النيجر بين موسمين من الجوع

يناير 28, 2011

تبرّع
النيجر بين موسمين من الجوع © Yann Libessart/MSF

على الرغم من استجابة منظمة أطباء بلا حدود و العديد من المنظمات الأخرى للأزمة الغذائية على نطاق واسع، عانى عشرات الآلاف من الأطفال من سوء التغذية في النيجر في العام 2010. وعلى الرغم من تحسن المحاصيل، من المتوقع أن يكون العام 2011 عاما حاسما. فسافرت إلى منطقة زيندر الواقعة شرقي البلاد.

منذ حوالي مائة سنة، شيّد والد سالوف كينا (80 سنة) قرية غيزا الصغيرة، التي تبعد ثلاث ساعات بالسيارة من شرقي زيندر، العاصمة السابقة للنيجر. وقال سالوف بصوت متلعثم: "كان والدي يرعى أبقاره في أرض جديدة وقرر الاستقرار هنا مع عائلته. كان هناك الكثير من الخضرة والمياه هنا في ذلك الوقت. لقد عشت دائما هنا، ولكن هذا العام [2010] هو الأسوأ". اليوم، تمثل غيزا التي تضم 2000 نسمة، خليطا من أكواخ من الطين بُنيت على طول الشوارع الرملية، حيث تلقي شجرة غريبة بظلال نادرة. وفي المنطقة المحيطة، تعطي بعض حقول الدُخن المكسوة بالشجر القصير الذي تُرك بعد موسم الحصاد الأخير للتلال طابع الإهمال.

وكان نجل سالوف كينا، ويدعى أبوكار، واحد من حكماء القرية لأكثر من خمسين عاما. ويقص أبوكار، وهو أيضا رئيس حي، الفترة العجاف الرهيبة التي عرفها سكان غيزا في 2010 : "في نهاية العام 2009، كانت المحاصيل سيئة جدا، ولم تحصد بعض العائلات أي شيء على الإطلاق بسبب الجفاف. ولمّا نفذ مخزون الناس ولم يكن باستطاعتهم اقتراض أي شيء، غادروا القرية - الشباب في البداية، حيث ذهبوا للعمل في نيجيريا، ثم عائلات بأكملها. وخلال الفترة بين مايو/أيار وسبتمبر/تشرين الأول، هرب أكثر من نصف الاهالي من القرية تاركين وراءهم النساء والأطفال الصغار وكبار السن". وفسّر قائلا: "نحن في مكان بعيد عن كل شيء، وعدد قليل من الناس يهتمون بنا. فإذا لم تقم منظمة أطباء بلا حدود بإنشاء مركز للتغذية في المركز الصحي، فإنّنا كنّا غادرنا القرية جميعا وتركناها تموت نهائيا...".

يعدّ مركز الصحة المتكاملة في غيزا من أحد المباني الملموسة الوحيدة في القرية. وقد رحّب بقدومنا الشاب ماماني بشير، مدير المركز. خلال هذه الفترة ، أواخر ديسمبر/ كانون الأول، تم إجراء بعض المشاورات، فقامت منظمة أطباء بلا حدود بجمع المركز الخاص بالتغذية والتعليم وإعادة التأهيل للمرضى الخارجيين الذين يعانون من سوء التغذية الحاد . فمن الصعب أن نتصور أن حوالي 300 طفل كانوا يتلقون العلاج في هذا المكان من قبل فريق منظمة أطباء بلا حدود. ويفسر ماماني بشير قائلا:"إن الأمطار هطلت في وقت مبكر جدا هذا العام وتفاقم وضع المصابين بسوء التغذية بسبب الملاريا التي أصابت الأطفال الأكثر ضعفا. وفي آب / أغسطس الماضي، قمنا بمعالجة حوالي 600 طفل، مقارنة بمجرد مائة طفل أو نحو ذلك في أغسطس/آب 2009. ويعود ذلك أيضا إلى حضور منظمة أطباء بلا حدود التي تكفل عدم نفاذ الأدوية والأغذية العلاجية."

في نهاية كانون الأول / ديسمبر، ظل في زيندر وفي ماغاريا، وهما أبرز مدينتين في هذه المنطقة من النيجر ، نحو 200 طفل راقدين في مراكز الاستشفاء المكثف التي وضعتها منظمة أطباء بلا حدود لاستقبال أخطر حالات سوء التغذية. ومع ذلك، فإن هذه المرافق –وهي عبارة على صفوف من الأسرة تحت خيام كبيرة -- تبدو الآن فارغة نسبيا. ففي ذروة الأزمة الغذائية أي خلال الفترة بين آب / أغسطس وأيلول / سبتمبر، تمت معالجة أكثر من 800 طفل هناك، معظمهم كانوا على حافة الموت.

