حقيقة مؤلمة: التأقلم مع الحياة في شمال كيفو، جمهورية الكونغو الديمقراطية

يوليو 10, 2011

تبرّع
حقيقة مؤلمة: التأقلم مع الحياة في شمال كيفو، جمهورية الكونغو الديمقراطية Marine Pariente

تشهد مقاطعة شمال كيفو في جمهورية الكونغو الديمقراطية مشاكل عدة من بينها التعذيب والعمل القسري والتحرش والاغتصاب والهجمات المسلحة والقتل وعمليات النهب، بحيث يحدث ذلك أسبوعياً إن لم يكن يومياً. وفي هذا الجزء من العالم، لم ينجو أحد تقريباً من الأضرار الناجمة عن النزاعات التي تتغلغل في هذه المنطقة على مدى السنوات الست عشرة الماضية. وفقد معظم الناس إن لم يكن جميعهم أحبائهم، أو اضطروا إلى الفرار من القتال الدائر، أو شهدوا آخرين يقتلون أو يعذبون أمامهم.

وتكمن بين التلال الخضراء الكثيفة والمدهشة، موارد وفيرة ومتنوعة مثل الذهب وحجر القصدير والكولتان والتربة الخصبة الغنية. وتنمو المحاصيل بكثرة عندما تتوفر الحقول لذلك. ويسيطر التوتر على الأجواء، وهناك المزيد من الضحايا المصابين بطلقات نارية في المستشفى، ويتم مهاجمة عمال الإغاثة على الطرقات، وتنتشر الشائعات عن القتل والاعتداءات، إضافة إلى مشاكل إطلاق النار في القرى. إذ نشهد كل يوم حادثة جديدة تلو الأخرى...

ويعيش السكان في خوف دائم. وتعاني عائلات بأكملها وتنزح إلى مناطق أخرى جراء النزاع، بحيث تكون بالكاد أكثر أماناً من قراهم، ويواجهون مشاكل الحصول على الطعام والمياه النظيفة، ويكافحون من أجل الحفاظ على كرامتهم، ويفعلون كل ما بوسعهم للاستمرار بالعيش، على الرغم من أن عالمهم ينهار من حولهم.

وتدير منظمة أطباء بلا حدود، كجزء من مشروع لها في مويسو، برنامجاً للرعاية النفسية والاجتماعية لأولئك الذين يعانون من آلام نفسية شديدة جراء الحرب. ويعاني الكثيرون من أعراض لاحقة للصدمة النفسية بما فيها الخوف الدائم واستذكار الماضي والأرق والأفكار الانتحارية ومشاعر اليأس وتسارع خفقان القلب وصعوبة في التنفس. ويأتي هؤلاء إلى منظمة أطباء بلا حدود على أمل أن يحصلوا على الإغاثة والدعم وربما الدواء أيضاً.

وقد شهد صبي يبلغ من العمر 12 عاماً والدته وأخوته يقتلون على أيدي رجال مسلحين. وقد أصيب والده بجروح بليغة، وبطريقة ما تمكن هذا الصبي من الفرار، على الرغم من محاولة المسلحين خطفه. وتحدث الصبي عن تجربته حيث قال: "أنا خائف، أنا خائف طوال الوقت". وتعاني امرأة تبلغ من العمر 60 عاماً من الصداع الذي يسبب لها العجز بالإضافة إلى آلام في معدتها، وتقضي أيامها وهي تتساءل "متى سوف يحين دوري كي أتعرض للقتل؟". ويعاني رجل من الكوابيس لدرجة أنه يكون على وشك الوقوع من سريره في المستشفى. ويروي آخر ذكريات الماضي اليومية، فيبكي على السنوات العشرة الماضية. فبعد تعرضهم للتعذيب أثناء الاحتجاز، يتحدث الجميع عن "مشاعر الموت لديهم".

