توفير الدعم النفسي لمن هم في أمس الحاجة إليها

أكتوبر 23, 2013

تبرّع
توفير الدعم النفسي لمن هم في أمس الحاجة إليها © Pierre Yves Bernard

يشهد الوضع في سوريا عنفاً شديداً للغاية. ويواجه كل من المرضى وأسرهم وأعضاء الفرق الطبية هذا العنف وقد يحتاجون إلى الدعم النفسي. لقد أمضت شارلوت، أخصائية نفسية تعمل لدى منظمة أطباء بلا حدود ثلاثة أشهر في سوريا في خدمة هؤلاء المرضى.

عاينت في مستشفى منطقة حلب بعض المرضى وكذلك أقاربهم المرافقين لهم، لأنهم هم أيضاً يحتاجون إلى الدعم النفسي مثل المرضى. ونظراً لكون هؤلاء الأفراد محرمين فهم يتخوفون من الوضع الحالي. إذ يواجه هؤلاء المرضى محناً كبيرة ويعلقون آمالهم على خدمات الرعاية. وهم ينتظرون المعجزات كما أن آمالهم المفرطة تقابلها خيبة الأمل.

عاينت العديد من الأشخاص، من المرضى ومرافقيهم، قلقين جداً ومحبطين. وكانوا يكثرون من طلب مساعدة المسعفين السوريين والأجانب. لقد أصبح هؤلاء الأفراد دون مأوى وطعام ونقود لكي يعودوا للمستشفى لمتابعة الرعاية، وكانوا أحياناً دون أسرة تدعمهم ودون مدارس تستقبل أطفالهم كما كانوا يعانون من رعب فظيع نظراً لانعدام الفرص في المستقبل... وكانوا قلقين على وضعهم وعلى مستقبل سوريا أيضاً.

وتبدو المعاناة بشكل جلي عندما يجرح المريض ويصبح معاقاً. وتصبح شدة الإعاقة صعبة بالنسبة للشخص المصاب بالشلل أو الذي بُتر أحد أطرافه أو تعرض للتشويه بعد إصابته بجروح أو حروق أثناء الانفجار.

تسبب مسألة التشويه الألم بشكل خاص. ويصبح من الصعب على الفتيات الصغيرات والشابات اللواتي في سن الزواج أن يتزوجن إذا تعرضن للتشويه.

د. فتاة صغيرة عمرها 11 سنة تعرض وجهها والجزء العلوي من جسدها لحروق بليغة، ولم تنج إلى ساقيها. وعندما وصلت إلى المستشفى كانت حروقها قديمة كما أنها لم تتلق الاسعافات اللازمة لأن معظم المستشفيات قد دمرت، أما تلك التي ما زالت مفتوحة فقد كانت تفتقر للطاقم الطبي أو الأدوية في حين كانت المستشفيات العشوائية مخصصة لضحايا الحرب.

لقد حُرقت د. جراء انفجار الموقد المستعمل في المطبخ. وهذا النوع من الحوادث شائع بسبب النزعية السيئة جداً للوقود المستعمل مما يؤدي إلى انفجاره. وقد تسببت الحروق في مضاعفات خطيرة: لم تعد الفتاة الصغيرة قادرة على إغلاق عينها اليمنى ولا حتى فمها. وأصبح رأسها كما لو كان مطوياً وملتصقاً برقبتها جراء انكماش البشرة أثناء التئام الحروق. وقد خضعت لجراحة حيث قامت الجراحة بشق على مستوى الرقبة حتى تتمكن الفتاة من وضع رأسها مستقيماً. بعد ذلك جاء دور التضميد ثم زرع الجلد...

وكل المرضى ومرافقيهم يسألوننا: "هل ستستعيد وجهها الطبيعي من جديد؟ لأنها يجب أن تتزوج". المؤسف أن هذه الفتاة الصغيرة ستعاني مدى الحياة.

وتعزى هذه المعاناة للإحساس بانعدام الأمن والغموض بشأن المستقبل. وثمة أيضاً الخوف من القصف. إن الأشخاص يخافون من التنقل، وأثناء تنقلهم عبر الطرق يضطرون للمرور عبر نقاط التفتيش التي يراقبها رجال مسلحون. ويصبح التنقل من موقع لآخر أمراً معقداً. وكم من مرة سمعت الرجال والنساء يقولون لي: "إذا تعذر علي زرع أرضي وعجزت عن بيع ما أزرعه من منتجات فكيف سيصبح مصيري؟".

