سكان هايتي يواجهون

مارس 15, 2010

تبرّع
سكان هايتي يواجهون

رجع مؤخراً من هايتي كل من كوليت غادين، التي أشرفت على أنشطة منظمة أطباء بلا حدود في هايتي خلال الأسابيع القليلة الأخيرة، وكريستوفر ستوكس، مدير عام لأطباء بلا حدود. بعد مرور شهرين تقريباً على الزلزال المدمر الذي ضرب الجزيرة، يقدم لنا هذان المسؤولان من المنظمة آرائهما الشخصية عن الوضع ويسلطان الضوء على المساعدة "غير الكافية على نطاق واسع" في الميدان. فيما يلي الحوار المشترك الذي أجريناه معهما.

كيف هو الوضع على أرض الميدان اليوم؟

كريستوفر ستوكس: بالرغم من كل التعبئة الدولية المكثفة التي نشاهدها، وبالرغم من أموال التبرعات الهائلة التي تم جمعها عبر العالم ومئات منظمات الإغاثة المتواجدة على أرض الميدان اليوم، إلا أننا نرى بوضوح أن التجاوب مع الوضع على أرض الواقع غير كافي على نطاق واسع مقارنة بهول الكارثة واحتياجات السكان الراهنة. بالطبع قامت منظمات الإغاثة بالكثير حتى الآن، خصوصاً فيما يخص العناية الطبية والمساعدات الطارئة. ولكن بالنسبة لأعداد كبيرة من الهايتيين، بعد مرور شهرين تقريباً على الزلزال، يبقى هذا التضامن في كثير من الأحيان بعيداً عن أعينهم، إذ لم ينعكس على أرض الواقع في شكل مساعدات، خصوصاً حول المأوى والمرافق الصحية.

كوليت غادين: في العاصمة بورت أو برنس وضواحيها، زرت العديد من المواقع التي عثر فيها بعض المتشردين على مأوى لهم. وهناك حوالي 20 موقعاً شبيهاً، حصلت أكبرها على بعض مواد الإغاثة مثل الخيام والأغطية المقاومة للمياه ومرافق دورات المياه والمياه والطعام، وغيرها، بالإضافة إلى المساعدة الطبية الأساسية. غير أن المساعدة التي حصلت عليها تلك المواقع تبقى غير كاملة، وهناك العشرات غيرها لا تزال تفتقر حتى إلى أبسط المساعدات. هناك الآلاف من الهايتيين الذين لم يروا بعد أيةً مساعدة.

هل يمكنكما وصف ظروفهم المعيشية؟

كوليت غادين: إنه وضع صادم. فالظروف التي يعيش فيها آلاف الأشخاص اليوم مخزية. وتعاني الأماكن التي يتجمع فيها الناجون من اكتظاظ فظيع، بحيث يكاد يعيش الناس بعضهم فوق البعض فعلاً. لقد شاهدنا أشخاصاً ينامون على الأرض لا يملكون سوى غطاء سرير فوق رؤوسهم ليحتموا تحته. لقد خسر الناس كل شيء يملكونه، بل إن بعضهم اضطر إلى أن يشتري بنفسه أغطية بلاستيكية. إنه وضع لا يجب السكوت عليه، خصوصاً مع بدء موسم الأمطار الغزيرة الآن. فالروائح الكريهة لا تطاق، إذ أن العديد من المواقع ليس لديها أية مرافق لدورات المياه. فلا شك أن انعدام المأوى والظروف الصحية المناسبة يشكلان خطراً على الصحة العامة أولاً، ثم انتهاكاً سافراً للكرامة الإنسانية لكل هؤلاء الناس.

كريستوفر ستوكس: يمكننا اليوم إبداء ملاحظة هامة: لم يتم تلبية احتياجات سكان هايتي الكبيرة من حيث المأوى والمرافق الصحية والظروف المعيشية الأساسية بعد. ولهذا السبب، شرعنا في توزيع 26,000 خيمة من المنتظر أن توفر المأوى لحوالي 100,000 شخص. وقد وزعنا بالفعل 7,000 خيمة منها حتى الآن، فيما نواصل توزيع الباقي. كما تقوم منظمة أطباء بلا حدود بتوزيع أواني الطبخ ولوازم النظافة (الصابون، أواني الغسل، المناشف، وغيرها)، بالإضافة إلى البطانيات والناموسيات لنفس العدد من السكان. غير أن كل هذه المساعدات لن تكون كافية، فعلى المنظمات الإنسانية أن تبذل أكثر من ذلك بكثير، فوراً وبدون تأخير.

كيف هي حالة السكان النفسية؟

كوليت غادين: من الواضح أن كل من مر بتجربة هذا الزلزال سيكون في حالة صدمة الآن. فما زالت الهزات الارتدادية تقع في هايتي وتعطل محاولة شعب كامل يحاول أن يتعافى من الفاجعة. فقد الكثيرون منازلهم، ومن حالفه الحظ ليبقى سقف بيته قائماً لا يملك الشجاعة لأن يقضي الليل تحته. إنهم ينامون في الخارج أمام منازلهم. هناك أيضاً الخوف من أعمال العنف والنهب. ولكن الأفظع من ذلك كله هو ما قاله لي العديد من الهايتيين: إنهم يشعرون بأننا تخلينا عنهم. فلا علم لهم بما سيحدث لهم مستقبلاً أو ما سيتلقونه بالضبط، لا يعرفون حتى أين يذهبون.