أخذت كليمة، البالغة من العمر 32 سنة وأم لأربعة أطفال ، دجاميلو وهو أصغر أطفالها، يبلغ من العمر 15 شهرا، إلى مركز زيندر في أوائل ديسمبر/ كانون الأول. وكان قد خسر الكثير من الوزن. قام الطبيب التابع لأطباء بلا حدود بفحصه وأعلن أنّه مصاب بفقر الدم والملاريا في آن واحد. بعد أن وضعوا له فورا التنقيط ثم أعطوه الأغذية العلاجية، اكتسب تدريجيا الوزن. وبعد مرور أسبوعين، صار يبتسم ويلوّح بيديه عندما يتحدث إليه شخص ما. وتوضح كليمة بارتياح قائلة: "قريبا سنكون قادرين على العودة إلى القرية. لكن كان من الصعب جدا خلال هذا العام تغذية الأطفال؛ لم يكن هناك سوى حفنة قليلة من الدخن للعائلة بأكملها...".

يؤكد الدكتور عيسى موسى جبريل، رئيس المركز في مغاري، قائلا"لسوء الحظ، حطّم العام 2010 كل الأرقام القياسية. فحصنا منذ يناير 2010 أكثر من 6,200 طفل. وفي نهاية آب / أغسطس ، رقد حوالي 500 طفل في المستشفى، ونحن قد خططنا لتوظيف وتدريب موظفين طبيين، ولكن الوضع كان سيئا بحيث اضطررنا إلى توظيف الناس محليا وتدريبهم على العمل. في ذروة أزمة سوء التغذية، عمل 280 شخص مع منظمة أطباء بلا حدود في المركز. بيد أنّنا شهدنا وفاة العديد من الأطفال –133 وفاة في أيلول / سبتمبر فقط - من الذين جاؤوا إلينا في حالة غذائية يائسة وغالبا ما كانوا يعانون من الملاريا ".

 ومع ذلك، كان العام 2010 أيضا عام تعبئة لم يسبق لها مثيل لمكافحة المجاعة في النيجر. فقد جعلت الحكومة، وليدة انقلاب عسكري في بداية السنة، الأمن الغذائي من أهم شواغلها، ودعت المنظمات الدولية لتقديم المساعدة. وبالتالي،قدم عدد من المنظمات ، بما فيها منظمة أطباء بلا حدود، دعما واسع النطاق لمرافق الرعاية وتنفيذ استراتيجيات وقائية واسعة النطاق، تستند بشكل خاص على المكملات الغذائية المناسبة، مما يجعل الحد من الأضرار أمرا ممكنا.

ويوضح باتريك باربييه، رئيس بعثة أطباء بلا حدود في النيجر، قائلا: "إننا لا نجرؤ على تخيل ما كان سيحدث لو لم يتقدم أحد للمساعدة. لكن ما يقلقنا اليوم هو أنه على الرغم من توفر بعض المحاصيل الجيدة في نهاية العام 2010، قد يكون العام 2011 محفوفا بالمخاطر، في سياق الفقر المدقع، يكون في كثير من الأحيان فيه مع عدم الحصول على الرعاية الصحية. في معظم مناطق البلاد، تعاني الأسر بشكل كبير من الديون، ويجب أن تسدّد الآن، بعد الحصاد، ثلاثة أو أربعة مكاييل من الدخن لكل اثنين تم اقتراضها. وبالإضافة إلى ذلك، تم تخفيض أصول الثروة الحيوانية للعديد من الأسر من قطيع كامل في بداية السنة لبعض الماعز والأغنام لا غير.ويتعين أن تظل المنظمات الدولية ووكالات المعونة يقظة للغاية وعليها أن تستعد للتدخل على نطاق واسع مرة أخرى في العام 2011. "

في غيزا، بلغ حفيد سالوف كينا وهو أيضا ابن أبوكار سن العشرين ولكنّ وجهه يبدو كما لو كان رجلا عجوزا. في غضون بضعة أيام، سيذهب إلى نيجيريا لبيع الشاي في الشارع، لتمكين عائلته من البقاء في القرية وعلى أمل أن الحياة هناك لا تزال ممكنة.

إدعم منظمة أطباء بلا حدود

تبرّع

العودة إلى الأعلى

تواصل معنا

  • شاهدنا على يوتيوب

حمولة