اختبار تشخيص جديد لكشف داء السل؟

مارس 25, 2011

تبرّع
اختبار تشخيص جديد لكشف داء السل؟ © Jose Cendon

يمكن لاختبار تشخيص جديد لكشف داء السل، تبنته منظمة الصحة العالمية أواخر سنة 2010، أن يغير من قواعد اللعبة على الصعيد العالمي في مكافحة هذا الوباء الذي يحصد أرواح مليوني شخص سنوياً. فهذا الاختبار يُحسِّن كثيراً من معدل الكشف عن أشكال السل المقاومة للأدوية. فيما يلي، يناقش معنا الدكتور فرانسيس فارين، خبير داء السل في منظمة أطباء بلا حدود، الأثر المحتمل لهذا الاختبار الجديد وكيف سيدفع باتجاه البحث عن علاج أكثر اعتمادية وفعالية.

لماذا يعتبر الاختبار الجديد مهماً؟

أظهرت البيانات التي نُشرت مؤخراً أن الاختبار الجديد، والذي يعتمد على التقنية الجزيئية، يعتبر إنجازاً علمياً هاماً، خصوصاً لكونه يعطي نتائج سريعة وبطريقة استخدام أسهل. وهذا في حد ذاته أمر يستحق الإشادة، حيث لم يحدث أي تقدم طبي يُذكر في ميدان مكافحة داء السل لسنوات طويلة حتى الآن.

وما يميز الاختبار هو سرعة إنجازه، حيث يمكن الحصول على النتيجة في ظرف ساعتين فقط. كما أنه يتميز بمعدل حساسية جيد، ما يعني إمكانية الاعتماد عليه في إعطاء نتائج إيجابية في حالة وجود جراثيم سلية. في المقابل، هناك "الطريقة المثلى" الحالية التي تستخدم تقنية الزراعة، والتي يمكن لهذا الاختبار الجديد، مقارنة بها، أن يعطي نسبة حساسية تصل إلى 90%، ما يُعتبر معدلاً ممتازاً بالنسبة للاختبارات السريعة.

ومن مميزات هذا الاختبار كذلك، هناك سهولة استخدامه. فرغم كون الجهاز المستخدم فيه عالي التقنية، إلا أن أي تقني مخبري يمكنه تعلم استخدامه في ظرف ساعتين من التدريب فقط. فبمجرد خلط عينة من بصاق المريض مع كاشف كيميائي، تُترك العينة لمدة 15 دقيقة قبل أن توضع في الجهاز. بعد ذلك بساعتين، يمكن الحصول على نتيجة الاختبار. وتتطلب هذه العملية قليلاً من المعالجة اليدوية، ما يقلص من احتمال التلوث ويخفض إلى حدود الصفر تقريباً هامش الخطأ في تفسير النتائج. بالإضافة إلى ذلك، فإن هذا الاختبار يعطي في واقع الأمر نتيجتين وليس واحدة. فأولاً، هناك تحديد وجود المتفطرة السلية في عينة البصاق الذي يحدد ما إذا كان المريض فعلاً مصاباً بداء السل. وثانياً، هناك تحديد ما إذا كانت الجراثيم السلية مقاومة لعقار "ريفامبيسين"، أحد أهم أدوية علاج الخط الأول المستخدمة في علاج السل. وبهاتين النتيجتين معاً، يمكن تحديد العلاج الأمثل الذي يتناسب مع حالة المريض.

فيم تكمن أهمية الحصول على تشخيص سريع؟

بالنسبة لبعض المرضى، يمكن لاختبار تشخيص نهائي بالوسائل التقليدية أن يدوم حتى ثلاثة أشهر. وهذا يعني اضطرار الأطباء إلى إخضاع المريض للعلاج قبل الحصول على تشخيص كامل. وبالتالي، فإن العلاج يكون عشوائياً ولا يكون دائماً مناسباً لحالة المريض. أما إذا اضطر المريض للانتظار طويلاً للحصول على التشخيص النهائي، فإن ذلك التأخير قد يعرض حياته للخطر. فحسب دراسة نُشرت على نطاق واسع، توفي بعض المرضى في إقليم كوازولو ناتال بجنوب أفريقيا قبل أن يتوصلوا بنتائج اختبار التشخيص، حيث وقعت الوفاة 16 يوماً في المعدل بعد جمع عينات بصاقهم. وبالنسبة لمرضى داء السل في حالة هشة (من هم في مرحلة متأخرة من المرض، أو المصابون في نفس الوقت بفيروس نقص المناعة البشرية، أو الأطفال)، فإن تأخير التشخيص، وبالتالي تأخير بداية العلاج المناسب، يبقى مشكلاً حقيقياً يتهدد حياتهم.

