لبنان: "أوضاع العيش المتدهورة تجعل الحياة اليومية شاقة في مخيم برج البراجنة"

فبراير 22, 2011

تبرّع
لبنان: "أوضاع العيش المتدهورة تجعل الحياة اليومية شاقة في مخيم برج البراجنة" © Dina Debbas

تدير منظمة أطباء بلا حدود منذ نهاية عام 2008 برنامجاً للصحة النفسية للفلسطينيين والأهالي اللبنانيين الأكثر ضعفاً في مخيم برج البراجنة في لبنان والمناطق المحيطة به. وخلال السنتين الأخيرتين، قدم العلاج لأكثر من 1.000 شخص ضمن هذا البرنامج القائم على نهج مجتمعي إذ أنه يجمع بين رعاية الطب النفسي والعلاج النفسي والدعم الاجتماعي والمجتمعي لتعزيز الصحة النفسية الجيدة.

ولا يزال ملايين اللاجئين الفلسطينيين يعيشون في المخيمات، منذ أكثر من 60 سنة بعد إجبارهم على مغادرة منازلهم، حيث يواجهون مستقبلاً كأنه منفى لا نهائي. وثمة أكثر من 200.000 لاجئ فلسطيني مسجلين في لبنان يعيش نصفهم في عشرات المخيمات المتناثرة حول البلاد. ويعاني 60 % من اللاجئين الفلسطينيين من البطالة كما تعيش النسبة نفسها دون خط الفقر حسب إحصائيات وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى (الأونروا).

يعد مخيم برج البراجنة، المحصور بين المطار وضواحي بيروت الجنوبية، المنطقة السكنية الأكثر كثافة في العاصمة إذ أنه يأوي حوالي 18،000 شخص يعيشون في رقعة مساحتها كيلومتراً مربعاً واحداً فقط.

عندما تأسست دولة إسرائيل في عام 1948، أرغم مئات الآلاف من الفلسطينيين على الرحيل إلى المنفى. واستضاف مخيم برج البراجنة، الذي أقامته رابطة جمعيات الصليب الأحمر، اللاجئين أساساً من الجليل. ومنذ ذلك الوقت، تزايد السكان سنة بعد سنة بوصول مهاجرين من أماكن أخرى من لبنان علاوة على اللاجئين القادمين من سوريا ومصر والعراق.

النهج المجتمعي

برنامج الصحة النفسية المجتمعي لمنظمة أطباء بلا حدود، الذي أنشئ في ديسمبر/كانون الأول 2008، هو البرنامج الوحيد الذي يوفر استشارات طبية مجانية في مخيم اللاجئين والمناطق المجاورة له. ومنذ ذلك الوقت، تم توفير الخدمات داخل مرافق مقدمي الخدمات الصحية الأساسيين: جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني ووكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى. ويعد التخلص من حاجز المحرمات المرتبطة بمواضيع الصحة النفسية وبمنح الدعم للأشخاص بحسن الاستماع إليهم، بدأ الناس يتحدثون علناً عن متاعبهم. ويقوم فريق مكون من موظفين دوليين ولبنايين وفلسطينيين بتوفير الدعم النفسي والعلاج النفسي والاجتماعي للأشخاص الأكثر ضعفاً بغض النظر عن جنسهم أو جنسيتهم أو دينهم أو قناعاتهم السياسية. وفي عامي 2009 و 2010 تلقى أكثر من 1,000 مريض استشارات من قبل معالجين نفسيين وأطباء نفسيين تابعين لمنظمة أطباء بلا حدود، وكان معظمهم من النساء الفلسطينيات واللبنانيات المتراوحة أعمارهن ما بين 25 و 40 سنة (60%).

لقد تضرر العديد من سكان المخيم بشكل عميق جراء الحروب المتواصلة والنزاعات؛ كما أن توقعاتهم بشأن المستقبل لا أمل فيها. إذ من الصعب ضمان العمالة ويعاني معظم السكان من ظروف عيش صعبة ووضع اجتماعي واقتصادي مقلق. وفي هذه البيئة يعد الاكتئاب أمراً شائعاً جداً حيث يصيب تقريباً ثلث المرضى الذين تم معاينتهم بينما يعاني آخرون من القلق (22 في المائة من المرضى) والذهان (14 في المائة من المرضى) والاضطراب الثنائي القطب (10 في المائة) واضطرابات الشخصية.

