فلسطين: مكافحة اليأس

أبريل 5, 2013

تبرّع
فلسطين: مكافحة اليأس © Heidi Holzer

تصف ماريا كريستوبل، منسقة الصحة النفسية لمنظمة أطباء بلا حدود، التحديات التي تواجه توفير الدعم النفسي والاجتماعي للأطفال الذين كبروا تحت نير الاحتلال الإسرائيلي.

منذ أن احتل الجيش الإسرائيلي الضفة الغربية عام 1967، حافظ على انتشاره العسكري وحضوره الكثيف في المنطقة. وجرى تطوير نظام معقد لإبقاء السكان المحليين تحت السيطرة، امتد إلى ما وراء الجدار الذي يفصل الضفة الغربية عن إسرائيل المجاورة. حيث يجب على الفلسطينيين في كل يوم عبور سلسلة من حواجز ونقاط التفتيش، إضافة إلى الحواجز التي تقطع الطرق، وكل ذلك تحت أنظار الجنود في أبراج المراقبة والرصد.

في هذه الأثناء، انتشرت المستوطنات الإسرائيلية – غير الشرعية وفقاً للقانون الإنساني الدولي - في شتى أنحاء المنطقة. في الخليل، التي تضم أكبر عدد من السكان بين مدن الضفة، عدة مستوطنات، تحتل إحداها المركز التاريخي للمدينة، ويتمتع سكانها الذين لا يتجاوز عددهم 800 شخص بحماية قوية من الجيش الإسرائيلي.

بالنسبة للسكان المدنيين الفلسطينيين، تعتبر مضايقات الجنود والمستوطنين الإسرائيليين، والقيود المفروضة على تحركاتهم، وأعمال العنف بين الفصائل الفلسطينية، حقيقة من حقائق الحياة المستمرة، الأمر الذي يترك الكثيرين يعانون من مشاعر الخوف واليأس والإحباط. ويمكن لهذه المشاعر أن تلحق ضرراً بالغاً بصحتهم النفسية، كما يمكن للعواقب أن تكون حادة وخطرة بالنسبة للكثيرين، لا سيما الأطفال.

تدير منظمة أطباء بلا حدود برنامجاً للصحة النفسية في الضفة الغربية منذ أكثر من 10 سنوات. وأكثر من نصف المرضى هم من الأطفال الذين شهدوا بشكل مباشر حوادث عنف مرتبطة بالنزاع. شهد معظمهم غارات شنها الجيش على أحيائهم، إذ وفقاً للأمم المتحدة، تحدث أكثر من 60 عملية من هذا النوع كل أسبوع. في أثناء الغارة، يطوق الجيش الشارع في الليل، ويقتحم بيوت الناس بحثاً عن الناشطين. في العادة، تكون الغارات عدوانية وعنيفة، يشنها جنود مدججون بالسلاح، ويستخدم فيها الغاز المسيل للدموع والكلاب، ويحطم خلالها أثاث البيوت. وغالباً ما تنتهي باعتقال أحد أفراد الأسرة. وفي أحيان كثيرة يفوق ما تعانيه الأسر من إذلال ومهانة ويأس في هذه الحالات قدرتها على التحمل. 

نتعامل في برنامجنا مع كثير من الأطفال الذين اختبروا عمليات اقتحام لبيوتهم، ويعانون من عواقبها الوخيمة، مثل الإحساس بالعزلة، ومشاعر الرعب التي تدهمهم في الليل، والتيقظ المستمر، والسلوك العدواني. وربما يصابون بالتبول اللاإرادي، أو يتغير سلوكهم أو لغتهم. أما التوتر المستمر فقد يسبب مشاكل مثل التعب، والآلام والأوجاع، وصعوبات في النوم، وفقدان الشهية. ربما تكون ردود الأفعال الطبيعية هذه مربكة ومزعجة للأطفال وأسرهم، وإذا لم تعالج في الوقت المناسب قد تلحق ضرراً يتعذر إصلاحه بنمو الطفل وتطوره.

