الأراضي الفلسطينية المحتلة – الضفة الغربية: منظمة أطباء بلا حدود توفر الدعم لضحايا العنف

أبريل 15, 2012

تبرّع
الأراضي الفلسطينية المحتلة – الضفة الغربية: منظمة أطباء بلا حدود توفر الدعم لضحايا العنف © Juan-Carlos Tomasi

الحادثة الوحيدة التي أثرت فيّ فعلاً كانت حين هاجمني المستوطنون في متجري. الطريقة التي اقتحموا فيها المتجر كانت مرعبة. ويعجز الكلام عن التعبير عما شعرت به أثناء الحادثة. شعرت بأنني سأموت. فقدت الإحساس برجلي الاثنتين. كنت حاملاً في الشهر الثاني والنصف آنذاك. لكنني أجهضت بسبب هذا الاعتداء، فقدت طفلي.

تعيش "ج" مع زوجها وأطفالهما الستة في المدينة القديمة من الخليل

في أعقاب مقتل خمسة أفراد من أسرة واحدة من المستوطنين في مستوطنة إسرائيلية تبعد عن نابلس 5 كيلومترات (في أوائل عام 2011)، وردود أفعال الجيش الإسرائيلي الانتقامية ضد سكان القرى القريبة، ظلت حدة التوتر متصاعدة. وبالتوازي مع ذلك، تزايدت اعتداءات المستوطنين على المدنيين الفلسطينيين بشكل واضح، وبلغت ذروتها القصوى في سبتمبر/أيلول 2011.

على مدى الأشهر الماضية، تضررت مناطق نابلس وقلقيلية والخليل إلى حد شديد جراء سلسلة واسعة من أعمال العنف التي ارتكبها المستوطنون، تراوحت بين المضايقات والتهديدات المستمرة والهجمات المباشرة على القرويين الفلسطينيين. وقد لوحظت أشكال متنوعة من العنف الموجه ضد الفلسطينيين في الأراضي الفلسطينية المحتلة، شملت الاعتداءات الجسدية، والمضايقات، والاستيلاء على الممتلكات الخاصة وإلحاق الضرر بها، ومنع الوصول إلى الأراضي الزراعية، والهجمات على البيوت.

في منطقة قلقيلية، بالقرب من نابلس، إن الوضع بين المستوطنين والسكان الفلسطينيين عنيف بشكل خاص. فعلى الرغم من استمرار حملة الاعتقالات التي يشنها الجيش الإسرائيلي بحق الفلسطينيين، إلا أن نهاية فصل الصيف الفائت شهدت زيادة هائلة في الاعتقالات من جانب السلطة الوطنية الفلسطينية: إذ اعتقل أكثر من 390 شخصاً في هذه المنطقة في شهري سبتمبر/أيلول وأكتوبر/تشرين الأول.

تعمل منظمة أطباء بلا حدود في الضفة الغربية منذ عام 2000، حيث تدير برنامجاً نفسياً طبياً اجتماعياً في نابلس، وقلقيلية، والخليل، والقدس الشرقية للضحايا الذين يعانون من مشاكل نفسية تتعلق بالنزاع. وتركز فرق المنظمة على الذين يعانون من الضائقة النفسية (الإجهاد الحاد، واضطرابات القلق، والأعراض التالية للصدمة، والاكتئاب...) الناجمة عن أعمال العنف التي يرتكبها المستوطنون والجيش الإسرائيلي، إضافة إلى النزاع الداخلي الفلسطيني.

تصف "أ"، وهي ربة منزل وأم لعشرة أطفال، التجربة التي مرت بها ليلة هاجم المستوطنون قريتها: "في منتصف الليل تقريباً، كنا نائمين وبدأنا نسمع ضجيجاً في الخارج، ثم سمعنا صراخاً وأصوات تحطم زجاج، وأخذت الحجارة تنهال على نوافذنا وأبوابنا، وفجأة دوّى صوت قوي. في البداية، لم نعرف ما كان يحدث، لكن بعد بضع ثوان اكتشفنا أن جماعة من المستوطنين تحاول تدمير الحافلة الصغيرة التي يملكها زوجي. أضأنا الأنوار الخارجية، وانتظرنا إلى أن غادر المستوطنون، وتبين لنا أنهم حطموا نافذة الحافلة، وصبوا الديزل داخلها واستعدوا لإشعالها، لكن لحسن الحظ منعهم سبب ما وإلا لفقدنا مصدر رزقنا الوحيد".