وبصفة عامة، فإن تأخير البدء في مرحلة العلاج يعني ببساطة أن العديد من المرضى لن يرجعوا مرة أخرى إلى المصحة من أجل تلقي العلاج.

هل ستستخدم منظمة أطباء بلا حدود هذا الاختبار الجديد في مشاريعها؟

أجل، لقد طلبنا عدداً من الأجهزة التي بدأنا استخدامها بالفعل في عدد من مشاريعنا في بلدان مختلفة، منها كينيا، مالاوي، كمبوديا، كولومبيا، وأبخازيا (جورجيا). وخلال الأشهر المقبلة، سوف نسعى للتعرف على الطريقة التي يعمل فيها هذا الاختبار على أرض الواقع. ولكن، ما هو تأثير العوامل البيئية عليه، مثل الحرارة والرطوبة والغبار؟ ما مدى تأثير شروط توفر مصدر كهربائي يُعتمد عليه على الاختبار؟ وهل من الضروري تجهيز بعض المختبرات بنظام لتكييف الهواء؟ كيف يمكننا تنظيم تخزين الخراطيش وتدبير النفايات؟ هناك إذن عدد من القضايا اللوجستية والتنظيمية بحاجة إلى إيجاد حل لها. بعد ذلك، يمكننا تقييم مدى تأثير استخدام الاختبار في تحديد المرض ثم في علاج المرضى.

ما هي مكانة هذا الاختبار في المشهد العام لتشخيص داء السل؟

هذا السؤال هو في واقع الأمر جزء من الطريقة التي يجب بها تقييم الاختبار بصفة عامة. وسوف تستخدم منظمة أطباء بلا حدود الاختبار كخيار أول بالنسبة للمرضى الذين نشك في إصابتهم بداء السل في المناطق التي تعرف نسبة إصابة عالية بفيروس نقص المناعة البشرية أو بداء السل المقاوم للأدوية المتعددة. لقد طوّرنا أنظمة حساب في التشخيص سوف تحتاج إلى مزيد من التقييم. كما يجب استخدام الاختبار قدر المستطاع بالطريقة الأكثر عقلانية من أجل تحديد المرضى المصابين بسرعة، وذلك من دون أن نتحمس زيادة عن اللزوم في استخداماته الممكنة.

هل يمكن اعتبار هذا الاختبار هو الأمثل في تشخيص داء السل؟

الاختبار "الأمثل" لداء السل سوف يكون بطبيعة الحال ذاك الذي يمكننا استخدامه في أي مكان وأقرب ما يكون من المريض، خصوصاً في المصحات الصغيرة في القرى النائية. ولكن الأمر مختلف مع هذا الاختبار الحالي. ورغم ذلك، يبدو أن باستطاعتنا استخدامه خارج المختبرات المرجعية ونشره على مستوى المقاطعات والاقتراب أكثر من المرضى. ولا شك أن ذلك سوف يكون قفزة نوعية في هذا المجال.

ومن بين معيقات هذا الاختبار كذلك أنه لم تتم الموافقة عليه سوى في اختبار البصاق الخاص بتشخيص السل الرئوي؛ غير أن بعض المرضى (كالأطفال مثلاً) لا يستطيعون إنتاج البصاق، بالإضافة إلى كون هذا الاختبار غير قادر على تشخيص أشكال السل غير الرئوي. لذلك، فإن الاختبار الأمثل هو ذاك الذي يستطيع تحديد داء السل من عينة أسهل، مثل البول أو الدم. بالإضافة إلى ذلك، فإن هذا الاختبار، وإن كان يُحسّن من أداء التشخيص، إلا أنه لا يناسب مراقبة حالات المرضى.

وحيث أن النتيجة لا تكشف سوى عن مقاومة المرض لنوع واحد من أدوية السل، فإن الاختبار لن يعوض الطرق الأخرى القائمة، مثل الفحص المجهري والزراعة واختبار الحساسية من الأدوية.

أي تأثير سوف يكون لهذا الاختبار؟

قبل أن نستطيع الإجابة على هذا السؤال، سوف نحتاج إلى اختبار التشخيص على نطاق واسع. وإذا كان الأداء أكيداً، فمن المتوقع أن يغير هذا الاختبار من ممارساتنا اليومية على الميدان، حيث سيكون بين أيدينا طريقة أسرع وأكثر اعتماداً في تشخيص داء السل. وسوف يكون هناك مرضى أقل يُشخَّصون اعتماداً على الأعراض فقط، وهو أمر له أهميته بالنسبة للمرضى المصابين كذلك بفيروس نقص المناعة البشرية، حيث أنه من الصعب الآن كشف الإصابة بالسل لدى هؤلاء. ولكن، بفضل هذا الاختبار، سوف يكون بمقدورنا تحديد من هو مصاب بالسل من عدمه.

