صراع المرأة المقاوم لفيروس نقص المناعة البشرية في المناطق الريفية في زيمبابوي

مايو 18, 2011

تبرّع
صراع المرأة المقاوم لفيروس نقص المناعة البشرية في المناطق الريفية في زيمبابوي © Kenneth M Tong

خلال عيد الفصح، تتوافد النساء على العيادات الريفية للحصول على وسائل منع الحمل المختلفة سواء عن طريق الحقن أو الفم، فقد تعوّد الرجال على القدوم من جنوب أفريقيا لقضاء هذه العطلة في الوطن. وقد تكون النساء على علمٍ بأن لأزواجهن شريكات في الدول المجاورة، كما يدركن أن وسائل منع الحمل عن طريق الحقن أو الفم لن تحميهن من فيروس نقص المناعة البشرية أو من الأمراض المنقولة جنسياً، ولكن على الأقل هن يحمين أنفسهن من الحمل غير المرغوب فيه، ويمنعن ولادة أطفال أبرياء يحملون هذا الفيروس القاتل.

وقد شرحت إحدى النساء وضعها للمستشارة وقائلة: "أنا أخشى من زوجي، فهو يعلم أنني أحمل هذا الفيروس ولكنه يرفض الاعتراف بذلك. وقد هدد بقتلي إذا جلبت يوماً الواقي الذكري إلى المنزل".

وأوضحت امرأة أخرى معتذرة، والتي تبين أنها حاملة للفيروس وتم إسداء النصح لها كي تحضر أطفالها لإجراء الفحص أيضاً: "أنا لا أستطيع أن أحضر أطفالي لإجراء الفحص، إنني أخاف أن يكون أطفالي حاملين للمرض أيضاً، فهذه ستكون بمثابة نهاية لزواجي".

تقع تشولوتشو، وهي منطقة ريفية، في غرب زيمبابوي، على الحدود مع بوتسوانا وبالقرب من شلالات فيكتوريا، إحدى عجائب الدنيا السبع الطبيعية. وتعتمد المنطقة على الزراعة، ولا توجد فيها أي صناعات تذكر، باستثناء تجارة الأخشاب المحدودة. وتعاني المنطقة من الجفاف مما دفع العديد من السكان، خصوصاً الشباب إلى الذهاب إلى جنوب أفريقيا للبحث عن فرص عمل وأجور أفضل.

وغالباً ما تُترك النساء وحدهن لرعاية شؤون المنزل والأطفال والمعاناة في صمت. وتعد صحة المرأة من الشؤون العائلية، خصوصاً في مثل هذا المجتمع الأبوي. فينبغي على المرأة أن تأخذ الإذن من زوجها لمراجعة الطبيب. وفي غياب الزوج، يؤخذ الأذن عادة من نساء أهل الزوج (إما الأم أو أخوات الزوج). ومن المحزن أن تكون المرأة في هذه الحالة هي الجلاد والضحية في هذا القمع الواقع عليهن.

بالرغم من جهود أنشطة إذكاء الوعي في المجتمعات المحلية لتقديم المساعدة، إلا أنها جعلت إتباع الممارسات الصحيحة أمراً صعباً. فعندما تشعر النساء بأن أزواجهن يمارسون سلوك فيه شيء من المخاطرة، يذهبن إلى العيادة لإجراء الفحوصات. ولكن بعد ذلك، ليس من السهل إعلام العائلة إذا ما كانت الحالة إيجابية، ناهيك عن التفاوض مع الزوج لممارسة الجنس الآمن.

وقد شرحت ممرضة تعمل لدى مركز الفحوصات والاستشارات الطوعية التابع لمنظمة أطباء بلا حدود في تشولوتشو أنه: "سيتم اتهام المرأة من قبل أهل زوجها على أنها هي التي جلبت المرض إلى العائلة، حيث أن الزوج يعمل في جنوب أفريقيا، وسيتم وصمها بالعار نتيجة لذلك". وأضافت الممرضة: "إن النساء لا يناقشن الجنس مع أزواجهن، فمن الأمور المعتقدة أن الرجال يعرفون أكثر في أمور الجنس مقارنة بالنساء. وفي حال ما كانت النساء على دراية بهذه الأمور، فسيتم اعتبار أنهن يمارسن علاقات خارج إطار الزواج، وبالتالي ستكون هذه بمثابة نهاية لزواجهن. فالمرأة بحاجة إلى الشجاعة الكافية للتحدث في مثل هذه الأمور. إذ حتى الإمكانات المادية والتعليمية لا تساعد في تحدي الأزواج".

