"الاحتياجات الصحية ستشهد ارتفاعا": منظمة أطباء بلا حدود في أفغانستان

نوفمبر 23, 2010

تبرّع
"الاحتياجات الصحية ستشهد ارتفاعا": منظمة أطباء بلا حدود في أفغانستان © Ton Koene

بعد مرور عام على استئناف منظمة أطباء بلا حدود العمل من جديد في أفغانستان، يعرض ممثلها في البلاد، ميشيال هوفمان، بعض الخيارات والتحديات ويسلط الضوء على مستقبل منظمة أطباء بلا حدود في أفغانستان.

استأنفت منظمة أطباء بلا حدود عملها في أفغانستان في منتصف عام 2009، بعد غياب دام خمسة أعوام بسبب تدهور الوضع نتيجة النزاع. كيف كان تقييم المنظمة للوضع وكيف أثر ذلك في استجابتها الطبية؟

في أفغانستان، كما هو الحال في معظم أوضاع النزاع، يفترض أنّ انعدام الأمن سينعكس على حالة السكان الصحية وعلى توفير خدمات صحية هشة. لذا، انصب اهتمامنا الأول على المناطق التي احتدم فيها القتال وطال. ففي فترات الحرب، كما هو الحال في أفغانستان، يصعب، وأحياناً يستحال، الحصول على أية معلومات موثوق فيها. بيد أنّه سرعان ما بدا جليّاً، في المناطق الأكثر تأثراً بالنزاعات، أنّ الآثار المعتادة كانت حتماً بارزة: فقد أصبحت العديد من العيادات الصحية الريفية عاطلة عن العمل حيث غادر الموظفون الصحييون المؤهلون المناطق غير الآمنة، كما أضحى من الصعب توفير الأدوية والأدوات الطبية. وعلاوة على ذلك، لم يعد الناس قادرين على الوصول إلى مرافق الرعاية الثانوية إذ أنّ انعدام الأمن حال دون سفر العديد من الأفغان بحرية. ولمّا كان هذا الانقطاع في توفير الرعاية الصحية الأساسية سيزداد ويتفاقم طالما استمر النزاع، قرّرت منظمة أطباء بلا حدود التركيز على المناطق التي يحتدم فيها النزاع، فضلاً عن الاهتمام أكثر بالرعاية الثانوية على غرار الجراحة ورعاية الأمومة حيث يتم توفير الرعاية الطبية المنقذة للحياة الأكثر أهمية.

كان من الضروري بالنسبة لمنظمة أطباء بلا حدود الحصول على موافقة الأطراف المعنية بالنزاع من أجل الوصول إلى المناطق التي تعمل فيها الآن. لماذا كان هذا الخيار واقعياً ونابعاً عن مبادئ؟

تختار منظمة أطباء بلا حدود، وفقاً لمبادئها، العمل بحياد تام، أي أنّ جميع خياراتنا تستند إلى احتياجات المرضى وهو مبدأ راسخ في كل من القانون الدولي الإنساني وأخلاقيات مهنة الطب. ففي مناطق النزاع، يتعين الالتزام بالحياد التام لكي يستطيع المرضى الوثوق في أنّ العلاج الذي يتلقوه يُحدّد فقط وفقاً لاحتياجاتهم الطبية من دون أي أجندة سياسية أو عسكرية وراء ذلك. وهذا يعني أنه يتعين على جميع الأطراف المتنازعة أن توافق على عدم التدخل في الخيارات الطبية ولا في المرضى أو الموظفين كما يتعين أن توافق على عدم استهداف مرافقنا الصحية. وفي المقابل، تلتزم منظمة أطباء بلا حدود بعدم استخدام مواردها لفائدة الجهود العسكرية لأي طرف من الأطراف المتنازعة. ويتسم هذا الاتفاق بالواقعية فهو يستند إلى المفاوضات المباشرة مع جميع المتخاصمين لضمان الحياد في مناطق النزاع. وفي أفغانستان، تضم الاطراف المتنازعة كل من الجيش الأفغاني والشرطة الأفغانية والجيش الامريكي والجيش البريطاني في هلمند والجيش الألماني في كندوز ومجموعات معارضة محتلفة على غرار الطالبان. وإنّه من الضروري ضمان أنّ منظمة أطباء بلا حدود تتعامل مع جميع هذه الجماعات المسلحة بالطريقة نفسها تماما.ً وهذا ممكن لأن استقلالية المنظمة، خاصة فيما يتعلق بالتمويلات، تضعها في مركز يخوّل لها رفض الحصول على التمويل من أية حكومة. ولمّا كانت العديد من الحكومات متورطة في الحرب في أفغانستان فإنّ الاستقلالية المالية التامة تعد أمراً ضرورياً لضمان قبول حياد منظمة أطباء بلا حدود.