ثم هناك جانب مهم آخر يتمثل في كون هذا الاختبار سوف يساعد على تشخيص المزيد من المرضى المصابين بالسل المقاوم للأدوية. فالاختبار يساعد على تحديد المرضى المصابين بالسل المقاوم لعقار "ريفامبيسين"، وهو في حد ذاته إشارة إلى احتمال إصابة المريض بأحد أشكال السل المقاومة للأدوية. وحالياً، يتطلب الكشف عن السل المقاوم للأدوية إجراء اختبار للحساسية ضد أحد العقارات المستخدمة في العلاج. وحيث أن الغالبية العظمى من المرضى لا يتم تصنيفهم في هذه الخانة، فإنهم لا يخضعون لاختبار التشخيص. ولكن، مع هذا الاختبار الجديد، فإننا نتوقع أن نعثر على أعداد كبيرة من المرضى المصابين بالسل المقاوم للأدوية المتعددة (MDR-TB). وسوف يكون بإمكان هؤلاء المرضى الذين لم يحظوا بالرعاية من قبل، ولم تشملهم الإحصاءات حتى الآن، أن يخضعوا للتشخيص كذلك. وهذا بالطبع خبر سار بالنسبة للمرضى، وإن كان سيخلق مشكلاً حقيقياً في قدرات العلاج.

ما الذي يجب فعله للتعامل من ارتفاع أعداد المرضى المصابين بالسل المقاوم للأدوية المتعددة؟

أول شيء يجب فعله هو التفكير في طريقة تنظيم برامج العلاج، إذ يجب تعزيز قطاعات الصحة الوطنية حتى تتمكن من تلبية احتياجات هؤلاء المرضى الجدد. فالعلاج الحالي للسل المقاوم للأدوية طويل ومعقد، كما أنه يتسبب في آثار جانبية خطيرة، إلى جانب صعوبة تطبيقه. بالإضافة إلى ذلك، فإن الأدوية الخاصة بعلاج السل المقاوم للأدوية توجد في الأسواق بكميات محدودة، ما يزيد من صعوبة الظروف المحيطة بالعلاج.

ثانياً، يجب الإمعان في الطرق الأمثل التي يمكن للبحث العلمي أن يساهم بها في حل المشكلة. ونظراً لخيارات العلاج الحالية، يبقى من غير الواقعي توقع توفير العلاج لجميع المرضى. إننا إذن بحاجة لطرق علاج جديدة تتميز بقصر فترتها وبفعاليتها وسهولة استخدامها.

داء السل المقاوم للأدوية: حقائق وأرقام

التشخيص: حسب منظمة الصحة العالمية، هناك 440.000 حالة جديدة سنوياً من داء السل المقاوم للأدوية المتعددة. من بين هذه الحالات، فقط 10 إلى 15% يتم تشخيصها بالطرق الحالية (الزراعة، اختبار تفاعل البوليمراز السلسلي (PCR)).

العلاج: لجنة الضوء الأخضر (GLC) هي منظمة ترعاها منظمة الصحة العالمية، مهمتها توفير العلاج من الخط الثاني ضد السل بجودة مضمونة. كما توفر اللجنة الدعم التقني وتضمن توفير حميات العلاج وطرق إدارتها وفق التوصيات الدولية.

ومنذ إنشائها سنة 2000، قدمت لجنة الضوء الأخضر العلاج لحوالي 60.000 حالة من السل المقاوم للأدوية المتعددة. وعلى مدى السنوات العشر الماضية، طَوّر ما يقرب من خمسة ملايين شخص شكلاً من أشكال السل المقاوم للأدوية، لم يحظ سوى 1% منهم بالعلاج وفق التوصيات الدولية وبأدوية مضمونة الجودة. كما توفي 1,5 مليون شخص من السل المقاوم للأدوية خلال العشرية الماضية.

اختبار تشخيص السل الجديد الآلي بالكامل

يُجرى اختبار تشخيص السل الجديد في جهاز آلي قادر على الكشف عن الحمض النووي للعصيات السلية في بصاق المريض.

تصل كلفة الجهاز حالياً إلى 17.000 دولار أمريكي. وحتى مع تخفيض في السعر بنسبة 75% بالنسبة للبلدان الفقيرة والمنظمات غير الحكومية، تبقى تكلفة الاختبار باهظة جداً بالنسبة للعديد من البلدان، حيث يصل سعر خرطوشة الاختبار الواحدة إلى 17 دولاراً. ومع الزيادة المحتملة في الطلب خلال السنوات القليلة القادمة، تشير التقديرات إلى أن تكلفة الاختبار يمكن أن تنخفض إلى حوالي 10 دولارات للاختبار الواحد.

إدعم منظمة أطباء بلا حدود

تبرّع

العودة إلى الأعلى

تواصل معنا

  • شاهدنا على يوتيوب

حمولة