الإنكار القاتل

يُعد فيروس نقص المناعة البشرية السبب الرئيسي وراء طلب المشورة في مستشفى تشولوتشو. وحسب السجلات الرسمية لمنظمة أطباء بلا حدود الخاصة بحالات طلب المشورة، فقد بلغت نسبة الفحوصات الإيجابية لفيروس نقص المناعة البشرية التي أجريت في المرافق الصحية 30%. وكانت نسبة الإصابة بالفيروس لدى النساء الحوامل اللواتي أجريت لهن الفحوصات ضمن استشارات سابقة للولادة، قد بلغت 23%، أي أعلى بكثير من التقديرات الوطنية لهذه الفئة من السكان والتي قدرت بنسبة 16%. وتعد النساء أكثر وعياً لمخاطر الإصابة بفيروس نقص المناعة البشرية، وإدراك فوائد التشخيص المبكر. وربما يعود ذلك إلى كونهن المسؤولات عن رعاية الأسرة ويتحملن أعباء الحمل وجلب الأطفال إلى هذا العالم.

وعلى النقيض من ذلك، نرى أن معظم الرجال يفضلون إنكار هذه المخاطر. والأسوأ من ذلك، بالرغم من معرفة الرجال بأنهم حاملون للفيروس وقد يتناولون العلاج المضاد للفيروسات الرجعية في جنوب أفريقيا، إلا أنهم يفضلون إخفاء هذه المسألة عن زوجاتهم وعائلاتهم، وبالمقابل يمارسون الجنس غير الآمن مخاطرين بذلك باحتمالية إصابة شريكاتهم وأطفالهم الذين سوف يولدون. وقد يصل حد إنكار الرجال لتلك المسألة إلى درجة أنه في أغلب الأحيان يتم إعادة المصابين المحتضرين من جنوب أفريقيا إلى أعتاب المستشفيات. وهذا في الواقع ليس بالمشهد الغريب على مستشفى تشولوتشو.

ويعتقد الممرضون والمستشارون أن الناس أصبحوا الآن أكثر وعياً بمسألة فيروس نقص المناعة البشرية، بسبب القصص التي عاشوها مع أقاربهم أثناء مرضهم أو وفاتهم، أو حتى عند مساعدتهم في تلقي العلاج وممارسة حياة منتجة. وقد تم إجراء العديد من أنشطة إذكاء الوعي للشيوخ ورجال الدين الذين يتمتعون بسلطة وتأثير قوي على العادات الثقافية والاجتماعية للمجتمع المحلي. واعترف ممرض من منظمة أطباء بلا حدود يعمل في برنامج منع انتقال الإصابة بفيروس نقص المناعة البشرية من الأم إلى الطفل في منطقة تشولوتشو، من "أن محاولات تغيير السلوك بطيئة جداً، فليس من السهل سلك هذا الطريق، ومع ذلك فإن هناك بصيص نور في نهاية النفق".

نضال منفرد

روفارو، وهو ليس اسمها الحقيقي، أمٌ لطفلين وعمرها 26 عاماً. وقد أنجبت طفلها الثاني قبل أقل من سنة في عيادة لوفيف في مدينة بولاوايو. وقد بدا أن كلاً من الأم والرضيع بصحة جيدة. ولكن بعد فترة وجيزة، شعرت روفارو بالمرض الشديد مما اضطرها إلى الذهاب إلى مستشفى تشولوتشو. وكانت النصيحة أن تُجري اختبار فيروس نقص المناعة البشرية، وقد صدمت عندما علمت بأنها حاملة للفيروس. وفي ضوء هذه النتيجة، تم تقديم المشورة على أن تفحص رضيعها الذي تلفه روفارو، مثل أي أم، وتحمله على ظهرها. وقد ذعرت مرة أخرى عندما علمت أن طفلها أيضاً مصاب بالفيروس، ولم تستوعب نصائح الأطباء والممرضين المتعلقة بكيفية مساعدة الرضيع، كونها مريضة جداً ومشوشة.

