النيجر: "شرعنا منذ الآن في الاستعداد لفترة الذروة المقبلة "

يناير 23, 2014

تبرّع
النيجر: "شرعنا منذ الآن في الاستعداد لفترة الذروة المقبلة " © ramon pereiro/MSF

كومي نيومغابو، 40 سنة، بوروندي الأصل، أنهى مؤخراً مهمته التي دامت تسعة أشهر، قام خلالها بتنسيق مشروع منظمة أطباء بلا حدود الخاص بتخفيض نسبة وفيات الأطفال في بوزا في منطقة تاهوا. وفي الحوار التالي، يحكي لنا كومي تفاصيل تجربته.

ما هو الوضع في بوزا حالياً؟

لقد عشنا أصعب فترة من هذا العام: الفجوة الغذائية (الفترة التي ينقص فيها الطعام) مع نسبة انتشار كبيرة للملاريا بسبب موسم الأمطار. فالفترة ما بين يونيو/حزيران وأكتوبر/تشرين الأول هي بالفعل فترة حرجة بالنسبة للأطفال الصغار. ومنذ بداية شهر نوفمبر/تشرين الثاني، انخفض عدد الأطفال الذين نستقبلهم في المستشفى، وهذا يدل على أن أصعب فترة من العام قد شارفت على الانتهاء. غير أن هذه الأزمة تبقى مزمنة وتتكرر كل عام، ولهذا السبب بالذات تجدنا قد شرعنا منذ الآن في الاستعداد لفترة الذروة المقبلة. وحسب تجربتنا في المنطقة، تعتبر التوقعات عاملاً حاسماً في مواجهة الأزمة، إذ سوف نحتاج إلى فريق مؤهل ومدرب جيداً للتدخل. وفي بوزا بالتحديد، وهي منطقة ريفية، يُشكل غياب الموارد البشرية المؤهلة تحدياً حقيقياً، كما هو الحال بالنسبة لقدرة السكان على الوصول إلى المرافق الصحية. إذ توجد القرى غالباً في مناطق نائية، وتصبح الطرق غير صالحة خلال موسم الأمطار.

ما هي أهم الأنشطة التي أنجزتموها في المشروع خلال الأشهر القليلة الماضية؟

يُعتبر داء الملاريا وسوء التغذية من أهم مسببات الوفيات لدى الأطفال في النيجر. فخلال الأشهر الأكثر حرجاً من السنة، حاولنا إتاحة خدمات العلاج ذات الجودة للأطفال المرضى في أقرب وقت ممكن. وفي بوزا، يعتمد النظام الصحي على العيادات، والتي تُدعى محلياً بـ"الأكواخ الصحية"، حيث يوجد موظف صحي واحد تلقى تدريباً طبياً أساسياً فقط. ثم هناك المراكز الصحية المتكاملة التي تعاني من ندرة مزمنة في طاقم التمريض المؤهل، ثم بعدها المستشفى المحلي الذي يوجد في بلدة بوزا. وفي عام 2013، أطلقت المنظمة مشروعاً يغطي عدة أماكن تحت اسم "بيكادوم" (PECADOM)، سعت من خلاله إلى تقريب الخدمات الصحية قدر المستطاع من المرضى، وذلك باستخدام أدوات بسيطة في تشخيص ومعالجة الملاريا وغيرها من أمراض الطفولة. بالإضافة إلى ذلك، دُرّب "مكافحو الملاريا" للعمل في قرى نائية وقمنا بدعم الأكواخ الصحية. وستساعد هذه التدابير على التعرف على الحالات المبكرة للملاريا ومعالجة الحالات البسيطة وإحالة الحالات المعقدة.

كما أطلقنا كذلك حملة الوقاية الكيميائية الموسمية من الملاريا، والتي تتضمن إعطاء الأطفال الذين تتراوح أعمارهم ما بين ثلاثة أشهر وخمس سنوات أدوية مضادة للملاريا مرة واحدة كل شهر، بحيث تستمر هذه الحملة على مدى الأشهر الأربعة التي يصل فيها انتقال عدوى الملاريا إلى ذروته، من يوليو/تموز إلى أكتوبر/تشرني الأول. وتساعد هذه الحملة على تجنيب الأطفال خطر الإصابة بالملاريا أو بنوع أخف حدة من هذا المرض. وقد استحسن السكان المحليون هذه الإستراتيجية، إذ ما لبثت أعداد الأطفال الذين يحصلون على العلاج ترتفع من جولة علاج إلى أخرى، ونحن نتوقع أن تنتشر جولة العلاج التالية لتصل إلى أقاصي القرى النائية. واليوم حين نناقش هذا الموضوع مع السكان في كل منطقة، نجدهم يؤكدون لنا بأن أعداد حالات الإصابة والدخول إلى المستشفيات قد بدأت تتناقص.

