14 ديسمبر 17
د. روسلين بروكس طبيب من أستراليا

رسالة من لانكين، جنوب السودان

تتواجد د. روسلين بروكس في جنوب السودان حيث تعمل في مستشفى في لانكين، وهي منطقة تأثرت بشدة بالنزاع الدائر في البلاد...

 أحب التواجد داخل أقسام المستشفى، والتعرف على المرضى فرداً فرداً والاطلاع على الحالات الأكثر شيوعاً مثل الملاريا والكالازار والحمى المالطية وحمى التيفوئيد والسل، وهناك أيضاً العديد من حالات سوء التغذية والإسهال والجفاف لدى الأطفال. تدير منظمة أطباء بلا حدود مستشفى كبيراً في لانكين منذ نحو (23 عاماً)، لذلك نجد أن المستشفى قائم على أسس ثابتة ويعمل فيه موظفون من ذوي الخبرة من جنوب السودان.

يغطي دوري بصورة رئيسية قسمي الطب العام وطب الأطفال بالإضافة إلى العناية المركزة ووحدة التغذية العلاجية للمرضى الداخليين من الأطفال المصابين بسوء التغذية، ويوجد في المستشفى أيضاً قسم للتوليد والجراحة ورعاية المرضى الخارجيين. ويعمل الأطباء والممرضات والقابلات الدوليون جنباً إلى جنب مع الموظفين المحليين الدائمين إلى حد ما بصفة مشرفين، إلا أنهم يشاركون أيضاً وعلى نحو مباشر في جولات الأقسام ورعاية المرضى.

"كان الأب رائعاً، فقد جلس لدعم طفله عدة أيامٍ وليال."

تم استدعائي في صباح أحد الأيام إلى غرفة الطوارئ لفحص صبي يبلغ من العمر أربع سنوات. كان يجلس وفمه نصف مفتوحة واللعاب يسيل من فمه، وكان يجد صعوبة كبيرة في التنفس. كان حلقه ومجرى الهواء العلوي مسدودين بشكل شبه كامل وكان يعاني من تشنجات السعال النباحي، فهذه هي الأعراض الشائعة لالتهاب لسان المزمار الحاد، وهي إحدى حالات الطوارئ الطبية التي تهدد الحياة حيث يعاني المريض من حمى وتورم هائل في الحلق يمكن أن يسد مجرى الهواء تماماً، وبهذا لا يستطيع ابتلاع حتى اللعاب، لذلك يسيل اللعاب من فم المريض.

يمكن أن يزيد فحص الحلق من انسداد مجرى الهواء، لذلك تتمثل القاعدة الأولى في عدم محاولة فتح فم الطفل أو فحص الحلق أبداً، بل الحفاظ على الهدوء التام للطفل وهو في حالة الجلوس مستقيم الظهر. كان والد الصبي رائعاً، فقد جلس لدعم طفله عدة أيام وليال، في حين قدمنا له العلاج الوريدي باستخدام المضادات الحيوية والكورتيكوستيرويدات والسوائل. بعد نحو أسبوع، تعافى هذا الولد الصغير بصورة جيدة وذهب إلى بيته. كان ما يزال يعاني من السعال النباحي، لكنه أصبح يتنفس ويتناول الطعام بسهولة.

نحن في وطننا في أستراليا لا نشهد تقريباً حالات التهاب لسان المزمار الحاد البتة، فالتحصين في السنة الأولى من حياة الطفل يحميه من البكتيريا (الأنفلونزا المستدمية) التي تسبب ذلك الالتهاب.

المعوقات التنموية الشديدة

لقد شهدت، فضلاً عن التهاب لسان المزمار، العديد من الحالات الأخرى النادرة أو غير الموجودة أصلاً في أستراليا. ويطلب مني أحياناً أن أعطي رأيي بالأطفال الذين لا يحققون تقدماً جيداً في برنامج التغذية العلاجية للمرضى الخارجيين، ففي العديد من الحالات، يكون الطفل قد بدأ يعاني من تأخرٍ في النمو. لقد كانت هناك فتاة تبلغ من العمر ثلاث سنوات ولم تتمكن بعد من المشي أو الكلام؛ وصبي يبلغ من العمر أربع سنوات لا يستطيع الكلام أو الجلوس بمفرده أو الوقوف وكان يقوم باستمرار بحركات التوائية بوجه ولسانه. وتظهر القصة السريرية للطفلين بأنهما كانا يعانيان من الحمى والتشنجات في مرحلة الرضاعة، ومن المرجح جداً أن يكون ذلك بسبب التهاب السحايا.

يقع جنوب السودان في "حزام التهاب السحايا"، وهو مرض شائع بين الأطفال في هذه المناطق، يمكن علاجه بجرعات عالية من المضادات الحيوية الوريدية، إلا أن العديد من الأطفال يعيشون بعيداً عن المرافق الصحية، وبهذا لا يتلقون العلاج. حتى أولئك الذين يتلقون العلاج، قد يموتون أو يبقون على قيد الحياة لكن مع أذية دماغية دائمة وتأخر في النمو، لاسيما إذا ما تم علاجهم في وقت متأخر، وللأسف، تأتي النتائج الشائعة على شكل فشل فكري حاد وشلل تشنجي.

يمكن الوقاية أيضاً من العديد من سلالات التهاب السحايا (إن لم يكن كلها) عن طريق التحصين، فقد أصبح مرض التهاب السحايا نادراً في البلدان المتقدمة. نحن محظوظون جداً في أستراليا إذ يحصل الأطفال على جرعات كاملة من التحصين وبالمجان، إجراء يمكن لشعب جنوب السودان الاستفادة منه بالتأكيد.

مرض نادر

هناك مرض آخر شائع جداً هنا هو كالازار، مرض لم أراه من قبل، إذ يصاب الشخص بهذا المرض بسبب طفيلي ينتشر عن طريق لدغة من الفواصد.

يغزو هذا الطفيلي الطحال والغدد الليمفاوية ويؤدي إلى خفض مناعة الجسم مع قابلية الإصابة بالالتهابات الشديدة. هناك بعض العلاجات الفعالة المتوفرة، (وعلى الرغم من أن هذا المرض ما يزال مهملاً من ناحية الأبحاث الطبية) فإن معظم المرضى يتعافون تماماً، لكن البعض قد يفقد حياته فجأةً في المراحل المبكرة من العدوى الساحقة أو النزيف الداخلي، وبدون العلاج، يموت تقريباً جميع مرضى الكالازار.

"من الممتع أن تكتسب المعرفة من الموظفين ذوي الخبرة في جنوب السودان حيث يقومون بإدارة البرنامج."

توفي طفلان مصابان بالكالازار الحاد في المستشفى مؤخراً على الرغم من جميع العلاجات التي قدمناها لهم. ومع ذلك، يبقى برنامج كالازار هنا في لانكين انتصاراً مدهشاً في سياق التغلب على مرض مهمل ومميت. من الناحية السريرية، أجد الأمر ملهماً عندما أشارك وأتعلم من الموظفين ذوي الخبرة في جنوب السودان حيث يديرون هذا البرنامج.

التبويبات الأساسية

{{{ labels.morehistories }}}