ولحسن الحظ فقد تبين أن طفلها الأول غير مصاب بالفيروس. وتزور روفارو اليوم بوبودي، عيادة ريفية في منطقة تشولوتشو. وترغب في أن يتم أخذ عينة من دمها لفحص عدد الخلايا من فئة CD4 وأيضاً فحص الدم الجاف الذي أخذ من رضيعها لإجراء فحص الحمض النووي لتفاعل البوليميراز السلسلي (وهي تقنية تستخدم للتشخيص المبكر لفيروس نقص المناعة البشرية عند الرضع). وقد بدا القلق على وجه الممرض الذي يعمل لدى منظمة أطباء بلا حدود، إذ حسب بطاقة الطفل الصحية فإن الفحص قد أجري قبل أشهر، ولكن الأم لا تعلم أين هي النتائج الرسمية. واعتذرت روفارو بقولها: "لقد كنت مشوشة". ومع ذلك، فقد تم أخذ عينات جديدة من بقع الدم الجافة من الطفل، وقد بدا عليه المرض، فنصح الممرض الأم بأن تأخذه إلى مستشفى تشولوتشو بأسرع وقت ممكن لكي يفحصه الطبيب هناك.

تعمل روفارو في منزل يعمل صاحبه في جنوب أفريقيا، ولم تكن تملك المال ولا تستطيع أخذ الطفل إلى المستشفى إلا عندما تتقاضى أجرها. وقد يحدث هذا فقط عندما يعود صاحب المنزل، أي ربما خلال فترة أسبوع.

أمهات يقمن بدور المرشد

في منطقة تشولوتشو، يتوفر لدى وزارة الصحة طبيب واحد فقط، لمنطقة يتراوح عدد سكانها بين 129.000 فرد تقريباً، وتمثل نسبة 48% منهم دون سن الخامسة عشر. ويعمل الممرضون في العيادات الريفية السبعة عشر، إضافة إلى تقديم الدعم للطبيب الذي يعمل أيضاً كمسؤول صحي عن المنطقة، ويحتاج إلى تنظيم وقته للاستجابة لجميع مسؤولياته، بما في ذلك تقديم الاستشارات الطبية في المستشفى.

وفي الغالب، تكون العيادات الخارجية مكتظة. ولا يتوفر الوقت الكافي للنساء الحوامل اللواتي تم تشخيصهن كحاملات للفيروس، وينبغي عليهن أيضاً التسجيل في برنامج منع انتقال الإصابة بفيروس نقص المناعة البشرية من الأم إلى الطفل، للتحدث مع موظفي الرعاية الصحية لفهم ومعرفة كيفية التعامل مع المعلومات التي تعطى لهن، ويكن غالباً في حالة شديدة من الحزن.

وفي محاولة لتخطي هذا الحاجز، ساعدت منظمة أطباء بلا حدود بتنفيذ برنامج "من الأم إلى الأم" في منطقة بولاوايو، ثاني أكبر مدن زيمبابوي، وتبعد فقط ساعتين عن تشولوتشو. وتقوم النساء المصابات بالفيروس اللواتي سجلن في برنامج منع انتقال الإصابة بفيروس نقص المناعة البشرية من الأم إلى الطفل، بالتطوع للقيام بدور المرشدات لإعطاء الدعم والخبرة الأولية اللازمة للنساء الجديدات في البرنامج. وقد كانت نتائج هذه المبادرة إيجابية للغاية، بحيث تخطط منظمة أطباء بلا حدود إلى تكرار هذه التجربة في تشولوتشو.

