كمبوديا: منظمة أطباء بلا حدود تعمل على سد الثغرات في مجال رعاية المصابين بداء السل

مارس 25, 2011

تبرّع
كمبوديا: منظمة أطباء بلا حدود تعمل على سد الثغرات في مجال رعاية المصابين بداء السل © Brigitte Breuillac/MSF

تقع بلدة ريفية تدعى كامبنغ تشام في كمبوديا، على بعد أكثر من مئة كيلومتر من نهر ميكونغ شمال شرق العاصمة بنوم بنه. هناك، يعمل فريق صغير تابع لمنظمة أطباء بلا حدود بجد لتحسين نظام الرعاية الشاملة لمرضى داء السل في المستشفى الإقليمي ولملء الثغرات الموجودة في نظام وطني يكافح للتعامل مع العبء الكبير لداء السل في المنطقة بشكل ملائم.

بنت منظمة أطباء بلا حدود في عام 2009 جناحاً خاصاً بمرضى داء السل داخل المستشفى الإقليمي بكامبونغ تشام كما رفعت من مستوى المرافق المخبرية. ومنذ ذلك الحين، تقوم منظمة أطباء بلا حدود بتوفير الطاقم والتدريب والأدوية إضافة إلى الدعم المادي إلى المستشفى لكي يحسن قدرته على تشخيص وعلاج مرضى داء السل على نحو فعال. وقد شهد الربع الأخير من عام 2010 تحسينات كبيرة، حيث بلغ معدل تشخيص الإصابات بداء السل ارتفاعاً قدره 25٪. وفي كامبونغ تشام، يشهد الفريق حالياً حوالي 120 مريضاً في الأسبوع، ثلثهم تقريباً حالات جديدة يشتبه في إصابتهم بالسل.

وتحتل كمبوديا المرتبة 22 بين الدول على الصعيد العالمي من حيث انتشار عدوى داء السل إذ تقدر منظمة الصحة العالمية أن 64٪ من الكمبوديين يحملون المتفطرة السلية علاوة على أن نسبة انتشار السل النشط تبلغ 69،.%. ويعد داء السل عدوى انتهازية، أي أنه يستغل ضعف الجهاز المناعي، وينتشر عادة عن طريق الهواء من قبل شخص مصاب بالسعال. ويعد ضعف الجهاز المناعي أمراً شائعاً في كمبوديا بسبب سوء التغذية والإصابة بفيروس نقص المناعة والسن وقلة النظافة وظروف المعيشة الرديئة.

ثغرات في النظام الصحي الوطني

يروي الدكتور أدريان مرتو، وهو طبيب يعمل لدى منظمة أطباء بلا حدود في جناح داء السل الذي بنته المنظمة داخل مستشفى قطاع كامبونغ تشام، قصة مريضة تحت رعايته يقول أنّها لم تحصل على رعاية كافية من نظام الرعاية الصحية في كمبوديا لمعالجة داء السل. وهي امرأة شابة، تبلغ من العمر حوالي 21 سنة، وكانت قد خضعت لمرحلتين متتاليتين من العلاج غير الفعال لمكافحة السل في مركز صحي لمدة عام ونصف من دون أن تتحسن حالتها. ولم يتم تحويلها إلى جناح السل الذي تدعمه منظمة أطباء بلا حدود في مستشفى كامبونغ تشام إلاّ بعدما فشل العلاج للمرة الثانية، حيث تم تشخيصها بأنها مصابة بالسل المقاوم للأدوية المتعددة.

"... إنه حقاً لأمر مؤسف لهذه المريضة إذ أنّ رئتيها تالفتان للغاية، ولم تعد قادرة على القيام بأي نشاط بدني قوي، أو التمتع بحياة طبيعية. وهي الآن في المستشفى لأنها تعاني من مضاعفات جانبية خطيرة بسبب الأدوية التي تأخذها لعلاج السل المقاوم للأدوية كما أنّها لا تستطيع الأكل جيداً... إنها تعاني من سوء التغذية الحاد وبالتالي أصبحت الأدوية أقل فعالية. ونحن لا نعرف ما إذا كانت سوف تشفى أم لا، إنّه أمر صعب للغاية. كل ذلك بسبب فشل النظام، وعدم إحالتها إلى جناح داء السل، ومشكلة الحصول على رعاية جيدة وتشخيص سليم."

وللأسف، توفيت المريضة بعد أسبوعين فقط. إذ أنّها بدأت علاج السل المقاوم للأدوية المتعددة بعد فوات الأوان لإنقاذ حياتها. يمكن أن يكون أثر مثل هذه الحالات التي لم يتم الكشف عن السل المقاوم للأدوية في وقت مبكر مدمراً على المرضى وعلى أسرهم، إضافة إلى أنّه يبين الأسباب الكامنة وراء جهود منظمة أطباء بلا حدود من أجل تحسين كل من الكشف المبكر وإستراتيجيات العلاج في المنطقة.