تضيف السيدة "أ": "ليست لدينا حياة اجتماعية، ولا نستطيع زيارة الأقرباء أو الأصدقاء لأننا نخاف من مغادرة المنزل أو ترك الأطفال لوحدهم. فإذا مرض أحدهم أثناء الليل يصعب جداً الذهاب إلى الطبيب، فالتنقل في الليل ليس آمناً، وفي الوقت نفسه يستحيل أن نترك الأطفال وحدهم. لا نستطيع النوم، ويتعذر التخطيط لأي شيء نظراً لأننا لا نعرف متى سيهجمون علينا، وليس هناك وقت محدد للاعتداءات، إذ يمكن أن تحدث في الليل أو النهار".

التهديد المستمر والخوف المتواصل لا يمنعان الأسرة من العمل والعيش فقط، بل يعطيان الأم سبباً آخر للبقاء في حالة من التيقظ ومراقبة الأطفال، فالخشية من التعرض للقتل أو الخطف معاناة مستمرة للسكان كلهم في هذه المنطقة.

قال أحد الأطفال: "تقدم منظمة أطباء بلا حدود مساعدة كبرى إلينا، فالدعم الذي نحصل عليه من الأخصائيين النفسيين في منظمة أطباء بلا حدود يساعدنا فعلاً على مغالبة الصعوبات والمخاوف التي نواجهها يومياً، لا سيما بالنسبة للأطفال. فبعد زيارة الأخصائي النفسي التابع للمنظمة، بدؤوا يشعرون بأن الحياة تعود إلى حالتها الطبيعية مرة أخرى. بدأنا نرى الناس، ونستطيع ارتداء ملابسنا واستقبال الزوار في المنزل وكأن كل شيء طبيعي وكأننا نستعيد حياتنا الاجتماعية. اليوم مثلاً ارتديت ثيابي وسرحت شعري لأنني علمت أنكم قادمون، وهذا جعل يومي جيداً حقاً".

وقالت "و"، وهي ربة منزل وأم لسبعة أطفال: "اضطررنا لتثبيت سياج حديدي على جميع نوافذ المنزل لحمايته. في البداية، بدا لنا مثل السجن، لكننا الآن نعتقد أن السياج مهم جداً لسلامتنا، ولا أستطيع نسيان تلك اللحظة التي اخترق فيها حجر النافذة ودخل الغرفة حيث كانت تجلس ابنتي. لحسن الحظ، لم يصب الحجر سوى ظهرها، لكنني لا أستطيع التوقف عن التفكير بما كان سيحدث لو أصاب وجهها... الخوف يمنع بناتي من النوم في غرفتهن، إذ يتخيلن أن المستوطنين يتسلقون الجدار ويقتحمون الغرفة، بل إن إحداهن تظن أنها تعيش في فيلم رعب مستمر. نشعر أن الخطر يطوقنا من كل جانب، ليلاً نهاراً".

"أكره فعلاً يومي الجمعة والأحد؛ ففي هذين اليومين نهيئ أنفسنا لرحلة جديدة إلى المجهول. من المزعج جداً الجلوس في انتظار المستوطنين، لكي يهاجموا ويضايقوا ويدمروا". "الخوف من خسارة قريب ما، قتلاً أو خطفاً، يسيطر على أذهاننا دوماً. ومن الخطر على الأطفال اللعب خارج البيت".

"تحسنت حياتي فعلاً بمساعدة الأخصائيين النفسيين من منظمة أطباء بلا حدود، تراجع القلق وأشعر بمزيد من الارتياح، فهذا الدعم يزودنا بالقوة لمواجهة ما يحدث. خف تأثير الصدمة التي أصابت الأطفال، وتحسنت قدرتهم على النوم مقارنة بحالهم في الماضي وذلك بفضل مساعدة الأخصائيين النفسيين في منظمة أطباء بلا حدود".