لا تقتصر معاناة الأطفال الفلسطينيين على مشاهدة أحداث العنف اليومية، مثل الغارات وعمليات الاقتحام التي يشنها الجيش الإسرائيلي فقط، بل يقعون هم أنفسهم ضحايا للانتهاكات بشكل مباشر. ووفقاً للقوانين العسكرية الإسرائيلية المفروضة على الأراضي الفلسطينية المحتلة، يمكن سجن الأطفال الذين تتجاوز أعمارهم 12 عاماً، بينما يعامل الذين بلغوا 16 سنة معاملة البالغين. وهنالك أدلة منشورة وموثقة، من قبل منظمات مثل اليونيسيف، تثبت حدوث انتهاكات خطيرة ارتكبها الجيش الإسرائيلي بحق القاصرين أثناء الاحتجاز والاستجواب والسجن.

يقدم العلاج الذي توفره منظمة أطباء بلا حدود من خلال فريق متعدد التخصصات يضم معالجين نفسيين (فلسطينيين وأجانب)، ومختصين بالخدمة الاجتماعية، وطبيب صحة. ونستهدف، عبر الدعم النفسي الاجتماعي المتخصص، التخفيف من معاناة أولئك الأطفال وعائلاتهم، ومساعدتهم على التغلب على عواقب العنف وتبعاته. نحاول أيضاً تعزيز قدرتهم على مواجهة صعوبات جديدة، نظراً لأن البيئة التي يعيشون فيها عنيفة ومهددة، ومن المرجح أن تستمر على هذه الحال. نقدم الدعم على أساس فردي للعائلات والجماعات.

أقمنا مؤخراً مشروعاً مشابهاً في القدس الشرقية (المقسمة)، في سياق حضري معقد تجري فيه حرب جغرافية سياسية. مرة أخرى، يصبح الأطفال، العالقين في إسار شبكة من المصالح والضغوط السياسية، المستضعفين الأكثر عرضة للخطر. وتعتبر مشاكل القلق والسلوك الأكثر شيوعاً بين الشباب الذين يسعون للحصول على المساعدة في برنامجنا.

في أي نزاع مسلح، تدمر البنى والمؤسسات العادية التي نحافظ من خلالها على هويتنا كأفراد: الأرض والأسرة والوضع القانوني والكرامة الإنسانية. أما التكيف مع ذلك كله فيتطلب جهداً دؤوباً ومعاناة هائلة. القلق والحزن والشعور بالذنب والإحباط، كلها مشاعر عبّر عنها باستمرار المرضى في برنامجنا. بدأنا بمساعدة المرضى على فهم حقيقة أن هذه العواطف والانفعالات استجابات طبيعية ومنطقية تجاه الوضع، كما نحاول إقامة أماكن آمنة وخاصة حيث يمكن للمرضى التحدث عن تجاربهم، وتقرير مسار العمل للمساعدة على التخفيف من حدة الألم.

تعترض العمل في الأراضي الفلسطينية المحتلة صعوبات جمة جراء تعقيد السياق. فإضافة إلى النزاع الإسرائيلي الفلسطيني، هنالك قتال يجري أيضاً بين مختلف الفصائل الفلسطينية. كما أفرزت مدة الاحتلال الطويلة عواقب مزمنة أعاقت إتاحة الرعاية الصحية وتوافر الوظائف، وأدت إلى ارتفاع مستويات العنف الاجتماعي والأسري. بينما وصلت آليات التأقلم لدى السكان إلى حدودها القصوى، وتحوّل التعامل مع مشاعر اليأس الكاسحة إلى تحد يومي.   

إدعم منظمة أطباء بلا حدود

تبرّع

العودة إلى الأعلى

تواصل معنا

  • شاهدنا على يوتيوب

حمولة