"بعض أجزاء تاكلوبان ما زالت مجرد خراب": بعد مرور شهرين على إعصار هايان

يناير 14, 2014

تبرّع
"بعض أجزاء تاكلوبان ما زالت مجرد خراب": بعد مرور شهرين على إعصار هايان © Sophie Jane Madden/MSF

عملت الدكتورة ناتالي روبرتس مدة شهرين في الفلبين، حيث كانت تدير المستشفى المتنقل التابع لمنظمة أطباء بلا حدود في تاكلوبان

وصلتُ إلى تاكلوبان بعد مرور أسبوع على الإعصار. وبمجرد أن أصبحت البلدة في مجال البصر تحت الطائرة، اتضح لي مدى الدمار الذي حل بالمنطقة. فحتى مدرج الطائرة كان محاطاً بالركام والخراب: سيارات، وقطع من أسقف القصدير، وأخشاب محطمة، وفي خضمها أيضاً حزم المساعدات والطائرات العسكرية. حتى القسم المخصص لمغادرة المطار كان مجرد حفرة في حائط، مغطىً ببعض الأسلاك الشائكة المهترئة.

وكلما ابتعدنا أكثر عن المطار، بدا شكله أقرب إلى الخراب منه إلى منشأة ما زالت تعمل. وكانت هناك قلة من المباني التي أمكن التعرف عليها على أنها منازل، بينما كانت معظم المباني قد تحولت إلى مجرد ركام. وكان مشهداً مؤلماً كل أولئك الناس الذين يحاولون استرجاع أي شيء من ممتلكاتهم من تحت الأنقاض. وحتى بعد مرور أسبوع على الإعصار، بدا وكأن السكان لم يكونوا قادرين على الاستيقاظ من الكابوس الذي يحيط بهم. لقد كانت صدمة رهيبة بالنسبة لهم.

وضعنا حقائبنا في الفندق الذي سنقيم فيه، والذي لم يعد مستعملاً، ثم توجهنا إلى الموقع الذي تم اختياره لإنشاء المستشفى المتنقل القابل للنفخ، في موقف السيارات في مستشفى بيثاني. كان علينا أن نختار طريقنا بحذر بين الشوارع؛ فالطرق ما زالت تحت الركام، ولم يزح منه سوى ممر ضيق بعرض متر واحد تقريباً في الوسط، يمر منه الناس. وكانت الروائح رهيبة، تنبعث من كل مكان، وكنا ندرك أن مصدرها هو جثث القتلى.

وحتى المستشفى كان قد تعرض لأضرار جسيمة، حيث غطت الأوحال الغرف وانقلع السقف من مكانه. ومع ذلك، تمكنا من استرجاع بضع غرف لتشغيل غرفة العمليات ووحدة التعقيم وخدمات الأشعة السينية ووحدة للأمومة ورعاية حديثي الولادة. وفي العادة، لا تدير منظمة أطباء بلا حدود وحدات رعاية الرضع في مشروع خاص بالطوارئ، ولكننا كنا نتوقع ظهور ولادات عسيرة وكنا نُدرك أن المرضى لن يكون لديهم بديل آخر يذهبون إليه. أما غرفة الطوارئ وأقسام العيادات الخارجية والداخلية، فقد خصصنا لها الخيام في الخارج.

وقد عملنا بجهد كبير لإخلاء الركام من الموقع. ورغم أن فريق الشؤون اللوجستية كان يضم 20 فرداً، إلا أن الجميع شارك في تجهيز المكان، حتى الجراحون والفرق الطبية.

وأخيراً، وصلت عدة المستشفى مساء يوم 20 نوفمبر/تشرين الثاني. ورغم الأمطار الغزيرة، عملنا طوال الليل لنصب ثلاثة خيام. وبعد نحو ساعتين من النوم، عدنا للعمل مجدداً عند الخامسة فجراً لمواصلة نصب باقي الخيام. حينها، جاء الفريق الطبي لمواصلة باقي المهام، وقضوا الليلة في تجهيز الرفوف والأسرة وفتح علب الأدوية والتضميد. وأعتقد أنني نمت بالكاد ثلاث ساعات خلال 60 ساعة. ويوم الجمعة، فتح قسم العيادات الخارجية أبوابه، بينما كان باقي المستشفى جاهزاً لاستقبال المرضى يوم السبت.

ولم يتطلب الأمر الكثير من الوقت قبل ظهور المرضى. وقد كانوا بالفعل يعانون من الحالات التي يمكن توقعها بعد مثل هذا الإعصار: جروح بسبب الركام المتطاير، والتهابات في الجهاز التنفسي العلوي، وتدهور في حالات الأمراض المزمنة. وعلى كل حال، يشهد الفلبين معدلات عالية في الإصابة بارتفاع ضغط الدم والسكري، وقد فقد كثيرون من المرضى أدويتهم حين ضرب الإعصار المنطقة ولم يستطيعوا تعويضها.