كيف كانت استجابة أطباء بلا حدود فيما يخص المساعدات الطبية؟

كوليت غادين: ركزت المنظمة في البداية على الاحتياجات الطبية العاجلة، والتي كانت معنية أساسا بالتدخلات الجراحية. فعلى مدى الأيام القليلة الأولى، كانت الأولوية في إجراء العمليات الجراحية الطارئة والمنقذة للحياة. لقد فحصنا 41,232 مريضاً وأجرينا 3,389 عملية جراحية حتى الآن. كما خصصنا برنامجاً للصحة العقلية فضلا عن العناية اللاحقة للعمليات الجراحية والعلاج الطبيعي. ونظرا إلى النقص الكبير من حيث المأوى والمرافق الصحية، بدأت منظمة أطباء بلا حدود بتوزيع مكثف للخيام ومواد الإغاثة. ولكننا الآن أشرفنا على نفاد مخزوننا، ولا يمكننا فعل المزيد...

هل تمت تلبية احتياجات السكان الطبية؟

كريستوفر ستوكس: معظم الذين عانوا من إصابات خطيرة وخضعوا لعمليات جراحية خلال الأيام الأولى التي تلت الزلزال سوف يستفيدون من علاج طبي متواصل لفترة قد تصل إلى سنة كاملة. فهناك الكثير من عمليات الجراحة التجميلية أو المتابعة الجراحية التي علينا القيام بها، بالإضافة إلى إعادة التأهيل وإعداد الذين خضعوا لعمليات البتر لتركيب أطرافهم الاصطناعية. لقد كان نظام الرعاية الصحية في هايتي ضعيفاً أصلاً قبل حلول الزلزال، وهو الآن ليس في وضع يسمح له بتقديم خدمات الرعاية المطلوبة. كما دمر الزلزال العديد من مرافق المستشفيات في هايتي أو أصابها بأضرار جسيمة. أما المستشفيات التي لم تصب بأضرار، شرعت في فرض رسوم على المرضى الذين يلجؤون إليها. وحالياً هناك عدد من المنظمات الطبية التي بدأت تستعد لمغادرة هايتي، والبعض منها طلب بالفعل من منظمة أطباء بلا حدود أن تتكفل بمرضاهم. ورغم أنه من الصعب تقدير كم من الآلاف من المرضى بالضبط سوف يحتاجون للعناية اللاحقة للعمليات الجراحية، إلا أن النقص في قدراتنا على استيعاب هذه العمليات يمكن أن يشكل مشكلة كبيرة بسرعة. لقد جهزت أطباء بلا حدود مرافق هامة لأنشطة العناية اللاحقة للعمليات الجراحية، تتكون من أكثر من 700 سرير في مدن بورت أو برنس وكارفور وليوغان وجاكمل، وهي تواصل جاهدة توسيع هذه القدرات وزيادتها. فإن هذه التجهيزات لن تكون كافية لتلبية الاحتياجات كافة. إذن من الضروري أن تواصل المنظمات الطبية مسؤولياتها الطبية في مساعدة المرضى خلال مراحل علاجهم.

كوليت غادين: لقد تفاقمت مشكلة المتابعة الطبية هذه بسبب النقص في الملاجئ والظروف المعيشية المتدهورة، فهما مرتبطان. حين زرت مواقع الأشخاص الذين أصبحوا بدون مأوى، رأيت أشخاصاً يعانون من جروح خطيرة ويعيشون في ظروف مأساوية. لقد كان هناك مثلاً شاب في السادسة والعشرين من عمره خضع لعملية جراحية في عيادة طبية، وكان يحمل أداة تجبير خارجية للكسور (عبارة عن أداة معدنية تحيط بالعظم وتخترق الجلد). ورغم أن حالته الصحية تستدعي المراقبة داخل المستشفى، إلا أنه لا يتلقى سوى خدمات الرعاية من عيادة طبية خارجية. وفي مثل هذه الحالات، هناك خطر كبير من الالتهاب... وفي حي سارت من بورت أو برنس مثلاً، أقمنا قرية طبية لنتمكن من استقبال المرضى في ظروف مقبولة.

هل بدأت تظهر آمال إعادة البناء في الأفق الآن؟

كريستوفر ستوكس: إننا الآن في مرحلة بالغة الأهمية. لقد انتهت مرحلة الطوارئ الحرجة الأولى. وفي نفس الوقت، نجد المجتمع الدولي يتناقش الموضوع البالغ الأهمية ألا وهو إعادة البناء. ولكن سيستغرق الأمر شهوراً عدة، وربما سنوات، قبل أن تظهر آثار مشروع إعادة البناء على أرض الواقع. أما على الميدان الآن فهناك حالة طوارئ بالفعل. ّإذ يتطلب الوضع المأساوي الذي يعيش فيه عشرات الآلاف من الهايتيين اليوم تعبئة شاملة للمساعدات الدولية على المدى القصير. وقد تم تحديد الاحتياجات فيما يخص الملاجئ والظروف المعيشية حيث أن هناك خطة لتوفير المأوى لحوالي مليون شخص. ولكن هذا لا قيمة له على أرض الواقع حالياً، لأنه من المحتمل أن يأخذ وقتاً طويلاً في التنفيذ. إننا بحاجة إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع مثلا: ملاجئ، وظروف صحية أفضل، والتزام واضح فيما يخص الرعاية الصحية والطبية. يجب ألا ننسى احتياجات الهايتيين الأساسية خلال هذه المرحلة الانتقالية.

كوليت غادين: منذ حوالي عشر أيام، سألني أحد الزملاء الهايتيين والدموع تملأ عينيه: ’’ماذا سنفعل بهذا البلد؟ هناك عدد كبير من المصابين ومن الذين خضعوا لعمليات البتر‘‘. استوعبت آنذاك حقيقة أننا سنبقى في هايتي لفترة طويلة من الزمن.

إدعم منظمة أطباء بلا حدود

تبرّع

العودة إلى الأعلى

تواصل معنا

  • شاهدنا على يوتيوب

حمولة