ويقول بيير باستان، مستشار منظمة أطباء بلا حدود في جنيف معني بالصحة النفسية: "تحاول منظمة أطباء بلا حدود دائماً وضع نهج مجتمعي ومتعدد الاختصاصات". ويضيف: "هذا يعني أننا لا نكتفي بوصف الأدوية لكن نحاول توفير الرعاية البيولوجية والنفسية والاجتماعية الشاملة. ونفضل استعمال هذا النهج. إن العوامل المسببة للمرض تكون ذات طبيعة بيولوجية ونفسية واجتماعية ولهذا يتعين أن يشمل العلاج هذه الجوانب الثلاثة. فمن الناحية العملية، يعني ذلك أن العامل البيولوجي سيعالج بالأدوية من قبل الطبيب النفسي بينما سيعالج العامل النفسي من قبل المعالج النفسي الذي يتعامل مع المريض ومع أقاربه متى أمكن ذلك. أما بالنسبة للعامل الاجتماعي، فيتعين معالجة الأوضاع الاجتماعية أيضاً لمساعدة المريض على التحسن".

مخلفات الحرب المتبقية

رغم أن حرب لبنان لعام 2006 قد حدثت في الماضي إلا أن مخلفاتها لا تزال أمراً حقيقياً للغاية. وقد اكتشفت منظمة أطباء بلا حدود خلال النزاع، أن شخصاً من كل ستة أشخاص في البلاد يحتاج للرعاية النفسية، في بلد يعد الحصول فيه على الرعاية الصحية النفسية محدوداً جداً. وحسب دراسة استقصائية وطنية نشرت في مجلة لانسيت في عام 2006، لم تعد الإضطرابات النفسية أمراً شائعاً جداً في لبنان مقارنة مع أوروبا الغربية لكن عدد الأشخاص الذين لا يتلقون العلاج في لبنان مرتفع جداً مقارنة مع أوروبا الغربية. كما يسيطر القطاع الخاص على نظام الرعاية الصحية في لبنان مما يجعل تكاليف العلاج باهظة الثمن. وتتاح الرعاية الصحية النفسية أساساً للأطفال بينما لا يحصل الكبار، لا سيما اللاجئون، على العلاج الضروري إلا نادراً.

ويقول رئيس بعثة منظمة أطباء بلا حدود في لبنان، فابيو فورجيوني: "الأشخاص الذين نود استهدافهم من خلال مشروع الصحة النفسية للمنظمة هم اللاجئون الفلسطينيون في مخيم برج البراجنة. وتجعل أوضاع العيش المتردية الحياة اليومية شاقة في برج البراجنة والسبب الرئيسي هو أن برج البراجنة من أكثر المخيمات كثافة وحرماناً في لبنان. ورغم التحسن الطفيف بشأن توفير فرص العمل، منذ مرسوم قانون أصدره البرلمان اللبناني في 17 أغسطس/آب 2010، إلا أن الأوضاع العامة التي يعيش فيها اللاجئون الفلسطينيون في لبنان تبقى مزرية وبعيدة كل البعد عن المعايير المقبولة. ولا تزال السياسات التي تطبق على مجتمع اللاجئين الفلسطينيين مقيدة فيما يتعلق بالحصول على خدمات الصحة والتعليم والعمالة والخدمات الاجتماعية وملكية العقار. ويؤثر كل ذلك في الاستقرار النفسي للأشخاص مما يجعل الطلب على الدعم النفسي ضخماً".

الأوضاع المعيشية المتردية

وقد سعى معظم المقيمين في برج البراجنة للبحث عن ملجأ في المخيم جراء الأوضاع الاقتصادية أو السياسية أو الاجتماعية الصعبة. وغادر بعضهم منزله وبلده منذ أكثر من 60 سنة بينما وصل بعضهم لتوه. ويؤدي الإجهاد الناجم عن العيش في هذه البيئة إلى تفاقم الشعور بالصدمة والعزلة اللتين سبق وعايشهما العديد من المقيمين في المخيم. ويقول فابيو فورجيوني: "الحياة في برج البراجنة معاناة يومية. ويتسبب الاستبعاد الاجتماعي علاوة على أوضاع العيش المزرية إلى أبعد حد والتي يعايشها المقيمون في المخيم إلى تفاقم عدم الاستقرار على نحو مذهل مما يعرض العديد من اللاجئين إلى حياة يومية رهيبة ومؤلمة ومخيبة للأمل". ويواصل قائلاً: "إن قرار منظمة أطباء بلا حدود العملي باستهداف السكان البالغين بالتحديد نابع من معاناة هذه الفئة من السكان من تجارب النزاع والنزوح السابقة والمؤلمة بشكل متكرر وحرمانهم من الحقوق الأساسية علاوة على معاناتهم للتكيف مع الطبيعة الدائمة لوضع من المفترض أن يكون مؤقتاً. ولهذا ساهم النهج المتعدد الاختصاصات الذي سنته منظمة أطباء بلا حدود، ولا يزال، في إحداث التغيير. وفضلاً عن توفير الرعاية الصحية النفسية، تضطلع فرق منظمة أطباء بلا حدود إلى تحديد الدعم الاجتماعي والقانوني والاقتصادي ضمن شبكة واسعة من المنظمات الشريكة التي بوسعها تمكين المرضى من معالجة الأسباب الأصلية التي كانت مصدر محنتهم".