وبعيداً عن هذه المعاناة نشهد على ظهور جيل من الأفراد المعاقين وكل المشاكل المترتبة عن ذلك بما فيها التنقل والموارد والاندماج الاجتماعي...

الطاقم السوري التابع لمنظمة أطباء بلا حدود بحاجة أيضاً إلى الدعم

كانت تعمل معي أخصائية نفسية سورية تقوم بتشخيص كل المرضى في المستشفى وتتابع حالتهم. لقد بدأت العمل أسبوعين قبل وصولي [بدأت مهمة شارلوت في منتصف أبريل/نيسان]. إنها تؤدي عملاً رائعاً فيما يخص الدعم.

إنها تلقى وافر الاستحسان من قبل أفراد طاقم المنظمة السوري الذي يستفيد الآن من خدماتها لأن أعضائه أيضاً يحتاجون إلى الدعم بحكم تعرضهم بصفة شخصية لمشاكل مرضاهم نفسها. إنهم يعاينون يومياً الموت في المستشفى ويشهدون على فقدان المرضى ومعاناتهم (الجسدية والنفسية)، كما أن عليهم مواجهة المعاناة ذاتها في أوساط أسرهم وجماعاتهم. إن الحالات التي يرونها يومياً تذكرهم بمحنهم الشخصية ويصبح من الصعب أن ينأوا بأنفسهم عن هذه المعاناة.

أشرفت على تنظيم مجموعات للنقاش لفائدة مترجمينا الشفويين خصوصاً الذين يحملون على عاتقهم عبء الانصات إلى القصص المأساوية التي يحكيها المرضى طيلة اليوم ثم يقومون بتكرارها مترجمة. كان عليهم ترجمة كل النقاش المتبادل مع موظفي المنظمة الأجانب العاملين في المستشفى. وكانوا يسمعون ويرون أموراً كثيرة ويحضرون عمليات جراحية ويبقون إلى جانب المرضى. لقد كانوا في كل مكان... وكانوا يواجهون كل المتاعب. في حين أنهم لم يدربوا على ذلك. أما أنا فقد تدربت وهو عملي الذي كُلفت به. أما بالنسبة لهؤلاء.... الأمر مختلف بالنسبة للأطباء أو الممرضين إذ أن لهم أساليبهم الدفاعية الخاصة. ومع ذلك، قد يكون هذا الأمر أيضاً معقداً بالنسبة لهم، لا سيما في حالة الأطفال الصغار جداً حيث يكون التأثير العاطفي مهماً جداً ويصعب التعامل معه.

أواصر مجتمعية وأسرية قوية جداً

الأمر المدهش في الوقت الراهن هو التآزر القوي جداً في أوساط المجتمع والأسرة. عندما يشعر أحد بالجوع فإن جاره يتكفل بإطعامه ويشاطره القليل مما يملك. أتذكر أنه كانت ثمة إمرأة شابة أصيبت بحروق بليغة وكانت تحتاج إلى من يرافقها إلى المستشفى لمساعدتها على تناول الطعام والاغتسال... وكانت أمها، التي ترعى أطفالاً آخرين ما زالوا مراهقين، عاجزة عن ترك بيتها لفترة طويلة لأن المصابين بالحروق يتلقون العلاج في المستشفى لعدة أسابيع بل أحياناً لعدة أشهر. ولما سمعت جارتها بالموضوع وهي التي كان لها أبناء كبار ومستقلين بذاتهم اقترحت المساعدة من تلقاء نفسها رغم أنها في نهاية المطاف لا تعرف كثيراً هذه الجارة. وظلت إلى جوار المريضة ليلاً نهاراً لمدة أربعة أسابيع إلى أن توفيت متأثرة بحروقها التي كانت جد خطيرة. ثم عادت إلى بيتها. 

فتاة صغيرة لم تعد ترغب في الكلام

ومن بين المرضى المحتاجين إلى الدعم النفسي، يوجد عدد كبير من الأطفال أقتلعوا من جذورهم وأرغموا على الفرار من بيوتهم صحبة أسرهم. وكان هؤلاء الأطفال إما جرحى أو أنهم قد عايشوا عنفاً شديداً مثل هذه الفتاة الصغيرة التي تبلغ من العمر ست سنوات والتي استطاعت شارلوت، أخصائية نفسية لدى المنظمة، أن تنجح في فتح حوار معها.