تعيش "ك"، وهي ربة منزل ووالدة إيناس (9 سنوات) في المدينة القديمة من الخليل في منطقة تعرف باسم H2. وفي كل يوم، تعاني من مضايقات المستوطنين الذين يعيشون في المباني المجاورة. "لا يمر يوم دون اعتداء من المستوطنين. حيث يلقون الحجارة على منزلنا، ويحاولون استفزازنا. لكن ما أثر في حياتنا إلى الأبد حادث جرى قبل سنتين. كنا في رمضان، وكنت في الجامع أصلي، بعيداً عن المنزل. وحين عدت وجدت أن ابنتي تشتكي من ألم في رأسها. أخبرتني أن مستوطناً ضربها وأنها تشعر بصداع. ثم بدأت تشعر بدوار مستمر وغثيان. أخذتها إلى العديد من الأطباء لمعرفة المشكلة. واكتشف أحدهم في رام الله أنها تعاني من سائل في الدماغ. وقال إن الدماغ لن يتأثر الآن، لكن إن بدأ التأثير في المستقبل فيجب أن تخضع لعملية جراحية في الدماغ. أخاف جداً على صحة ابنتي. فهي صغيرة ولا تحتمل عملية في الدماغ".

تعيش "ج" مع زوجها وأطفالهما الستة في المدينة القديمة من الخليل، في منطقة تعرف باسم H2. قبل خمسة أشهر، تعرضت لهجوم من المستوطنين في متجرها. "منذ بدأنا العيش هنا واجهنا مشاكل مع المستوطنين. ففي كل يوم يقذفون الحجارة على نوافذنا. واضطررنا لوضع قضبان حديدية ونوافذ معدنية لحماية أنفسنا من الحجارة. نواجه باستمرار مشاكل كثيرة مع الجنود والمستوطنين. لكن الحادثة الوحيدة التي أثرت فيّ فعلاً كانت حين هاجمني المستوطنون في متجري. الطريقة التي اقتحموا فيها المتجر كانت مرعبة. ويعجز الكلام عن التعبير عما شعرت به أثناء الحادثة. شعرت بأنني سأموت. فقدت الإحساس برجلي الاثنتين. كنت حاملاً في الشهر الثاني والنصف آنذاك. لكنني أجهضت بسبب هذا الاعتداء، فقدت طفلي. أحب الأطفال إلى حد أن الحادثة أثرت فيّ تأثيراً عميقاً. لم أستطع العيش مع أطفالي. لم أستطع العيش حياتي العادية اليومية. وحين أتى الأخصائي النفسي من منظمة أطباء بلا حدود لزيارتي، بدأت أشعر بتحسن. بدأنا الكلام عن مشاعري وعن الحادثة. وبعد 10 جلسات مع الأخصائي النفسي، شعرت بتحسن كبير".

من الصعب جداً على الناس العيش والحلم والتطلع إلى المستقبل في هذه المناطق. فالخوف الدائم من خسارة البيت، أو الأرض، أو أحد أفراد الأسرة، أو الجيران، يلازم الكل. أما التوقعات والآمال بالنسبة للمستقبل فهي منخفضة جداً، والتوسع المستمر للمستوطنات على حساب أراضي الفلسطينيين يفاقم حالة فقدان الأمل ويضعف احتمالات عيش حياة طبيعية لهؤلاء القرويين.

تعمل منظمة أطباء بلا حدود منذ عام 2006 في منطقة أبيي المتنازع عليها. وبعد الاشتباكات العنيفة التي جرت عام 2008، التي أجبرت الآلاف على الفرار جنوباً، أقامت المنظمة مستشفاً في أجوك، على الحدود الفاصلة بين ولاية واراب، في جنوب السودان، ومنطقة أبيي المتنازع عليها. يوفر المستشفى سلسلة واسعة من الخدمات، للمرضى الخارجيين والداخليين على حد سواء، ويضم غرفة عمليات جراحية، وجناحاً للأمومة، ووحدة للأطفال، وجناحاً لمعالجة السل، ومركزاً للتغذية العلاجية للأطفال الذين يعانون من سوء التغذية. في عام 2011، قدم مستشفى أجوك 31.187 استشارة للمرضى الخارجيين، وتم قبول 2.418 مريضاً فيه.

إدعم منظمة أطباء بلا حدود

تبرّع

العودة إلى الأعلى

تواصل معنا

  • شاهدنا على يوتيوب

حمولة