لماذا قرّرت منظمة أطباء بلا حدود مغادرة الصومال

أغسطس 22, 2013

تبرّع
لماذا قرّرت منظمة أطباء بلا حدود مغادرة الصومال © Camille Lepage

بقلم الدكتور أوني كاروناكارا، الرئيس الدولي لمنظمة أطباء بلا حدود

 

حين أعلنّا يوم 14 أغسطس/آب عن قرارنا بإنهاء جميع برامجنا الطبية في الصومال، خلّف الخبر صدمة في الأوساط السياسية والإنسانية. فقد جاء القرار في مرحلة بدأ فيها قادة العالم، ربما لأول مرة منذ عقود، يعبّرون عن مواقف إيجابية بشأن بلد عرف أخيراً معنى إعادة الإنعاش في ظل حكومة مستقرة. وبالنسبة لهؤلاء، فإن توقيت مغادرتنا كان سيئاً جداً. وفي حوارات لنا مع وسائل الإعلام، كان يُطلَب منا تفسير التناقض الصارخ بين النبرة المتفائلة لتلك الحكومات وبين حُكمنا القاسي، نوعاً ما، على الأوضاع في البلاد، والذي أدى بنا إلى اتخاذ أحد أصعب القرارات التي اتخذتها منظمة أطباء بلا حدود في تاريخها.

 

لذلك، دعوني أشرح لكم موقفنا ومسوغاته بالتفصيل. بداية، نحن في منظمة أطباء بلا حدود لا نعلّق على التطور السياسي أو الاقتصادي، بل نركزّ أولاً وأخيراً على صحة الناس وقدرتهم على الحصول على خدمات الرعاية الطبية التي يحتاجونها. ومن هذا المنطلق، وبناءً على أنشطتنا المكثفة التي نقوم بها في مختلف أنحاء البلاد، يمكنني أن أقول ببساطة بأن لا وجود للأخبار السارة هناك. فهناك شرائح واسعة من الشعب الصومالي ما زالت تعاني من سوء التغذية والأمراض والإصابات المرتبطة بالعنف، وهناك فرص ضئيلة جداً أمامها في الحصول على رعاية صحية ذات جودة مقبولة حين تحتاجها. لقد كافحنا من أجل توفير الخدمات الطبية في معظم أجزاء البلاد تقريباً، ولكننا قدمنا تنازلات كبيرة لتحقيق ذلك. وقد استأجرنا خدمات الحراسة المسلحة لحماية عياداتنا وأفراد طاقمنا، وهو أمر لا نفعله في أي منطقة أخرى تعاني من النزاعات المسلحة.

 

ورغم هذا الإجراء المتطرف وفق معاييرنا الخاصة، فقد واجهنا سلسلة من الاعتداءات، شملت اختطاف وقتل 16 من أفراد طاقمنا، إضافة إلى عدد كبير جداً من أعمال التهديد والسرقة وغيرها من أعمال التخويف والترهيب. وليس هناك من مكان آخر في العالم وجدنا فيه المخاطر الأمنية بهذه الحدة. وأنا أتفق مع عدد كبير من المعلقين على موقع تويتر الذين أشاروا إلى أن المنظمة معروف عنها البقاء والعمل في أكثر الظروف صعوبة، ولكن منظمة أطباء بلا حدود لها حدودها كأي شخص أو مؤسسة في هذا العالم. وقد وصلنا إلى أقصى ما نستطيع تحمّله في الصومال، مع كل ما تخلله بقاؤنا من أعمال اختطاف وقتل خلال السنوات الخمس الأخيرة. ففي ديسمبر/كانون الأول 2011، قُتل اثنين من زملائنا بطريقة وحشية في مقديشو. غير أن القاتل، وبالرغم من الحكم عليه بالسجن مدة 30 عاماً، أصبح الآن حراً طليقاً بعد قضائه ثلاثة أشهر فقط في السجن. وهناك زميلتان أخرتان تعرضتا للاختطاف في مخيم داداب شهرين قبل الحادث الأول، لم تعانقا الحرية إلا منذ أسابيع قليلة، إذ بقيتنا محتجزتين لمدة 21 شهراً في جنوب وسط الصومال. لقد كان هذان الحادثان آخر ما استطعنا تحمّله في البلاد.

