الجراحة في سوريا، الجزء الثاني: مجرد قطرة في بحر

نوفمبر 25, 2012

تبرّع
الجراحة في سوريا، الجزء الثاني: مجرد قطرة في بحر © MSF

الدكتور مارسيال لو ديك جراح عاد للتو إلى بلجيكا من مهمة لمدة شهر قضاها أحد المرافق الطبية المؤقتة الأربعة التي أقامتها منظمة أطباء بلا حدود في شمال سوريا. ومنذ نهاية شهر يونيو/حزيران 2012، عالجت فرقنا أكثر من 2,500 مصاب وأجرت نحو 550 عملية جراحية.

هل يمكنك وصف عملك في سوريا؟

عملت مدة شهر جراحاً في مستشفى مؤقت أقامته المنظمة في شمال سوريا. تألف مرفقنا من غرفة للعمليات، وجناح من عشرة أسرة. كنا نجري عمليات جراحية طارئة ونوفر الاستشارات الطبية للسكان المحليين. في مدة شهر واحد، أجرينا نحو 70 عملية جراحية في غرفة العمليات، أي أكثر من اثنتين كل يوم. إنها بالفعل مجرد قطرة في بحر حالة الافتقار إلى الرعاية الطبية التي تجتاح سوريا حالياً. في بعض الأيام، كنا نعالج بضع حالات بسيطة، ثم فجأة، نواجه سيلاً دافقاً من الجرحى. وبغض النظر عن بضع عمليات جراحية عادية طارئة، أجريت هذه العمليات كلها على جرحى يعانون من إصابات ناجمة عن العنف: جروح بطلقات الرصاص أو شظايا القنابل، أو كسور مضاعفة، أو إصابات سببتها الانفجارات.. إضافة إلى نساء وأطفال، وجرحى من ضمنهم مقاتلين من مختلف جماعات المعارضة والقوات الحكومية.

ما هي الخيارات العلاجية الأخرى المتاحة للسكان؟

عندما جعلت الأسباب الأمنية من المستحيل على السكان عبور الحدود إلى تركيا، أصبح مرفقنا الوحدة الجراحية الوحيدة التي تؤدي وظيفتها في المنطقة. وحتى قبل تفجر النزاع، كان السكان في هذه المنطقة الريفية المحرومة طبياً يجبرون على قطع مسافات طويلة للحصول على الرعاية الطبية في المراكز الحضرية. لكن الآن، مع تفاقم النزاع، أصبحت هذه السبل مستحيلة. لهذا السبب، مثلاً، كنا – خلال وجودي هناك – نجري عمليتين قيصريتين طارئتين في وقت واحد.

من المؤكد أن ظروف العمل كانت بالغة الصعوبة؟

كان علينا العمل في ظروف صعبة. كنا نعمل في كهف ضخم جهز سابقاً لتخزين الفواكه والخضر والوقود. تمثل التحدي في إيجاد البيئة المناسبة والضرورية لوحدة طبية وجراحية حقيقية. اضطررنا إلى تدبر أمر تزويد المكان بالماء والكهرباء، وضمان أفضل شروط التعقيم الممكنة. أقمنا خيمة قابلة للنفخ بسد كتيم للهواء لتكون غرفة عمليات. لم يكن المظهر جيداً، لكن استطعنا إقامة مرفق للرعاية الصحية في منطقة ريفية عند سفح تلة نائية. مثل ذلك كله تحدياً لوجستياً هائلاً، ونجحنا في ذلك.

وبالطبع، لا تزال مواردكم محدودة...

تمثل التحدي الحقيقي في علاج عدد كبير من الجرحى في وقت قصير جداً داخل مرفق ضيق بعدد قليل من العاملين. لمنظمة أطباء بلا حدود بروتوكولات خاصة بمثل هذه الأوضاع التي تحدث فيها إصابات جماعية، لكن في مثل هذه الظروف يصعب وضعها موضع التطبيق العملي. وكثيراً ما يثبت فرز الجرحى من أجل تحديد الأوليات الطبية والجراحية أنه أسلوب إشكالي في مرفق ليس فيه سوى غرفة عمليات واحدة، وطبيب تخدير واحد، وجراح واحد. من العقبات المعيقة الأخرى العمل بمواد تم شراؤها من السوق المحلية ولا ترتقي إلى معايير المنظمة للجودة. في ذلك الوقت، لم تكن لدينا رخصة استيراد. لكن مصدر قوتنا الرئيسي كان التعاون الاستثنائي من جانب فريق العاملين السوريين الذين انضموا إلينا، والمقاربة الذكية والحاذقة التي سادت في فريق العاملين الأجانب.