الفقر يفاقم المشكلة

يعود تفاقم مشاكل داء السل في كمبوديا إلى الفقر حيث يعيش ما يزيد عن 30٪ من الكمبوديين تحت خط الفقر وفقاً لآخر تقديرات البنك الدولي لعام 2008. ولا يستطيع العديد من السكان الذهاب الى الطبيب عندما يمرضون، إذ في أغلب الأحيان، لا يذهبون إلى المستشفى لتلقي العلاج إلاّ عندما يزداد مرضهم سوء. لهذا السبب، تدعم منظمة أطباء بلا حدود مرضى داء السل في المستشفى الإقليمي في كامبونغ تشام من خلال توفير الأدوية والعلاج والطعام المغذي خلال الإقامة في المستشفى، والتنقل عند الضرورة مجاناً.

ويوضح رئيس بعثة أطباء بلا حدود في كمبوديا، ايمانويل لافيوفيل قائلاً: "نحن نتحدث هنا عن مرض يؤثر في حياة عشرات الآلاف في كمبوديا، عن أشخاص لا يستطيعون الذهاب إلى المدرسة، ولا التعلم، ولا العمل. وبما أنّ نسبة الفقر عالية جداً في كمبوديا، يمكنك أن تتخيل أثر ذلك بشكل عام. إنها إحدى أكبر التحديات التي يواجهها قطاع الصحة العمومية في البلاد اليوم".

معضلة الأطفال: الأشدّ ضعفاً والأقل تشخيصاً

يعد الأطفال من بين المجموعات الأكثر عرضة للإصابة بداء السل إذ أنّ جهازهم المناعي لم يتطور بعد ليصبح قوياً. كما أنّ داء السل مرض يصعب جداً الكشف عنه لدى الأطفال، وذلك ناجم أساساً عن عدم قدرة الأطفال الصغار على إنتاج عينة من البلغم لتحليلها بالمجهر. وحتى عندما يتمكنون من ذلك، فإن العينات غالباً ما تحتوي على بكتيريا السل بأعداد أقل بكثير. وعلاوة على ذلك، لا يستطيع الأطفال دون الخامسة من العمر التعبير بسهولة عن الأعراض التي يعانون منها أو عن شكاويهم، وبالتالي، لا يبقي للأطباء سوى طرق تستغرق وقتاً طويلاً لتشخيص حالتهم، وهو ما يؤدي إلى المزيد من التأخير في علاج مرض يعرف على أنّه سبب في ارتفاع معدل الوفيات لدى الأطفال الصغار. وعليه، هناك حاجة ماسة لتطوير اختبار مُحسّن لتشخيص داء السل بالنسبة للأطفال الذين يعيشون في كمبوديا وفي غيرها من الأماكن ذات الموارد الفقيرة.

في شباط/فبراير، توجه مستشار طبي متخصص في تشخيص داء السل لدى الأطفال إلى الميدان لتدريب فريق منظمة أطباء بلا حدود وموظفي وزارة الصحة العاملين في المستشفى على أحدث التقنيات. وتفسر الدكتورة ماريان غيل، مستشارة طبية لدى منظمة أطباء بلا حدود قائلة: "كان من الواضح تماماً أنه تبين فقط من خلال زيارة بعض الأجنحة في المستشفى، أن هناك أطفال مصابون بالسل لم نكتشف إصابتهم في الوقت المناسب. والأمر كذلك على مستوى المستشفى الإقليمي، حيث رأيت عدد من الأطفال يبدو جليّاً أنّهم مصابون بداء السل. لذا، أعتقد أنّ عدد الأطفال الذين يجري الكشف عن حالاتهم والذين يخضعون حالياً للعلاج هنا سيتطور بما أنّ المشروع يتطور شيئاً فشيئاً، والموظفون يكتسبون وعياً أكبر بدتء السل لدى الأطفال... سيكون هذا الأمر عظيماً بالفعل".