كيف تُشرك منظمة أطباء بلا حدود المجتمع المحلي في المشروع؟

نجري أنشطة توعية كثيرة داخل المجتمع المحلي، إذ تعمل فرقنا مع 140 متطوعاً في هذه القرى، ينقلون المعلومات بشأن سوء التغذية والملاريا وكيفية التعامل مع الطفل حين يمرض، الخ. لذلك فإن الدور الذي يقوم به هؤلاء المتطوعون مهم جداً للوصول إلى السكان وإذكاء الوعي.

كما وضعنا إستراتيجية أطلقنا عليها اسم "أمهات الأنوار"، موجهة إلى الأطفال الذين يتهددهم خطر الإصابة بسوء التغذية الحاد الوخيم؛ إذ تصبح أمهات هؤلاء الأطفال أعضاءً في مجموعة أمهات حظيت بالتدريب من قبل المنظمة، يقمن بتلقينهن كيفية إعداد الطعام والاستفادة منه قدر الإمكان من أجل تغطية الاحتياجات الغذائية لأطفالهن. وتُحضر الأمهات طعامهن بأنفسهن ويقمن بإعداده، ثم يُطعمن أطفالهن. وهكذا، تُشرك هذه الإستراتيجية المجتمع المحلي في الوقاية من سوء التغذية ومعالجتها، وفي الوقت نفسه تحافظ على تقاليد المجتمع وثقافته.

ولا ننسى أيضاً مساهمة مختلف صانعي القرار والقادة المحليين والدينيين في أنشطة توعية وتعبئة المجتمع.

هل تستطيع تلخيص تجربتك في بوزا من خلال صورة أو قصة شهدت عليها؟

ذات يوم، خلال جولة تفقدية مع طبيب وزارة الصحة المسؤول، زرنا أحد الأكواخ الصحية النائية داخل المقاطعة. وحين فتح الموظف الصحي المسؤول عن هذا المرفق الصغير الباب لنا، كانت الغرفة متسخة وبائسة وتعمها الفوضى. كنت أتوقع رد فعل فوري من الطبيب المسؤول، ولكنه بقي صامتاً، ما أثار دهشتي. حين خرجنا، شرح لي موقفه: "إذا قلت له بأن حالة المركز لا يمكن القبول بها، فسوف يغادر ويبحث عن عمل آخر. ونحن أصلاً نعاني من نقص هائل في الموظفين لدينا... حينها، لن يتمكن السكان هنا من الاستفادة من الخدمات الصحية". لذلك، اكتفى بإعطاء الموظف بعض التوصيات، ومن جهتنا طلبنا من الممرض المشرف التابع لمنظمتنا تقديم الدعم والتدريب إليه والإشراف على عمله عن كثب. بعدها، تحسنت الأوضاع كثيراً في المركز. لقد كان هذا المثال نموذجاً لتحفيز باقي الموظفين الصحيين على تحسين حالة الأكواخ الصحية. وفي النهاية، نجحنا في تحقيق تغيير إيجابي.

إنه دليل على أنه حين نرغب فعلاً في المحاولة وبذل الجهد، نستطيع تحقيق فرق وتغيير الأوضاع نحو الأفضل، وبطريقة سريعة جداً. إنني أتحدث عن تجربة رؤية الأطفال يصلون إليك وهم في غاية المرض بسبب سوء التغذية وغيره من مسببات الأمراض، ثم بعدها تشهد على تحسن حالتهم بسرعة وتشاهدهم يبتسمون مرة أخرى في وجه أمهاتهم... لعلها الصورة الأكثر ترسخاً في ذهني والذكرى التي سأحتفظ بها من هذه التجربة التي خضتها.

إدعم منظمة أطباء بلا حدود

تبرّع

العودة إلى الأعلى

تواصل معنا

  • شاهدنا على يوتيوب

حمولة