تتوخى منظمة أطباء بلا حدود سياسة "ممنوع إدخال الأسلحة" في المرافق الصحية التي تعمل فيها. هل هذا الأمر غير مألوف في سياق مثل أفغانستان، ولماذا تعد هذه السياسة جدّ مهمة؟

إنّ أوضح نتيجة توصلنا إليها مع جميع الأطراف المتنازعة هي اتفاق يقضي بتوخي سياسة صارمة تتمثل في "منع إدخال الأسلحة". إذ من أجل سلامة المرضى، من الضروري عدم وجود مسلحين داخل المستشفى ولا في الجوار حيث أنّ تواجد أي شخص مسلّح يعني أنّ المرفق أصبح هدفاً للحرب. وفي أغلب حالات النزاع، يتم تفهّم هذا المبدأ بوضوح، كما أنّه تم ترسيخ سياسة "ممنوع إدخال الأسلحة" في المستشفيات والمراكز الصحية كجزء لا يتجزأ من عملية توفير الرعاية الصحية في مناطق النزاع. أمّا أفغانستان، فهي حالة غريبة حيث أنّها المرّة الأولى التي شهدت فيها حضوراً مكثّفاً لمسلّحين داخل المرافق الصحية بمن فيهم القوات الدولية وأعوان الحرس الخاص وأعوان الشرطة المحلية والجيش المحلي وغيرهم من المسّلحين الذين لم يتم تحديد هويتهم بعد. ففي وضع كهذا، يستحيل التماس من الأطراف المحاربة التوقف عن شن هجمات على المستشفى.

ما هي أهم التحديات التي واجهتها منظمة أطباء بلا حدود في تنفيذ أنشطتها خلال العام الماضي؟

تمثلت الصعوبة الأساسية التي واجهناها في إعادة بناء بنية تحتية تابعة لمنظمة أطباء بلا حدود في أفغانستان لكي نتمكن من خلالها تنفيذ برامجنا. إذ يقتضي العمل في أي مكان الحصول على قاعدة متينة تضم موظفين وإمدادات، وبما أنّ المنظمة أغلقت كلّ شيء عندما غادرت البلاد في عام 2004، اضطررنا إلى استئناف العمل من جديد منذ البداية. وفي الوقت ذاته، أفادت التقييمات الأولى التي قمنا بها بوجود احتياجات واضحة وبالتالي كان أي تأخير حتمي في توفير الرعاية الصحية، التي بدا جليّاً أنها مفقودة، يوهن العزائم. وهناك أيضاً العديد من الصعوبات الأخرى بيد أنّها جزء لا يتجزأ من العمل في منطقة نزاع ألا وهي: القيود التي يفرضها الوضع الأمني، ومختلف الأطراف المتنازعة التي يجب أن توافق على عملنا الطبي، وعدم الاستقرار السياسي الذي يؤدي إلى انتشار الفساد والبيروقراطية غير الحكيمة والذي يحول فعلاً دون دخول الإمدادات الطبية للبلاد. فتمثل كلّ هذه العوامل خليطاً معقّداً من التحديات.

ما هي بعض العراقيل التي يواجهها الأشخاص لدى محاولتهم الوصول إلى المرافق الصحية على غرار مستشفى بوست الواقع في إقليم هلمند؟ وكيف تعتزم منظمة أطباء بلا حدود الاستجابة لهذا الأمر؟

من خلال ما يخبرنا إياه المرضى، يبدو أنّ أكبر عائق أمام سكان هذه المنطقة يكمن في انعدام الأمن. فقد يكون السفر ولو لمسافة قصيرة شاقاً وباهظ الثمن حيث أنّ تكاليف وسائل النقل ارتفعت نتيجة انعدام الأمن. كما تتمثل العوامل الأخرى في كون الخدمات التي يوفرها المستشفى تكون إمّا مجهولة أو غير موثوق فيها. وهذا يعني أنّ الناس يفضّلون الذهاب إلى العيادات الخاصة أو إلى باكستان. وما أن تتوصّل منظمة أطباء بلا حدود إلى أخذ فكرة جيدة عن أهم العراقيل التي تحول دون حصول الأشخاص على الرعاية الصحية في المناطق الأكثر خطراً، فإنّنا نعتزم تكريس المزيد من الجهود من أجل وضع أنظمة الكشف المبكر للمرض والإحالة الآمنة للمرضى. ويعد الاكتشاف المبكر للمرض عنصراً هاماً فحتى الأشخاص الذين يتمكنون من الوصول إلى المستشفى، غالباً ما يصلون بعد فوات الأوان، فهم يقررون المجازفة بالسفر فقط عندما تصبح الحالة الصحية لأقاربهم ميؤوس منها.