وثمة هذه الفتاة البالغة من العمر ست سنوات والتي أصبحت بكماء أو تقريباً كذلك منذ أن رأت أخاها وقد مزقته قنبلة. كانت تنجز العديد من الرسوم كثيرة الألوان لكنها هزيلة جداً مقارنة مع ما يستطيع أن يرسمه الأطفال في سنها. لقد كانت ترسم بقعاً ملونة دون شكل بشري على صورة أخيها خلال الحادث الفظيع الذي عاشته. إن هذه البقع تمثل أشياء محددة حاولت فهمها من خلال لعبة الأسئلة والأجوبة على شكل ألغاز لترسيخ علاقتنا العلاجية.

لقد وافقت بمحض إرادتها على تركي أتسرب إلى عالمها لكن حسب الإيقاع الذي تختاره وكان يتحتم علي أن أتحلى بكثير من اللطف والاحترام للمعاناة الكبيرة التي تعبر عنها في رسومها. وكانت ترد على أسئلتي أثناء إنجاز رسومها بهز رأسها أحياناً ولفظ كلمات مختصرة تنطقها بصوت خافت كان علي أن ألتقطها. وكانت تضغط بشدة على الأقلام إلى حد ثقب الأوراق فكان يبدو لي أنها عندما تملأ تلك الأشكال الغامضة بالألوان تحصل على فراغ يشبه ذلك الذي تشعر به في أعماق نفسها.

وعند انتهاء كل جلسة معها كانت توافق على منحي الرسم الذي أنجزته وتتركني أحتفظ به كما لو كانت تقبل بالتخفيف من معاناتها عن طريق الرسم. لكنها في المقابل ترغب في أن تأخذ معها شيئاً، لعبة صغيرة وأي شئ عديم القيمة... ربما لملء الفراغ الذي تشعر به، ربما أيضاً لأننا حقاً نقوم بتبادل! في كل جلسة كانت تهديني معاناتها من خلال عملية صعبة ومؤلمة، كانت في حاجة لمن يشجعها لكي تقوم بذلك. وكانت الشجاعة أمراً لا بد منه بالنسبة لفتاة يبلغ عمرها ست سنوات لا غير...

كانت أمها على قيد الحياة وكانت ترعاها. وقد مرت عدة أشهر على الحادث. إن الفتاة الصغيرة ليست مجروحة جسدياً لكن جروحها خفية ووقعها كبير.

كيف تقدم السيدة الراكون الطيبة يد العون لصغير الراكون

لتحقيق التواصل مع الفتاة الصغيرة ومع مرضى صغار آخرين قامت شارلوت، أخصائية نفسية لدى المنظمة، باستخدام كتاب مصور يحكي قصة حيوان الراكون.

وللتواصل مع الأطفال استخدمت أيضاً كتاباً أفادني كثيراً. إنه كتاب يحكي قصة راكون صغير أصيب بصدمة جراء حدث فظيع ومفزع ( دون تحديد هذا الحدث الفظيع وهكذا تصبح القصة عالمية). والقصة مصورة بشكل جيد توضح على طول صفحاتها عواقب الصدمة النفسية.

وبالتالي لا يفهم الراكون الصغير الحدث الفظيع الذي ألمّ به فينتابه القلق ويسعى جهده لنسيان ما يحدث له. ثم إنه ينجح إلى حد ما في البداية لكنه يشعر تدريجياً بأنه ليس على ما يرام من جديد: ويفقد شهية الأكل ويشعر بألم في بطنه ويتملكه الحزن والفزع دون سبب، ويبالغ في كل شيء (يركد بسرعة كبيرة ويغني بصوت عال... لكي ينسى ما يقلقه)، كما أنه لم يعد قادراً على النوم أو أنه يعاني من كوابيس. وهذا الأمر يجعله يشعر بالغضب وتبدأ الأمور تسوء في المدرسة حيث يرتكب حماقات وغالباً ما يعاقب مما يجعله أكثر حزناً. ثم ينتابه الارتباك ولا يفهم ماذا حل به.

ولحسن الحظ رافقه والداه لمقابلة السيدة الراكون الطيبة التي تصغي إليه كثيراً. أحياناً تعرف حيوانات الراكون البالغة كيف تعبر عن مشاعرها المعقدة. عندما يقابل السيدة الراكون الطيبة يلعب ويتحدث ويرسم مما يساعده على التخلص من الغموض الذي يعتري مشاعره. وتطلب منه أن يحكي لها ما يرسمه وتطمئنه موضحة بأن الحدث المزعج الذي شاهده ليس خطأه هو كما تهنئه لأنه من الصعب التحدث عن كل هذه الأمور التي تغلي في أعماق نفسه. وبالتدرج يشعر بالتحسن وبالقوة ويقل غضبه وينام جيداً ويتوقف ألم بطنه... فهو لم ينس الحدث المزعج الذي عايشه لكنه لا يفكر فيه طول الوقت.

