أوكرانيا: عكس المنحى التصاعدي للسل المقاوم للأدوية المتعددة المنتشر في السجون

مارس 24, 2013

تبرّع
أوكرانيا: عكس المنحى التصاعدي للسل المقاوم للأدوية المتعددة المنتشر في السجون © Niklas Bergstrand/MSF

كان داء السل في السابق مرضاً في طريقه إلى الاندثار، غير أن الانهيار الاجتماعي والاقتصادي الذي أعقب سقوط الاتحاد السوفيتي أدى إلى ظهور وبائي لهذا المرض في العديد من البلدان التي كانت جزءاً من الاتحاد، مثل أوكرانيا. وقد أصبحت سجون هذا البلد مرتعاً خصباً للسل، وصلت فيها نسب الانتشار أكثر من عشر مرات مقارنة بباقي المجتمع. وفي منطقة دونيتسك، شرق أوكرانيا، تقدم منظمة أطباء بلا حدود حالياً العلاج والدعم إلى أكثر من 140 سجيناً وسجيناً سابقاً، يعانون من السل المقاوم للأدوية المتعددة[1].

يقول أندري*، 31 عاماً، بصوت خشن، وهو يرتدي قناعاً واقٍياً أبيض: "من الصعب أن أجلس قاعداً، وكل جزء من جسدي يؤلمني". قبل بضع سنوات، أوصله شجار إلى السجن بتهمة الاعتداء العنيف، وهو ما تسبب في وقف التدريب المهني الذي كان يتلقاه ليصبح عامل بناء. ومنذ نصف عام، وبينما كان لا يزال في السجن، شخّصت منظمة أطباء بلا حدود حالته على أنه مصاب بالسل المضاد للأدوية المتعددة. لقد أصبح جسده نحيفاً وهشاً. وبالنسبة له، لم يعد هناك أمل في الزواج وتكوين أسرة إلى حين التعافي من هذا المرض.

وعلى مدى السنتين القادمتين، سوف يكون على أندري الالتزام بحمية علاجية صارمة تتمثل في تناول ستة أدوية مختلفة مضادة للسل يومياً، وهو مزيج مؤلم غالباً ما تنتج عنه آثار جانبية، مثل الغثيان والتقيؤ وفقدان البصر والسمع. يضيف: "من الصعب تحمل كل ذلك، ولكن إن لم أواصل العلاج، سوف أنهار تماماً".

وحسب منظمة الصحة العالمية، هناك نحو 9500 شخص أصيبوا بالسل المقاوم للأدوية المتعددة في أوكرانيا عام 2011. وما فتئت أعداد المصابين الجدد بهذا النوع من السل تتزايد باطراد في البلاد بسبب الوصفات الطبية المتقادمة، وعدم كفاية الأدوية التي غالباً ما تكون جودتها محل شك، وانعدام الحصول على أدوات التشخيص. كما أن الانقطاع عن العلاج أو عدم التقيد به هما من بين العناصر الكبرى المساهمة في تطوير مرض السل لمناعته من الأدوية. وحيث أن السل مرض معدٍ ينتقل بالهواء، فبإمكانه الانتقال مباشرة من شخص إلى آخر، خصوصاً في الأماكن التي تعرف اكتظاظاً. وغالباً ما يكون الأشخاص المصابون بفيروس نقص المناعة البشرية الأكثر قابلية للإصابة بالسل بسبب ضعف نظامهم المناعي.

وقد أصبحت منطقة دونيتسك، التي تُعرف بقلب الصناعة في شرق أوكرانيا، الأكثر تعرضاً لفيروس نقص المناعة البشرية والسل، بالنظر إلى تواجد أعداد كبيرة فيها من المدمنين على المخدرات باستعمال الحقن. ومنذ شهر يونيو/حزيران 2012، عملت فرق المنظمة في ثلاثة مراكز للاحتجاز السابق للمحاكمة، إلى جانب المستشفى السجني المعروف باسم "المستعمرة 3"، الذي يضم 800 سرير، حيث يتم احتجاز السجناء الذين تم تشخيص حالتهم على أنهم مصابون بالسل. ويوجد في هذا السجنِ المستشفى سجناء جميعهم من الذكور، يُحتجزون في زنزانات ضعيفة التجهيز، تضم كل واحدة منها نحو عشرة سجناء.