وتتاح المياه والكهرباء في المخيم فقط لبضع ساعات في اليوم. ورغم النقص في المياه إلا أنها تغمر غالباً أزقة المخيم، وبسبب تعطل أنظمة صرف المياه، تتجمّع المياه المتدفقة من الصهاريج وأعالي السطوح في الأزقة. وتبقى لفافات الأسلاك الكهربائية المتشابكة عالقة بين البنايات ويسكن في الغرفة العادية أربعة أشخاص. وقد أصبح المكان ضيقاً سنة بعد سنة جراء استمرار تزايد كثافة السكان. وتضاف مشكلة المطر في فصل الشتاء والحرارة المحرقة في الصيف إلى مشاكل أوضاع العيش المكتظة.

لا صحة دون الصحة النفسية

تشكل الصحة النفسية الجيدة عنصراً رئيسياً في رفاه الفرد والمجتمع. وتوفر فرق منظمة أطباء بلا حدود الطبية الرعاية والدعم الاجتماعي عن طريق زيارات للمنازل وتقديم استشارات طبية في الغرف والعيادة المخصصين لذلك. وتتزايد باستمرار الزيارات لعيادة الصحة النفسية المتخصصة بينما تضمن منظمة أطباء بلا حدود جعل الرعاية الصحية النفسية جزءً من الرعاية الصحية الأولية المتاحة في المرافق الطبية في كل أنحاء المخيم. ويساعد هذا النهج على نشر فكرة مفادها أن الصحة النفسية الجيدة جزء من الصحة العامة للفرد كما أنها أساسية لرفاهه، وذلك بسبب تأثيرها على تصرفات الأشخاص ونظرتهم للعالم وتفاعلهم مع الآخرين. وقد قدم المعالجون النفسيون والأطباء النفسيون التابعون لمنظمة أطباء بلا حدود 8،023 استشارة طبية ووفروا الرعاية الصحية النفسية لفائدة 1،160 مريضاً منذ بداية مشروع برج البراجنة.

اللاجئون الفلسطينيون: معزولون عن المجتمع

ثمة 4.7 مليون لاجئ فلسطيني مسجل لدى وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى (الأونروا)، وتشرف الوكالة على تقديم الدعم لهم. وحسب تعريف الوكالة، اللاجئون الفلسطينيون هم أولئك الذين عاشوا في فلسطين تحت الانتداب البريطاني، وذرياتهم أيضاً، لكنهم فقدوا منازلهم ومصدر رزقهم كنتيجة للنزاع العربي الإسرائيلي في عام 1948. وفي لبنان، لا يتمتع اللاجئون الفلسطينيون بأية حماية قانونية ويرجع ذلك لكون الدولة اللبنانية رفضت التوقيع على اتفاقية 1951 المتعلقة بوضع اللاجئين. ويحظر على اللاجئين الفلسطينيين بموجب القانون أن يمارسوا أكثر من 20 مهنة، منها الطب والمحاماة والهندسة والمحاسبة. ولا يتمتع اللاجئون الفلسطينيون بالحقوق الاجتماعية والمدنية في لبنان كما أن استفادتهم من خدمات الصحة العامة والتعليم محدودة. وتعتمد الأغلبية الساحقة من اللاجئين الفلسطينيين في لبنان على خدمات التعليم والصحة والخدمات الاجتماعية التي تقدمها الأونروا.

إدعم منظمة أطباء بلا حدود

تبرّع

العودة إلى الأعلى

تواصل معنا

  • شاهدنا على يوتيوب

حمولة