التعامل مع العزلة والمصاعب الاقتصادية

لعل بقاء المرضى الذين يعانون من أشكال السل المقاوم للأدوية في عزلة في مستشفى كامبوتغ تشام يكون أمراً صعباً عليهم، خاصة عندما يكونون المصدر الرئيسي للدخل لأسرهم. إذ يطلب منهم البقاء في المستشفى لفترات أطول من مرضى السل العام، وبالتالي، يمكن أن تعاني أسرهم بأكملها اقتصادياً حيث أنّهم لن يتمكنوا من العودة إلى العمل بسرعة. وللحد من هذه المشكلة، ما أن ينتهي مرضى السل المقاوم للأدوية من المرحلة الأولى من العلاج وما أن تستقر حالتهم، تسمح لهم منظمة أطباء بلا حدود بالعودة إلى منازلهم لمتابعة علاجهم مع مواصلة دعمها لهم. إذ تحدد المنظمة ممرضاً محلياً في المنطقة من أجل توفير الرعاية المنزلية، وتزودهم بالأدوية وغيرها من اللوازم الضرورية والدعم. ويقوم موظفو أطباء بلا حدود بزيارة المرضى بشكل منتظم لتقييم منزل المريض ولضمان تقيّده بالعلاج.

تفسر كلير فيلنوف، وهي ممرضة مشرفة على مرضى السل تابعة لمنظمة أطباء بلا حدود في كامبونغ تشام قائلة: "علينا التأكد من أن الممرض يذهب كل يوم لزيارة المريض وإعطائه الدواء، كما أننا نسأل المرضى عن المضاعفات الجانبية، وكيف يشعرون، وهل يحصلون على أي دعم من أسرهم، وهل لديهم أية مشاكل اجتماعية، يمكن للمنظمة ان تساعدهم على حلّها. كما يتعين علينا تقييم منزلهم لمعرفة ما إذا كان بقاؤهم فيها آمناً لهم ولأسرهم. ويمكن أن تساعدهم منظمة أطباء بلا حدود في ذلك أحياناً إذ يمكن بناء غرفة جديدة، أو غرفة خاصة للمريض لعزله عن بقية أفراد الأسرة".

التخطيط للمستقبل

ستحصل منظمة أطباء بلا حدود قريباً على معدات جديدة تساعد على فحص المرضى بفعالية أكبر، وستستمر المنظمة في تعزيز عملها في المستشفى الإقليمي في كامبونغ تشام. وعلاوة على ذلك، يعتزم الفريق توسيع نطاق تقديم مساعداته طوال الأشهر والسنوات المقبلة لتشمل أيضاً نخبة من المستشفيات في المقاطعة، ممّا يساعد بعض الفئات المهمشة في المنطقة على الحصول على العلاج.

من الصعب توقع عدد الأعوام الضرورية لكي تتمكن منظمة اطباء بلا حدود من تقديم المساعدة إلى أهالي كمبوديا. فمن المرجح أن يظل السل تحدياً كبيراً يواجهه النظام الصحي في كمبوديا طوال سنوات عديدة. بيد أنّه من خلال مساهمة منظمة أطباء بلا حدود المنتظمة في مجال مكافحة السل في المناطق الريفية في كمبوديا، ومن خلال تدريب موظفي وزارة الصحة على توفير رعاية شاملة لمرضى داء السل ذات جودة، فإنه ثمة أمل في أن هذا المشروع سيساعد على وضع مناهج جديدة وسيساهم في تطوير وسائل جديدة لتسهيل تشخيص وعلاج مرض السل. وفي الوقت ذاته، قد يرتفع نظام الرعاية الصحية في كمبوديا خلال السنوات المقبلة، مع زيادة مساهمات الجهات المانحة الدولية، وبالتالي قد يكون أكثر قدرة على التعامل مع عبء داء السل.

ويضيف ايمانويل لافيوفيل: "تعّد كمبوديا إحدى البلدان في المنطقة ذات الاحتياجات المتعددة، وبالتالي يكون من الصعب أن نتوقع تحسن الأحوال بكثير في مجال مكافحة داء السل في فترة زمنية وجيزة. وبالتأكيد، يمكننا أن نعقد الأمل في ذلك، ولكن الأهم هو أنه يمكننا أن نساهم في العثور على إستراتيجيات مكيّفة ومصممة وفقاً للميدان استناداً إلى وسائل مناسبة. ويبقى مرضى داء السل في حاجة إلى مثل هذه الوسائل لتشخيص أكثر فعالية من تلك الوسائل البالية والمعقدة التي نستخدمها في الوقت الراهن".

تعمل منظمة أطباء بلا حدود في كمبوديا منذ عام 1979، وركزت حتى مؤخراً على علاج مرضى نقص المناعة البشرية/الإيدز في عدة مواقع في جميع أنحاء البلاد. وقد سلّمت منظمة أطباء بلا حدود باستمرار معظم برامجها لمكافحة فيروس نقص المناعة البشرية إلى وزارة الصحة وحوّلت تركيزها على داء السل.

إدعم منظمة أطباء بلا حدود

تبرّع

العودة إلى الأعلى

تواصل معنا

  • شاهدنا على يوتيوب

حمولة