ويشمل الدعم الذي تقدمه المنظمة التشخيص والفحص وتقديم العلاج الطبي والدعم النفسي من أجل مساعدة مرضى السل المقاوم للأدوية المتعددة على مواصلة تناول أدويتهم. كما أعادت المنظمة تجهيز مرافق المختبر وأدخلت إجراءات خاصة بالسيطرة على العدوى من أجل منع انتقال المرض داخل جدران السجن. بالإضافة إلى ذلك، تقدم المنظمة العلاج المضاد للفيروسات الرجعية إلى المرضى من ذوي الإصابة أيضاً بفيروس نقص المناعة البشرية.

وداخل السجون، نجد أن الاكتظاظ والتهوية السيئة والنقل المتكرر للسجناء كلها عوامل تزيد من تفاقم انتشار المرض. كما أن التغذية الضعيفة وجودتها الفقيرة تزيدان من ضعف مناعة السجناء وترفع من احتمال تعرضهم للمرض؛ فنحو نصف المرضى المدخلين إلى المستشفى في "المستعمرة 3" يعانون من أشكال مقاومة للأدوية من داء السل.

ينتمي معظم السجناء إلى فئات اجتماعية واقتصادية فقيرة، يكون فيها عبء تحمل المرض ثقيلاً. تقول يولدوز سيتنيازوفا، رئيسة بعثة منظمة أطباء بلا حدود في أوكرانيا: "ينتمي السجناء إلى فئة اجتماعية تعاني من الضعف، فجميعهم يعيشون حياة صعبة، والبعض منهم لديهم تاريخ في إدمان المخدرات والكحول. إنهم يواجهون العديد من المشاكل وهناك كثيرون منهم لا يعتقدون بأن تناول الأدوية يجب أن يكون الأولوية بالنسبة لهم".

لذلك، وقبل إدراج أي مريض في برنامج العلاج، تسعى المنظمة أولاً إلى ضمان التزامه بمواصلة حمية علاجه الطويلة والمضنية حتى النهاية. تضيف يولدوز: "على المريض أن يعرف بالضبط ما يتطلبه العلاج منذ البداية. وحين تصبح الأمور صعبة عليه، نحاول تحفيزه وتشجيعه على المواصلة".

وعلى المستوى العالمي، أطلقت المنظمة حملة من أجل البحث العلمي والتطوير في أفق إنتاج حميات علاجية تتميز بفاعلية أكبر وتكلفة معقولة وآلام وآثار جانبية أقل، بحيث لا تتسبب في تعطيل حياة المريض لمدة عامين، كما هو الحال بالنسبة لحالة أندري الآن.

وبمجرد خروج المرضى من السجن، تتعاون المنظمة مع وزارة الصحة ومنظمات غير حكومية أخرى من أجل ضمان إتمام المريض لعلاجه. ويشمل هذا التعاون المتابعة المناسبة للحالة الطبية، بما في ذلك التأكد من التزام المريض بالعلاج ودعمه طبياً ونفسياً ومراقبة الآثار الجانبية للعلاج. أما بالنسبة للمرضى الذين يتوقفون عن تلقي العلاج، فتتم متابعة حالتهم من أجل ثنيهم عن التخلي عن العلاج وضمان مواصلتهم له. وحتى الآن، عرف مشروع المنظمة خروج 18 مريضاً من السجن وهم مُتابِعون للعلاج، 16 منهم ما زالوا ملتزمين بحميتهم العلاجية.

تقول يولدوز: "البعض منهم ليس لديه حتى منزل يعود إليه، والبعض قد يسقط مجدداً في براثن الكحول والمخدرات، ما سيقلص من فرص التزامهم بالعلاج. لذلك، فمن المهم جداً أن يحصل هؤلاء المرضى على الدعم الضروري بمجرد خروجهم من السجن للسماح لهم بمواصلة العلاج إلى حين تعافيهم بالكامل".

 

 

* أندري اسم مستعار، حفاظاً على خصوصية المريض.

 

[1] السل المقاوم للأدوية المتعددة هو نوع من السل امتلك مناعة من عقاري إيزونيازيد وريفامبيسين على الأقل، وهما العقاران الأكثر فاعلية في الخط الأول للعلاج من السل.

 

إدعم منظمة أطباء بلا حدود

تبرّع

العودة إلى الأعلى

تواصل معنا

  • شاهدنا على يوتيوب

حمولة