إن الرسوم في الكتاب جميلة وواضحة للغاية حتى أن القصة، رغم أنها مكتوبة بالإنجليزية، مفهومة جداً حتى بالنسبة لطفل لا يجيد القراءة. والتكييف الوحيد الذي قمت به هو أنني غيرت الاسم الإنجليزي للراكون باسم عربي – وقد اخترنا اسم أحمد – لكي نحكي هذه القصة.

عرضت هذا الكتاب على الفتاة الصغيرة ذات الست سنوات التي رأت بأم عينها أخاها وقد مزقته القنبلة. حكينا لها القصة بمساعدة المترجم الشفوي مع الاستعانة بالرسوم. عندما انتهت القصة سألتها عن الصفحات التي تفضلها. أشارت أولا إلى الرسم الذي يبدو فيه الراكون وقد فتح عينيه ملياً لأنه لا يستطيع النوم. أما الصورة الثانية التي تفضلها فكانت تمثل الراكون وهو يعاني من الألم في بطنه. ثم الصورة حيث يرسم وهو في عيادة السيدة الراكون الطيبة وأخيراً الصورة حيث يمدد جسده في أشعة الشمس بعد أن نام ليلة سعيدة. في نهاية هذه الجلسة أكدت الفتاة على رغبتها في أخذ الكتاب ووافقت بكل سعادة وطلبت منها قراءته مع أبيها وأمها. كان هذا موجزاً جميلاً لمسار هذه الفتاة. بعد ذلك قرأنا الكتاب معاً عدة مرات خلال عدة جلسات.

إن هذه الأدوات العالمية مفيدة جداً ومن السهل الاستفادة منها. وقد تمكن كل طفل شاطرتها معه من التعاطف بسهولة مع جزء مما حصل مع "أحمد" لكي يرقى إلى فهم أفضل لمشاعره التي تعكر صفوه وتحول دون تمتعه بطفولته.

عندما لا تشكل اللغة عائقاً

لأجل التواصل مع المرضى تتعاون، شارلوت، أخصائية نفسية لدى المنظمة، التي لا تتحدث العربية، مع مترجمة شفوية. ما عدا مرة واحدة حيث تحدثت شارلوت بالفرنسية مع طفلة صغيرة.

تبلغ س. خمسة أشهر فقط، وهي طفلة صغيرة من أسرة فقيرة تعرضت قريتها للقصف عدة مرات. فقررت أسرتها الرحيل. وعند وصولهم إلى قرية مجاورة سقطت قنبلة على سيارتهم. لقي سائر الركاب حتفهم على الفور ما عدا هي: توفي أبوها وأمها وثلاثة من إخوتها الأحد عشر. أقتلعت الساق اليمنى للفتاة الصغيرة التي تبلغ خمسة أشهر فتم بترها إلى حدود أعلى فخدها. تكفلت بها إحدى أخواتها الأكبر سناً. وكانت تبلغ 19 سنة وهي أيضاً أم لفتاة صغيرة عمرها ثمانية أشهر جرحت في رجلها بسبب إطلاق صاروخ. وقد تكفلت برعاية الطفلتين وشرعت في إرضاع س. أيضاً. كان التضامن رائعاً في المستشفى، فعلى سبيل المثال، عندما كانت الأخت الكبيرة تشعر بالإرهاق فتعجز عن ارضاع س. كانت النساء الأخريات في المستشفى يقدمن على إرضاعها. لقد أصبحت تميمة المستشفى.

كانت لدي صلة وطيدة مع هذه الطفلة الصغيرة. وقد شرح لي الطاقم الطبي في المستشفى قصتها الحزينة قبل أن أقابلها، وقالوا لي أنها تبكي كثيراً – ربما بسبب الآلام الوهمية الناجمة عن بتر ساقها.

