناء فترة الحيض والإلتهابات المتكررة فى المسالك البولية. وهناك العديد من النساء اللواتي يعانين من آلام مبرحة أثناء الجماع. أما إذا ما حدث لهن الحمل وحان وقت الولادة، فإنهن عادة ما يعانين من مخاض طويل، مما يزيد من احتمال حدوث مخاطر صحية على المولود.

تقول ميدلين غيفارا، طبيبة النساء والتوليد لدى منظمة أطباء بلا حدود: "إننا نجد الخراجات والتكيسات حتى لدى الفتيات الصغيرات، أما بالنسبة للمواليد القادمين، فإننا نشرح للأمهات كل المضاعفات الصحية المحتمل ظهورها بسبب الختان".

تُجرى عملية إزالة التخييط، أو إزالة خياطة الشفرين الخارجين، للمرأة التي خضعت للختان التخييطي أثناء تحضيرها للولادة. ولا تقوم طبيبة النساء والتوليد لدى منظمة أطباء بلا حدود بإعادة التخييط بعد الولادة لما لذلك من عواقب صحية خطيرة.

مما لا شك فيه أن المعاناة فى الحياة كأنثى مختونة تكون كبيرة. تقول مزنة، وهى واحدة من آلاف النساء اللواتي اخترن الولادة في وحدة الصحة الإنجابية التابعة لمنظمة أطباء بلا حدود: "أشعر بأن جهازي غيرمكتمل لأن عائلتي ختنتني، ولكن لدي شعور أفضل الآن لأنني لم أعد "مغلقة" (حالتى لم تعد ختاناً تخييطياً)".

وبما أن ختان الاناث عادة متجذرة في تقاليد وأعراف الناس في منطقة التقدم وجوارها، فإن دور المرشدين الصحيين وهم من سكان المنطقة ذاتها وتابعين لمنظمة أطباء بلا حدود يبقى حيوياً في توعيتهم ونقل الرسائل الطبية الخاصة بهذا الموضوع إليهم. وفي البداية، كان البعض يعتقد أن المرشدات الصحيات لسن سوى مجرد متسولاّت، بينما أُتهم الفريق الصحي بالوقاحة وقلة الحياء لتجرئه على الحديث عن قضايا الصحة الإنجابية. وعلى الرغم من الانتقاد الشديد الذي واجهوه، فقد صمد هؤلاء المرشدون واستمروا فى نشر رسائلهم الصحية المهمة. ومع مرور الوقت، استطاع المرشدون الصحيون كسب اهتمام القليل من الناس وشرعوا في خلق مجموعات نقاش للحديث عن مختلف القضايا الصحية.

تقول عوضية صديق، وهى مرٍشدة نفسية تابعة لمنظمة أطباء بلا حدود: "في كل مرة كانت تأتي إلينا امرأة ونكسب ثقتها، كنا نحرص حينها على إعطائها معلومات وافية لنعينها على اتخاذ خيار حكيم فيما يختص بصحتها".

وأصبح الناس الآن يشاركون المرشدين الصحيين والفريق الاستشاري الحديث عن مزايا الولادة فى المستشفى وعن المضار الصحية للختان فضلاً عن الأمراض المنقولة جنسياً وتنظيم الأسرة. وقبل ثلاث سنوات ، كانت هذه الفكرة تبدو وكأنها ضرب من الخيال.

ويتعاون فريق الإرشاد الصحي مع بقية أفراد المجتمع، بمن فيهم أئمة المساجد فى المنطقة وزعماء القبائل وأهل الفن، من أجل توصيل الرسائل المرتبطة بالقضايا الصحية وإذكاء الوعي بشأن الأمراض المنقولة جنسياً والآثار الصحية السلبية لختان الاناث.

وينتمى معظم سكان منطقة التقدم وجوارها إلى البجا. وقبل افتتاح وحدتها الخاصة بالصحة الإنجابية التابعة لمنظمة أطباء بلا حدود، وهى الوحيدة في المنطقة، كانت معظم النساء يلدن في بيوتهن بمساعدة قابلة تقليدية. أما اليوم، فهناك المزيد من النساء اللواتي يفضلن الولادة في المستشفى.

بالتعاون مع وزارة الصحة، تقوم منظمة أطباء بلا حدود بتوفير أنواع مختلفة من الخدمات المجانية في وحدة الصحة الإنجابية، تشمل الرعاية اثناء فترة الحمل والمتابعة ما بعد الولادة وخدمات التوليد وتنظيم الأسرة بالإضافة إلى علاج الأمراض المنقولة جنسياً والاستشارات المتعلقة بها، وغيرها من الخدمات الاستشارية. وفي بداية هذا العام، أنشأت منظمة أطباء بلا حدود غرفة عمليات وجهزتها بالمعدات من أجل مساعدة النساء فى عمليات الولادة المعقدة وعمليات الجراحة القيصرية. وقد أجرت الفرق الطبية في مستشفى التقدم 54 عملية قيصرية وساعدت في إجراء 1500 حالة ولادة وذلك منذ شهر يناير/كانون الثاني 2010.

وفي شهر سبتمبر/أيلول 2010، قامت المنظمة الوطنية السودانية لمحاربة العادات الضارة بتنظيم دورة تدريبية لفريق الإرشاد الصحي من أجل تعزيز مهارات أفراده. ومع نهاية هذا العام، سوف تقوم منظمة أطباء بلا حدود بتسليم وحدة الصحة الإنجابية إلى وزارة الصحة، التي ستواصل مشوار المساعدة لنساء منطقة التقدم وجوارها.

تعمل منظمة أطباء بلا حدود في السودان منذ سنة 1979، وهي تقوم حاليا ًبإدارة مشاريع في كل من واراب، وجونقلي، وأعالي النيل، والوحدة، وغرب وشمال بحر الغزال، وغرب الاستوائية، والاستوائية الوسطى، بالإضافة إلى المناطق الانتقالية فى أبيي وجنوب وشمال دارفور والبحر الأحمر والقضارف.

أطباء بلا حدود هي منظمة طبية وإنسانية غير حكومية، تنشط في أكثر من 70 بلداً. وتُقدم المنظمة خدمات المساعدة الإنسانية لضحايا الكوارث والأزمات اعتماداً على تقييمات محايدة ونزيهة للاحتياجات، وذلك بصرف النظر عن الدين أو العرق أو الاعتقادات السياسية.

إدعم منظمة أطباء بلا حدود

تبرّع

العودة إلى الأعلى

تواصل معنا

  • شاهدنا على يوتيوب

حمولة