وكانت جروح بعض المرضى قد بلغت مراحل متقدمة. فظروف الطقس الحارة والرطبة في الفلبين مواتية لظهور الالتهابات بسرعة، وكان الناس يضطرون للخوض في المياه الملوثة في غياب خدمات الرعاية الطبية. فكنا مضطرين لبتر أطراف بعض المرضى. كما شاهدنا العديد من حالات مقدمات الارتعاج (تسمم الحمل)، حيث يرتفع ضغط الدم في الحمل، وهي حالة قد تشكل مخاطر كبيرة على الأم والجنين. وفي الظروف العادية، تبقى نسب مقدمات الارتعاج مرتفعة، ولكن يبدو أن الإعصار قد زاد من انتشارها الآن.

كما تعاملنا مع بعض حالات الكزاز السريري الخطيرة، من بينها حالة فتى في السابعة عشر من العمر، وصل إلينا بجرح عميق في قصبة ساقه أصيب به خلال الإعصار، وكانت علامات الكزاز التقليدية بادية عليه: فك مقفل وعضلات متشنجة وحساسية مفرطة من الضوء والضجيج. وكان جرحه قد التهب بشدة، ولكننا لم نستطع تنظيفه في قسم الجراحة لأننا لم نستطع إعطاءه مخدراً؛ فقد كان فكه مُطْبَقاً بشدة لدرجة تشكل خطراً على تنفسه. وبعد أسبوع من تناول المضادات الحيوية، بدأنا نأخذه إلى قسم الجراحة كل يومين لتنظيف جرحه. لقد كان جميع أفراد الفريق يتابعون حالته، وكنا نُدرك أن الكزاز يتسبب في معدلات وفيات كبيرة. لذلك، حين استطاع أخيراً مغادرة المستشفى، كنا جميعاً متأثرين بتلك اللحظة.

لقد سبق لي العمل في الفلبين من قبل، وكنت أعي أن الناس نادراً ما يتحدثون عن أي شيء محزن أو صعب يمرون به. ولكن، بعد مرور نحو أسبوعين، بدأ زملاؤنا الفلبينيون يتحدثون عن الإعصار، وكانت علامات الاستياء بادية عليهم، لدرجة أنهم كانون يبكون، وهو أمر لم أعرفه من قبل هناك.

وقد أخبرتني ممرضة أنها حين ضرب الإعصار وبدأت المياه ترتفع، عمدت إلى وضع جميع الرُضّع في سرير أطفال واحد في محاولة لإنقاذهم. أما باقي أفراد الطاقم، فقد بقوا في المستشفى لرعاية المرضى قبل أن يقطعوا مسافات طويلة إلى منازلهم وسط المياه، وجثث ضحايا الإعصار تطفو من حولهم. وطوال الطريق، لم تكن لديهم أدنى فكرة عما حل بأسرهم وعائلاتهم. كانوا فقط يأملون أن يجدوهم ما زالوا على قيد الحياة.

ورغم أننا خرجنا من مرحلة الطوارئ، إلا أن بعض أجزاء تاكلوبان ما زالت مجرد خراب. وهناك قطعة أرض خلف المستشفى تبدو وكأن جرافة قد عاثت فيها تخريباً وسوّتها بالأرض، بعد أن كانت في السابق تعج بالمنازل. وفي كل مرة أرى فيها قطعة أرض لا تعرف أشغال بناء أو إصلاح، أتساءل مع نفسي عما حل بأصحابها.

حالياً ما زال هناك طلب كبير لخدماتنا، لذلك سوف نواصل عملنا في المستقبل المنظور. وحتى الآن، عالجنا 6,000 شخص في العيادات الخارجية وأكثر من 1,000 مريض في قسم الطوارئ، كما أجرينا أكثر من 250 عملية جراحية، وساعدنا في ولادة أكثر من 100 رضيع. ولا أعتقد أن مستوى الطلب الحالي سوف يتغير عما قريب.

عند انتصاف ليلة السنة الجديدة، صعدنا إلى سطح الفندق. لقد كانت البلدة مجرد خراب قبل أسابيع قليلة، ولكن في تلك الليلة كانت الألعاب النارية تنير سماء البلدة في كل مكان. لقد كان مشهداً مهيباً مع كل ما شاهدناه. إنه أكبر دليل على قدرة الشعب الفلبيني على الصمود. وفي كل جزء من تاكلوبان، سوف تجد ملصقات وقمصاناً كُتِب عليها "تيندوغ تاكلوبان"، أي "انهضي يا تاكلوبان". وما من شك أن السكان عازمون على ذلك.

إدعم منظمة أطباء بلا حدود

تبرّع

العودة إلى الأعلى

تواصل معنا

  • شاهدنا على يوتيوب

حمولة