وعندما قابلتها للمرة الأولى أخذتها بين ذراعي حتى أكون قريبة منها. وبدأت أحدثها بالفرنسية لكي أحكي لها قصتها. كانت تنصت إلي بإمعان تام بل كنت أشعر أن نظراتها تخترقني وأنها تدقق النظر في حتى أعماقي، لقد كانت تلك اللحظة قوية ومتميزة. وكانت كل النساء في قاعة المستشفى تستمع أيضاً لهذه الكلمات المنطوقة بلغة غريبة عن لغتهم وكن لا يفهمن ما أقوله لكنهن كن يستوعبن معناه مثل الطفلة س.

نظرت إلى عينيها ثم حملتها بين ذراعي ولامست وجهها. أردت أن أحكي لها قصتها وأصف لها الأحداث الفظيعة التي عاشتها. وهكذا أخبرتها بأن الحظ لم يحالفها وأنها عاشت حدثاً مفجعاً وعلى إثره لن تر والديها مجدداً. وأخبرتها أيضاً بأن خوفاً شديداً قد تملكها جراء سماعها صوتاً مدوياً صاحبته حرارة شديدة بل نيران وأنها لم تفهم ماذا يحدث. وقلت لها أنها لم ترتكب خطأ وأنها تحتاج إلى الكثير من الشجاعة. كانت تفهم إيقاع صوتي وكانت تشعر بالتعاطف ثم إنها كانت تحس بتعابير مطمئنة عندما كنت أقول لها إننا نفهمها فهي الآن ستكون جد خائفة.

بعد ذلك تجاوبت معي. تحدثت إلي بالفعل وقالت لي شيئاً ما. حدث بيننا تواصل وحوار. تحدثت إليها مجدداً فتجاوبت معي. أخبرتها أنها تريد أن تقول أموراً كثيرة. استمر حديثنا بضع دقائق على هذا المنوال. كانت كل النساء تنظر إلينا بدهشة. ثم نامت بهدوء خمس دقائق كاملة لكن بعدها أصبح نومها مضطرباً. فجأة انتفضت بقوة من نومها وعلى محياها تعابير رهيبة. ربما تذكرت مجدداً الانفجار؟ بعد ذلك استيقظت من نومها وبدأت تتفحصني من جديد بنظرة ثاقبة. ثم بدأت تثرثر.   

بعد ذلك قابلتها بشكل منتظم ولم أكن أتغيب عن الذهاب لمقابلتها. كانت الطفلة المدللة في كل المستشفى حيث كانت تتناقلها الأذرع. ولا أزال أتذكر مشهداً مؤثراً لجريح من المحاربين حملها بين ذراعيه وقال لها كلمات جميلة جداً بالعربية تعني "أنت كنز هذا المستشفى".

وفي أحد الأيام أعطيتها دمية على شكل دب مما جعلها تشعر بانفعال باهر. فليس هناك ألعاب في المستشفى وهو أمر صعب على الأطفال. إنهم يشعرون بالألم ويبكون وهم في حاجة إلى أمهاتهم. عندما يرون مسعفاً يتوقعون أنهم سيشعرون بالألم، إنهم خائفون قليلاً لأن العلاج مؤلم. نظرت إلي س. بعينيها الكبيرتين المتفحصتين ثم نظرت إلى الدمية وابتسمت. أمسكتْ بالدمية من أذنيها الكبيرتين وضمتها بقوة حتى ابيضت أصابعها. ثم أخذتْها إلى فمها كما يفعل سائر الأطفال وكان في نظرتها التساؤل والدهشة كما لو أنها تقول "هل هذه لعبة؟ هل هي لي؟". ولعبت بالدمية ما بين 15 إلى 20 دقيقة، وهو وقت طويل بالنسبة لهذا السن حيث أن الأطفال لا يحافظون عامة على تركيزهم أكثر من خمس أو عشر دقائق.

عندما خرجت من المستشفى ذهبت للعيش مع أختها التي يبلغ سنها 19 عاماً والتي كانت تسكن مع أقارب لها في منزل يستوعب عشرة أفراد لكنهم كانوا عشرين أو ثلاثين شخصاً. كانت س. تعود أحياناً لإنجاز آخر تغيير للضمادات وإعادة التأهيل. بعد مغادرتي استطاعت أخصائية نفسية سورية مقابلتها.

السؤال المطروح الآن هو مستقبلها. كيف ستتعلم المشي؟ كيف ستتمكن أسرتها من اقتناء الأطراف الاصطناعية المناسبة بها؟ فكلما ستكبر ستتغير مقاييس الأطراف الاصطناعية.  

إدعم منظمة أطباء بلا حدود

تبرّع

العودة إلى الأعلى

تواصل معنا

  • شاهدنا على يوتيوب

حمولة