وتروي روزالين، وهو ليس اسمها الحقيقي، قصتها، وهي مصابة بفيروس نقص المناعة البشرية وأم لطفلة تبلغ من العمل سبع سنوات، قائلة: "لقد علمت بأنني مصابة بالفيروس وأنا حامل، ولم أقبل أن أصدق هذا الخبر. وقمت بإعلام زوجي على الفور لأنني شعرت باستياء شديد. ولم يقبل زوجي ذلك أيضاً. والأسوأ من ذلك، لم يفهم زوجي ما الذي يسعى إلى تحقيقه برنامج منع انتقال الإصابة بفيروس نقص المناعة البشرية من الأم إلى الطفل. وكنت وحيدة خلال كل هذه المراحل، ومررت بفترات شعرت بأنني أُنكر إصابتي، قبل أن أقبل بها في النهاية. أما زوجي، فقد أنكر الموضوع تماماً حتى مرض جداً. وقد بدء بتناول العلاج المضاد للفيروسات الرجعية في وقت متأخر، وتوفي منذ عام".

وتشعر روزالين ونساء أخريات أيضاً، أن الدعم الذي يقدمنه والتجربة التي يعشنها تعد مهمة للغاية. وقالت روزالين: "إن الأمهات اليوم يقبلن بوضعهن الصحي أكثر من قبل، فقد تعّرفن على نساءٍ عاشوا التجربة نفسها. وعندما نزور النساء نسأل دائماً عن الأزواج، حتى يتسنى لنا التحدث معهم. وتعد مشاركة الرجال في برنامج منع انتقال الإصابة بفيروس نقص المناعة البشرية من الأم إلى الطفل مهمة للغاية، بالرغم من أن نسبة مشاركة الرجال حالياً تبلغ أقل من 18%. وعادة يستمع الرجال إلى النساء، ولكن يكون الوضع أفضل إذا ما قام الرجال بالتحدث مع النساء. إذ يعتقدون بأنه لا يمكن أن تخبرهم النساء بشيء".

وبالرغم من كل هذه الجهود، ما زال هناك كابوس يسيطر على هؤلاء النساء. وقد عبرت عن ذلك روزالين بقولها: "بعد نجاحنا في إنقاذ أطفالنا من مصير الإصابة بفيروس نقص المناعة البشرية، إلا أننا نخشى من أن يصابوا به عندما يصبحون مراهقين. وإنها لفكرة مخيفة".

تهدف منظمة أطباء بلا حدود إلى تسهيل حصول الجميع على العلاج والرعاية اللازمة للمصابين بفيروس نقص المناعة البشرية. وللوصول إلى تلك الغاية، تعمل المنظمة في 13 عيادة ريفية من أصل 17 في منطقة تشولوتشو، وكذلك تقوم بدعم مستشفى تشولوتشو من خلال مساعدة وزارة الصحة في توزيع العلاج المضاد للفيروسات الرجعية، إضافة إلى دعم برنامج منع انتقال الإصابة بفيروس نقص المناعة البشرية من الأم إلى الطفل. ويتم توفير استشارات مبدئية وكذلك متابعة الحالات التي بدأت في تناول العلاج المضاد للفيروسات الرجعية في كل من مستشفى تشولوتشو وأربع عيادات ريفية. كما تقوم عيادتان بتوفير متابعة للعلاج (توفير العلاج المضاد للفيروسات الرجعية بمجرد ما أن يتم إعطائه للمصاب في المرة الأولى في المستشفى). وتقدم باقي العيادات فقط خدمات المشورة والفحوصات بصورة طوعية. وقد تم توفير خدمات التشخيص المبكر للأطفال في المنطقة منذ أكتوبر/تشرين الأول عام 2009، وتم إدخاله في 17 عيادة ريفية في فبراير/شباط عام 2011. ويتم إرسال عينات من بقع الدم الجاف إلى هراري، لإجراء فحص الحمض النووي لتفاعل البوليميراز السلسلي. ويعد هذا النظام سهلاً نوعاً ما في حال ما تم استخدامه في المناطق الريفية. ويستطيع الأطفال البدء في العلاج المضاد للفيروسات الرجعية، أما الحالات غير المصحوبة بمضاعفات، فيتم متابعتها في العيادات الريفية الستة الأخرى التي تتوفر فيها هذه الخدمة.

إدعم منظمة أطباء بلا حدود

تبرّع

العودة إلى الأعلى

تواصل معنا

  • شاهدنا على يوتيوب

حمولة