ما هو التحدي الرئيسي برأيك لهذا النوع من استجابة الطوارئ؟

نريد فعلاً تقديم الخدمات نفسها إلى طرفي النزاع الذي يقسم سوريا حالياً، لكن وحدة الرعاية الصحية التابع لنا تقع في منطقة تسيطر عليها مجموعات المعارضة المسلحة. وبوصفنا منظمة إنسانية نواصل التوكيد على حياديتنا وعدم تحيزنا، وكيف يمكن تبرير وجودنا على أحد جانبي النزاع دون الآخر؟ برأيي، كان هذا هو التحدي الإنساني لهذا النوع من الاستجابة. لكن حتى وإن كانت المنظمة تعمل في الوقت الراهن – جغرافياً – على جانب واحد من النزاع، إلا أننا نبقى أوفياء لمبادئنا الإنسانية. وإضافة إلى العديد من المدنيين، نعالج في الحقيقة الجرحى من مقاتلي المعارضة وجنود الجيش السوري الذين وقعوا في الأسر على حد سواء. وكان علينا باستمرار شرح المبادئ الأساسية للقانون الإنساني للذين نتعامل معهم.

هل كان الوضع خطراً؟

أجل، بين الحين والآخر. حين تحلق فوقك طائرة مروحية مدة عشرين دقيقة أو نحوها، لا تستطيع سوى التساؤل عما سيحدث. في أحد الأيام، سقطت قنبلة على بعد 60 متراً من المستشفى المؤقت الذي أقمناه. كنت أجري عملية جراحية. في أوقات كهذه، تكون أكثر تركيزاً على ما تفعله وأقل إدراكاً للخطر المحدق بك.

ما هو مستوى العنف الموجه ضد المدنيين؟

ليس من السهل قياس العنف. شاهدنا أنواع الإصابات كلها: أتى رجل مصاب برصاصة في رأسه، وآخر في فمه. هنالك جريح من أسرى الجيش لم يصدق ما يحدث. وحين رأى طاولة العمليات، ظل يتوسل إلينا ألا نقتله! الحرب بشعة على الدوام.

ماذا عن الضحايا من المدنيين؟

هنالك مدنيون كانوا ضحايا للنزاع بشكل مباشر وغير مباشر. من الضحايا المستهدفين مباشرة تلك الامرأة الكبيرة في السن التي أصيبت بشظايا في رجلها. البراميل المتفجرة كانت تلقى عشوائياً. في بعض الأحيان، تسقط على البساتين دون أن تصيب أحداً، لكنها في أحيان أخرى تسقط فوق البيوت. حين كنت هناك، أصيب منزل وقتل ثلاثة أطفال ودفنوا تحت الركام. وفي خارجه، أصيب أربعة بالغين بحروق واخترقت الشظايا أجسادهم. ما زلت أسمع صراخ الغضب واليأس من أم الأطفال الثلاثة. شاهدت مثل هذه الحادثة مرتين. ثم هنالك الضحايا الذين تضرروا من النزاع بشكل غير مباشر، مثل البنتين الصغيرتين اللتين أصيبتا بحروق حين اشتعل منزلهما، بسبب انقطاع الكهرباء منذ بدء النزاع والاعتماد على ضوء الشموع. ماتت واحدة، وأصيبت الأخرى بتشوهات مستديمة. لو لم ينقطع التيار الكهربائي بسبب النزاع، لما حدث ذلك.

هل هو نزاع شديد الاستقطاب.. كيف نضمن حيادية مرافقنا؟

العنف معد، وكذلك ما نظهره من رعاية وعناية للكل. وبغض النظر عما إذا أوضحنا موقفنا عبر حوار رسمي مع أحد قادة الجماعات المسلحة، أو من خلال العلاج اليومي المقدم على المستوى نفسه من الرعاية إلى الجميع، مهما اختلفت آراؤهم وانتماءاتهم السياسية أو الدينية، سرعان ما فهم الشركاء السوريون الذين يعملون معنا أننا نتبنى موقفاً حيادياً في هذا النزاع. وعلى الرغم من شدة استقطاب هذا النزاع، أمكننا جعل وحدة الرعاية الصحية مرفقاً آمناً وهادئاً حيث يمكن تقديم إشارات بسيطة دالة على التضامن، واستعادة الكرامة الإنسانية للجرحى مهما كانت الخلفية التي أتوا منها.

 

إدعم منظمة أطباء بلا حدود

تبرّع

العودة إلى الأعلى

تواصل معنا

  • شاهدنا على يوتيوب

حمولة