 

ومع ذلك، فليس الهاجس الأمني هو الدافع وراء مغادرتنا، ولا حتى تواجد العناصر الإجرامية في محيطنا هناك. فما جعلنا نقتنع بعدم جدوى البقاء والمحاولة هو أن الأطراف نفسها التي تفاوضنا معها بشأن توفير الحد الأدنى من الضمانات الأمنية التي تسمح لنا بمزاولة نشاطنا، قد أصبحت تتساهل وتقبل بالاعتداء على العاملين في المجال الإنساني. وفي بعض الحالات، كانت الأطراف تلك تدعم صراحة الأعمال الإجرامية التي تستهدف طاقمنا. وفي حالات كثيرة، كانت هذه الأطراف تتعمد الحفاظ على أجواء تساعد على ارتكاب هذه الاعتداءات. ولم يقف أحد منهم للتنديد بأي عمل من شأنه تهديد أو اختطاف أو قتل الأطباء والممرضين وغيرهم من أفراد طاقمنا، الذين لا يقومون بشيء سوى تقديم خدمات الرعاية الصحية إلى السكان، الذين سيحرمون بلا شك من هذه الخدمات في حال غيابنا.

 

ودعوني أوضح أكثر. حين أقول "الأطراف في الصومال"، فأنا لا أتحدث فقد عن حركة الشباب المجاهدين، وإن كانت لديهم سلطة ومسؤولية أكبر في العديد من المناطق التي نعمل فيها. ونحن لا نشير فقط إلى الحكومة في مقديشو، التي أظهرت لامبالاة فيما يخص جريمة قتل زميلينا عام 2011، وهو ما يثبته إطلاق السراح المبكر جداً الذي استفاد منه القاتل. ما أقوله إذاً هو أن منظمة أطباء بلا حدود قد خلُصت إلى أن القبول بممارسة العنف ضد العاملين الصحيين قد انتشر في أوصال المجتمع الصومالي، وأصبح مقبولاً لدى العديد من الجماعات المسلحة وفي مستويات مختلفة من السلطة المدنية، من شيوخ العشائر إلى مندوبي المقاطعات وحتى في أوساط الحكومة الاتحادية الصومالية.

 

وقد برزت هذه النزعة المتطرفة لاستغلال المساعدات الإنسانية مرة أخرى مباشرة فور إعلاننا القرار بالانسحاب من الصومال. فبعدها بيوم واحد، سيطر ممثلون عن حركة الشباب على مرافقنا الطبية في دنصر ومراري، وصادروا المعدات والإمدادات وطردوا المرضى بالرغم من أننا لم نكمل معالجتهم. وفي ظرف يوم واحد كذلك، علّق متحدث باسم الرئاسة الصومالية على أن "القرار الذي اتخذته منظمة أطباء بلا حدود هو ما كانت تريده حركة الشباب والقاعدة تحديداً لذلك يمكنهما ترويع الناس أكثر. نطالب المنظمة بمراجعة قرارها وبأن تتعاون مع الشعب"، وهي بلا شك محاولة أخرى لفرض أهداف سياسية وعسكرية علينا، بينما نحن متمسكون بطابعنا الإنساني الصرف.

 

مرة أخرى أقول بأن قرار مغادرتنا، كان هو الأصعب في تاريخ منظمة أطباء بلا حدود. فخلال العام الماضي والنصف الأول من 2013، عالجنا نحو 50,000 مريض في الشهر الواحد، أي بمعدل 2,000 شخص يومياً. أما الآن، فسيجد كثيرون منهم صعوبة في الحصول على خدمات الرعاية الصحية التي يحتاجونها. وبالنسبة لمنظمة فيها نسبة كبيرة من الأطباء، فإن هذا القرار يشكل مسؤولية جسيمة.

 

وفي كينيا، سيؤثر هذا القرار كذلك على مئات الآلاف من اللاجئين الصوماليين الذين تضاءلت بشدة فرصهم في العودة قريباً إلى ديارهم. وتواصل للمنظمة تقديم الرعاية الطبية إلى اللاجئين في كينيا وإثيوبيا، ولكن في ظل بيئة نادراً ما تكون آمنة ومستقرة (بالنسبة لمرضانا وأفراد طاقمنا) مقارنة بما كانت عليه في الصومال.

 

وطالما لم يُظهر أصحاب السلطة والتأثير في الصومال احترامهم لمن يقدم الرعاية الطبية إلى السكان المتواجدين في مناطق سيطرتهم، وطالما لم يظهروا الاحترام لأولئك الذين يواجهون مخاطر شخصية عظيمة في سبيل تقديم تلك الرعاية، فإن منظمة أطباء بلا حدود لن تستطيع أبداً العودة إلى الصومال.

 

إدعم منظمة أطباء بلا حدود

تبرّع

العودة إلى الأعلى

تواصل معنا

  • شاهدنا على يوتيوب

حمولة