وقد نزح معظم الذي تقوم منظمة أطباء بلا حدود بتقديم المساعدة لهم من قراهم، ويعيشون اليوم في ملاجئ مؤقتة ضمن مخيمات تنتشر في جميع أنحاء المقاطعة. وتزدحم الملاجئ بجانب بعضها البعض على أرض استنفذت من الغطاء النباتي. وتعّد المواد التي استخدمت لبناء الملاجئ قديمة وهي بالكاد قادرة على الصمود أمام التغييرات الموسمية. وتعيش الأسر المكونة من أربعة أفراد أو أكثر ضمن مساحة أقل من ثلاثة أمتار مربع. وقد أمضى معظم النازحين عدة سنوات في المخيمات. وليس لديهم أية أخبار عن عائلاتهم أو أحبائهم الذين تركوهم وراءهم، وتعّد العودة إلى بلدهم للاطمئنان عليهم أمراً في غاية الخطورة. وبالمقابل فإن الظروف المعيشية والضغوطات التي تعاني منها المخيمات أمر لا يصدق، فضلاً عن مشاكل النهب المستمر ومختلف المضايقات.

ويوجد في قرية كاشوغا التي تبعد 15 كيلومتراً عن مويسو، خمسة مخيمات تؤوي نحو 15.000 نازح. ويفزع الناس في هذه المخيمات من أي شيء، إذ في حال حدوث أي ضجيج عالي، يختفي جميع الناس من المخيم في محاولة لإنقاذ حياتهم، وقد يلوذون بالفرار وهم عراة إذا لزم الأمر. ويتعرض الناس للمضايقات باستمرار وتنهب ممتلكاتهم. ولا يستطيعون الوصول إلى حقولهم، وهم في الوقت نفسه يشغلون مساحة من حقول السكان المحليين، مما يجعل إنتاج الغذاء مشكلة خطيرة. وعندما تمطر، لا تحميهم أسقفهم المصنوعة من القش من مياه الأمطار، ولا يستطيعون حتى إشعال النار في أكواخهم بسبب مياه الأمطار الراكدة داخل الأكواخ. ويختبئ الرجال من الجماعات المسلحة، خوفاً من أن يتم الإمساك بهم ويجبرون على أعمال السخرة. وتضطر النساء إلى البقاء عاريات في أكواخهم إلى أن تجف ملابسهن الوحيدة التي يمتلكونها. ويناضل الأطفال مثل الكبار تماماً، فيحملون جرار الماء أو حُزم الحطب التي تكون عادة أثقل منهم. وقد تصبح الفتيات حوامل جراء عمليات الاغتصاب. وينخرط الأطفال الذكور إما بسبب التيتم جراء الحرب أو المعاناة من الأمراض، في القوات المسلحة، حيث لا يوجد أي حل آخر غير ذلك للبقاء على قيد الحياة. وليس من المستبعد أن يعاني الكثيرون بسبب هذه الظروف من مشاكل خطيرة تؤثر على صحتهم العقلية، وتنهكهم بحيث يفقدون القدرة على رعاية أنفسهم أو أحبائهم.

ويقضي بعض الأشخاص أيامهم وهم وحيدون يجلسون أمام أكواخهم، بينما لا يغادر آخرون أبداً أسِّرتهم. ولم يعد الكثير من الناس الذي يعيشون في المخيمات، يحتفلون بالمناسبات الاجتماعية مثل الأعراس وغيرها. وقد توقف آخرون من السعي وراء الحصول على الرعاية الصحية لأنفسهم وعائلاتهم. فعلى سبيل المثال، تخلت عائلة عن امرأة أصيبت بحروق شديدة وتركتها لوحدها في كوخ، فقد قالوا "إنها سوف تموت على كل حال". وليس من المستغرب أن نرى حوادث كجزء من الحياة اليومية، تمثل حالات من التعبير عن الغضب والانتقام من الأبرياء.

وتتعامل فرق الرعاية النفسية والاجتماعية التابعة لمنظمة أطباء بلا حدود بشكل يومي مع أفقر الفقراء وأكثر الأشخاص الذين يعانون من الآلام. بحيث يكون هؤلاء الذين يعانون من أسوء المشاكل الصحية، وأصعب الظروف المعيشة، ولا يتوفر لديهم الطعام، وقد واجهوا أكثر التجارب صعوبة في الحياة، من أكثر الحالات التي يتعامل معها فريق الرعاية النفسية والاجتماعية التابع للمنظمة. ونستطيع القول بأن مستشارينا على أهبة الاستعداد للتعامل مع تلك الحالات.