تعمل منظمة أطباء بلا حدود في مستشفى أحمد شاه بابا، في ضواحي كابول الشرقية. لما وقع الاختيار على هذا المركز الحضري المستقر نسبياً لتوفير الرعاية الصحية؟

لقد ارتفع عدد السكان في كابول بشكل ملحوظ خلال العقد الماضي، من حوالي مليون ساكن ليصل إلى بين ثلاثة وخمسة مليون ساكن اليوم. ويرجع هذا بالأساس إلى انعدام الأمن حيث أنّه هناك العديد من المشردين والعائدين من مخيمات اللاجئين الأفغان الموجودة في باكستان وإيران إضافة إلى الأشخاص الذين قدموا إلى العاصمة لأسباب اقتصادية. ووجدنا في كابول أيضاً ما يشار إليه غالباً "بالسيرك الإنساني" أي حضور حوالي 800 1 منظمة غير حكومية وعدد من وكالات الأمم المتحدة. وعلى الرغم من وجود هؤلاء العاملين في مجال المساعدة الإنسانية، يتلقى السكان في كابول مساعدة بسيطة. ويبدو أنّ ذلك نتيجة منطق "مكافحة العصيان" الذي ينص على أنّ المساعدة التي تقدمّها عادة الأمم الغربية تتبع المنطق العسكري للقوات الغربية. وهذا يؤدي إلى تخصيص المساعدة المالية التي يوفرها أي بلد إلى المناطق التي تتمركز فيها القوات التابعة لهذا البلد. وليس هناك حضور كبير للقوات الغربية في كابول إذ أنّها ليست موضع النزاع. وبالتالي، لا تملك المنظمات غير الحكومية ووكالات الأمم المتحدة، التي يعتمد معظمها على تمويلات الغرب، الأموال لتنفيذ بعض البرامج هناك. ولهذا السبب، قرّرت منظمة أطباء بلا حدود العمل في كابول من أجل تلبية احتياجات أكثر المجموعات هشاشة على غرار المشردين والعائدين.

أصبحت المناطق التي لم يطلها النزاع سابقاً غير مستقرة وعرضة للعنف خلال العام الماضي. هل يؤثر ذلك على عمل منظمة أطباء بلا حدود؟

لقد عدنا إلى أفغانستان للتركيز على المناطق المتضررة جراء النزاع. وكون الحرب شملت أغلب أرجاء البلاد يعني أنّ الاحتياجات الصحية ستتزايد وبالتالي ستكون الحاجة ماسة لحضورنا. وفي عام 2009، ركّزنا على الجزء الجنوبي والشرقي من أفغانستان بما أنّ معظم المناطق الشمالية والغربية كانت أقل تضرّراً من انعدام الأمن. أمّا اليوم، فعلينا البحث على المزيد من الأماكن للعمل فيها. وقد تكون عملية بدء أنشطة طبية في أماكن جديدة أمراً معقّداً. ومن أجل الحفاظ على حيادنا وحماية موظفينا المحليين من الضغوط التي قد يواجهونها من طرف الجماعات والأطراف المحاربة، نحن في حاجة لموظفين أجانب في الميدان. ويتطلب هذا الأمر التوصل إلى اتفاقات واضحة مع جميع الأطراف المحاربة غير أنّ ذلك يتطلب وقتاً طويلاً. ومع اقتراب نهاية عام 2010، هناك فريق صغير تابع لنا في محافظة قندوز بصدد التفاوض حول إمكانية إنشاء مشروع صحي تابع لمنظمة أطباء بلا حدود في المنطقة.

في أفغانستان، تدعم منظمة أطباء بلا حدود حالياً مستشفى بوست في إقليم لاشكرجاه وكذلك مستشفى أحمد شاه بابا الواقع شرقي كابول. وتهدف منظمة أطباء بلا حدود في كلا المستشفيين إلى توفير الرعاية الطبية المنقذة للحياة مجاناً من خلال استخدام أدوية ناجعة والعمل في مختلف المجالات بما فيها رعاية الأمومة وطب الأطفال والجراحة وغرف الطوارئ.

وتختار منظمة أطباء بلا حدود أن تعتمد حصراً على التبرعات الخاصة لتمويل عملها في أفغانستان ولا تقبل أي تمويل من أية حكومة.

في عام 2011، ستوسع منظمة أطباء بلا حدود عملها الطبي ليشمل بقية الأقاليم المتضررة نتيجة النزاعات.

 

إدعم منظمة أطباء بلا حدود

تبرّع

العودة إلى الأعلى

تواصل معنا

  • شاهدنا على يوتيوب

حمولة