ويتم تدريب المرشدين من قبل منظمة أطباء بلا حدود لتقديم الدعم النفسي والاجتماعي إلى أفراد مجتمعاتهم. ويساعدون الذين يعانون من الآلام نفسية على استعادة السيطرة على حياتهم، بحيث يصبحون قادرين على زراعة المحاصيل ورعاية أبنائهم وتبادل السلع والمشاركة في أنشطة المجتمع. ويعّد التخفيف من شدة الأعراض التي يعانون منها والقدرة على العمل من جديد، أمراً ضرورياً لصحتهم ووضعهم الغذائي وظروف المعيشية وإحساسهم بالانتماء إلى المجتمع وقدرتهم على العيش بالرغم من الصعوبات التي يواجهونها كل يوم.

ويعمل المستشارون خلال عدة جلسات استشارية إما فردية أو من خلال مجموعات، على معالجة الأعراض النفسية والمشاكل العملية والمشاكل الأسرية والكآبة والإحساس بالخسارة والمشاعر الأخرى مثل الحزن أو الغضب. وتعّد الخطوة الأولى في السيطرة على مشاكل المرضى أو حلها من خلال مساعدتهم على تفّهم أن الأعراض التي يعانون منها عادية، مقارنة بالحياة التي عاشوها. وغالباً ما يستطيع المستشارون من خلال تفحص لغة الجسد للمرضى ومراقبة تعبيرات وجوههم، إدراك التجارب الرهيبة التي عانوا منها. وقد لا يتحدث المرضى عن قصصهم المروعة، فمن الممكن ألا يكون هذا أمراً مفيداً. ولكن تبقى قصصهم حاضرة وواضحة سواء في غرفة المعاينة أو أثناء العمل.

وكباقي نواحي الرعاية الطبية التي توفرها منظمة أطباء بلا حدود في كيفو الشمالية، تعّد الخدمات الصحية العقلية جزءاً من المحافظة على الحياة. بحيث تساعد المرضى المصابين بأشد الصدمات ويعانون من اليأس، من قبول التحديات التي يواجهونها وعدم التفكير في الانتحار. وتساعد كذلك أولئك الذين تسيطر عليهم الرغبة في الانتقام، مثل التفكير بشن الهجمات وأعمال القتل، على اختيار وسيلة أقل عدوانية في التعامل مع غضبهم. وتساعد الرعاية النفسية والاجتماعية أيضاً على استعادة الكرامة من خلال مساعدة المرضى في التعامل مع تجاربهم المؤلمة، من أجل تجنب المشاكل الصحية المزمنة وبالتالي الشفاء. ومن الملفت للنظر أن بعض المرضى يضطرون إلى السير على الأقدام لمسافة 15 كيلومتراً ليتمكنوا من حضور جلسات المتابعة.

وتتحسن حالة غالبية الذين يطلبون الحصول على المساعدة، على سبيل المثال يبدأ أولئك الذين كانوا يبكون يومياً بالابتسام مرة أخرى، ويتمتع أولئك الذين كان يعانون من الخوف "طوال الوقت" بلحظات تخلو من القلق، ويعود الذين قد تخلوا عن الحياة، إلى العمل مرة أخرى. ويحصل المستشارون على تقارير تشير إلى حدوث تغيير، إذ يشير النازحون إلى أن مستوى العنف قد انخفض في بعض المخيمات، وقد لاحظ المستشارون أيضاً أنه أصبح من النادر معاينة المرضى أثناء النهار وذلك لأنهم يعملون في ذلك الوقت، وقد أشار الأطباء إلى وجود تحسن في امتثال المرضى للعلاج الطبي وقد زادت مستويات تعاونهم.

وأحياناً قد يشكل عدد قليل من الاستشارات فرقاً واضحاً. على سبيل المثال فإن فتاة مراهقة تبلغ من العمر 15 سنة، والتي كانت تستحوذ عليها الأفكار الانتحارية ولا تستطيع التوقف عن البكاء، أو التعبير عن مشاعرها أو حتى إجراء أي اتصال بصري، أصبحت الآن تتحدث معنا وتخبرنا جزءاً عن تجربتها في الاختطاف والاسترقاق الجنسي. وبعد مضي بضع جلسات، بالرغم من أن قصة عذابها ومعاناتها لم تتغير، إلا أنها توقفت عن البكاء، وأصبحت تبتسم من جديد، وبدأت أيضاً العمل في الحقول مرة أخرى. وبالرغم من عدم تغيّر العالم من حولها، إلا أنها مصّرة على المضي قدماً.

 

إدعم منظمة أطباء بلا حدود

تبرّع

العودة إلى الأعلى

تواصل معنا

  • شاهدنا على يوتيوب

حمولة